زادك في دقائقزادك في دقائق

ظلم النفس والآخرين

أنواع الظلم..
إن الظلم على قسمين:

النوع الأول: ظلم النفس.. إن كل ظلم للنفس، يعود إلى معصية الله عز وجل؛ لأن هذه النفوس أمانات بين أيدينا، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.. وظلم النفس نوعان:

1. إضرار البدن: هناك فتوى معروفة: أنه لا يجوز الإضرار البليغ بالبدن، كأن يذهب الإنسان إلى الطبيب ويطلب منه قطع يده مثلاً!.. لأنه ليس له حق التصرف في بدنه.

2. إضرار النفس: وهو المعصية النفسية، فهذه المعصية ليس فيها إضرار بالبدن، ولا تعدٍّ على الغير؛ ولكنه أعظم الظلم!.. كأن يقول الإنسان فجأة -مثلاً-: كفرت بالله عز وجل؛ هذا ظلم كبير للنفس!..

فإذن، إن ظلم النفس يعود لمعصية الله عز وجل.

النوع الثاني: ظلم الغير.. إن ظلم الغير هو أيضاً ظلم للنفس، وزيادة!.. فالذي يعتدي على إنسان اعتداءً: بدنياً، أو اعتداءً عِرضياً -أي نفسياً- هذا أيضاً ظلم للنفس، وظلم للغير!.. وهذا الظلم له تبعات:

أولاً: رضا الغير.. إن ظلم الغير من بعض الجهات، أعظم من ظلم النفس، ولو كان ظلم النفس كبيراً جداً؛ كأن يرتكب الإنسان الكبائر، ففي ليلة -مثلاً- يشرب الخمر، ويزني، ويسمع الغناء؛ هذه موبقات عظيمة!.. ولكنه لم يعتد على مال الغير، ولم يغتب أحداً.. فالمصيبة هي في أن ظلم الغير، يحتاج إلى رضا الغير!.. أما رب العالمين فإنه سريع العفو، وسريع الرضا، كما نقرأ في دعاء كميل: (يا سريع الرضا)!.. وفي القرآن الكريم: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ..﴾؟.. فرب العالمين ينتظر توبة التائبين ويفرح بها، عن أبي جعفر (عليه السلام): (أنَّ اللهَ تعالى أَشَدُ فَرَحَاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ، مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَه وزَاده في ليلةٍ ظلماء فوجَدَها.. فاللهُ أشدُ فرحاً بتوبةِ عبدهِ، منْ ذلكَ الرجل براحلتِه حينَ وجدَها).

ثانياً: تراكم الظلم.. إن ظلم الغير ثقيل جداً، لذا احترسوا ظلم الآخرين!.. يقول الإمام علي (عليه السلام): (ظلامة المظلومين؛ يُمهلها الله ولا يَهملها).. علماً أن كلّ الذنوب لا تُهمل، ولكن مشكلة ظلم الغير أن هذه الظلمات تتراكم إلى أن يصل الإنسان إلى نقطة، تجعل رب العالمين ينتقم منه.. مع أن رب العالمين عادةً يمدح نفسه عند الخلق كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾!.. ولكن عندما ينتقم من الظالم يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ثم يثني على نفسه قائلاً: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

ثالثاً: الإقامة على الظلم.. إن الظلم قسمان:
1. ظلم مؤقت: إن الإنسان قد يقع منه ظلم على زوجته في ليلة؛ ولكنه عند الصباح يعتذر منها.. كما هو الحال في بعض قرى البلاد غير المسلمة -حيث البساطة وليس في المدن- فالزوج يقول لزوجته قبل النوم: هل أنت راضية عني؟!.. أو هل هناك مشكلة اليوم؟.. إذا لم يكن هناك مشكلة؛ ينامان.. وإذا كان هناك مشكلة؛ يحاولان حلها، ويترضيان؛ كي يفتحوا صفحة جديدة في اليوم التالي.. المؤمن يأخذ الحكمة ولو من أفواه الكفرة، الحكمة تقول: أنه ينبغي أن تُختم الملفات إلى الليل، وغداً يوم جديد، وعلاقة جديدة.. أما أن تتراكم الملفات، ثم تظهر الفضائح في المحاكم، فحتى العقلاء ومن لهم منطق من غير المسلمين؛ يتحاشون ذلك.

2. ظلم دائم: إن في تعابير أهل البيت (عليهم السلام) هناك عبارة “الإقامة على الظلم”!.. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ).. الإقامة على الظلم، هو الظلم المستمر: كأن يظلم الإنسان خادمته يومياً، أو يظلم الشريك شريكه، والزميل زميله.. هذا العمل هو من موجبات تعجيل الانتقام من الإنسان؛ لأنه أقام على الظلم!..

رابعاً: انتقام رب العالمين.. إن رب العالمين له صبر عجيب، ولكن إذا أخذ فإن أخذه أخذ عزيز مقتدر، يقول تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾.. عن الإمام الباقر (عليه السلام): (أملى الله عز وجل لفرعون ما بين الكلمتين أربعين سنة، ثم أخذه الله نكال الآخرة والأولى، وكان بين أن قال الله عز وجل لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾، وبين أن عرّفه الله الإجابة أربعين سنة.. ثم قال: قال جبرائيل: نازلت (أي سألته مرة بعد مرة) ربي في فرعون منازلة شديدة فقلت: يا رب!.. تدعه وقد قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾؟.. فقال: إنما يقول هذا عبد مثلك).. هذه الرواية فيها مطلبان مهمان:

-(وكان بين أن قال الله عز وجل لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾، وبين أن عرّفه الله الإجابة أربعين سنة).. إن رب العالمين لا يعجل؛ لأنه (إِنَّمَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ)، بين دعوة النبي (عليه السلام) وبين الاستجابة أربعين سنة.. بينما هناك من يدعو الآن ويتوقع الإجابة غداً، موسى (عليه السلام) انتظر أربعين سنة، وموسى هو كليم الله ولكن الله عز وجل لم يعجل له الاستجابة!..

-(قال جبرائيل).. إن جبرائيل (عليه السلام) هو سفير الله عز وجل، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.

-(نازلت ربي في فرعون منازلة شديدة).. أي أخذ يسأل ويصر في السؤال.

-(يا رب!.. تدعه)؟.. أي إلى متى تصبر على فرعون؟.. فالملائكة لهم حق السؤال، كما في خلقة آدم (عليه السلام) ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

-(وقد قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾).. قال جبرائيل (عليه السلام): إلى متى تصبر على فرعون، وقد قال كلمة لم يقلها أحد على ما نعلم إلا المجانين.. ففرعون لم يقل: أنا ربكم المتوسط -مثلا- بل قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾؛ أي أعلى من كل عالٍ!..

-(فقال: إنما يقول هذا عبد مثلك).. رب العالمين جوابه محكم، قال لجبرائيل: يا جبرائيل!.. أنت عبد وأنا رب، أنا أتصرف!.. أي نحن نصبر على ظلم فرعون، ولكن في الساعة المؤاتية نقتلعه من جذوره!.. رب العالمين تركه آية للعالمين، يقول تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾، وهذه أهرامات مصر تدل على أولئك الفراعنة.

الدرس العملي..
1. عدم تعجل استجابة الدعاء.

2. إن رب العالمين يُمهل ولا يهمل.

3. إن الإنسان يسأل الله عز وجل ألا يحلل عليه غضبه؛ لأن الآية مخيفة ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾!.. فبعض أهل المعاصي بعد سنوات من ارتكاب المحرمات المختلفة، وإذا به يرى انقلاباً في قلبه: فيشك في دينه، وفي المبدأ والميعاد.. ما ذلك إلا بسبب تراكم المعاصي، فينتهي به الأمر إلى الكفر؛ لأن رب العالمين يسلط عليه الشيطان ليسلب منه كلمة “لا إله إلا الله”.

4. إن الإنسان عليه أن يحذر الظلم قليله وكثيره!..

5. إن الإنسان عليه أن يدعو ربه قائلاً: يا رب، إن كان ولابد من العقوبة -هذا دعاء طريف قد تضحك منه الملائكة- يا رب، عذّبني بالأقساط لا بالجملة.. أنا الآن ارتكبت ظلماً، فلأبتلَ بصداعٍ هذا اليوم، كي تصفي الحساب معي، ولا تجعل الحسابات متراكمة، فتأخذني ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾.. هب لي الصبر على بلائك، فأنا أتحمل العقوبات الخفيفة، ولا تعمل فيَّ بقولك: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى