زادك في دقائقزادك في دقائق

خشوع النبي (ص) في الصلاة

الاستنان بسنته..
إن من موارد ومصاديق الاستنان بسنة النبي (صلی الله عليه) هو الاستنان به والاقتداء به في صلاته..

أولاً: إن النبي (صلی الله عليه) شبه الصلوات الخمس بالنهر الجاري، حيث قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟.. قَال: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا).. والتعبير الروائي دقيق، فقد قال: “يَغْتَسِلُ” منه، لم يقل: يرد عليه، أو يجلس بجانبه.. فالاغتسال من النهر؛ يعني الدخول داخل النهر والسباحة فيه، وإلا فإن الدرن يبقى.. مثال ذلك: الإنسان الذي على رأسه درن أو كدر، ويدخل النهر إلى وسطه فقط ثم يخرج؛ فإنه يتنظف بمقدار ما دخل، ولكن رأسه يبقى قذراً.. إذ لابد أن يغطس في الماء بكل بدنه، فيغتسل غسلاً ارتماسياً -مثلاً- عندئذ يزول عنه كل درن.

ثانياً: إن من يُصاب -هذه الأيام- بالتهاب، يُعطى مضاداً حيوياً، ويُطلب منه تناول هذا الدواء ثلاث مرات في اليوم؛ لأن مفعول هذا الدواء لا يؤثر أثره، إلا إذا أُخذ بانتظام..، والصلوات الخمس بمثابة المضاد الحيوي، مع فارق التشبيه: هذا يرفع عن الإنسان رجس الشيطان، والمضاد الحيوي يدفع عنه بعض الأمراض الدنيوية.

ثالثاً: إن النبي (صلی الله عليه) لم يكن محافظاً على أوقات الصلوات فحسب!.. بل كيفية صلاته هي أعلى الكيفيات، فسماع صوت كأزيز المرجل هذه العبارة منسوبة إلى إبراهيم الخليل (عليه السلام) (رُوي أن إبراهيم (عليه السلام) كان يُسمع تأوّهه على حدّ ميل حتى مدحه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾، وكان في صلاته يُسمع له أزيز كأزيز المرجل، وكذلك كان يُسمع من صدر سيدنا رسول الله (صلی الله عليه) مثل ذلك).. المرجل هو ذلك الوعاء الذي يُغلى فيه الماء، هذا الماء عندما يغلي يصدر صوتاً يسمى أزيز المرجل، هكذا كان إبراهيم خليل الله، ولكن المصطفى محمد (صلی الله عليه) كان حبيب الله وكانت له هذه الحالة أيضاً (روي عن النبي (صلی الله عليه) أنه كان إذا صلى، سُمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من الهيبة).. وهناك فرق بين الهيبة وبين الخوف.

أنواع الخوف..
إن هذه العبارة من كتاب “الخصال” للشيخ الصدوق: (أنواع الخوف خمسة: خوف، وخشية، ووجل، ورهبة، وهيبة.. فالخوف للعاصين، والخشية للعالمين، والوجل للمخبتين، والرهبة للعابدين، والهيبة للعارفين.. أما الخوف فلأجل الذنوب، قال الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.. والخشية لأجل رؤية التقصير، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾.. وأما الوجل فلأجل ترك الخدمة، قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.. والرهبة لرؤية التقصير، قال الله عز وجل: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾.. والهيبة لأجل شهادة الحق عند كشف الأسرار أسرار العارفين، قال الله عز وجل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، يشير إلى هذا المعنى).

-(أنواع الخوف خمسة).. هناك خمسة أنواع من الخوف، بعض الناس قد لا يكون فيه أي نوع من هذه الأنواع.

-(خوف، وخشية، ووجل، ورهبة، وهيبة).. كلها في جو الإحساس بالعظمة، ولكن ألوانها تختلف!.. مثل اللون الأبيض الذي يتحول إلى ألوان عديدة عندما نحلله، رغم أنه لون واحد، ولكن عند المنشور الثلاثي يتحول إلى ألوان.

-(فالخوف للعاصين).. (أما الخوف فلأجل الذنوب).. هناك خوف العاصين، فقد يكون الإنسان فاسقاً فاجراً، ولكنه في ساعة الفسق يخاف ربه..

-﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.. لم يقل: خاف ربه؛ لأن الله عز وجل بما هو هو؛ لا يُخاف منه.. إنما الخوف يكون من مقامه، ومن غضبه، ومن ناره.

-(والخشية للعالمين).. (والخشية لأجل رؤية التقصير).. وهو للعلماء، فالعالم مهما سعى؛ يرى نفسه مقصراً!.. ولهذا يقول:

-﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾.. من منا يحرز أن كل دقيقة في حياته مطابق لرضا الله عز وجل؟.. ولهذا إذا حاول الإنسان أن يحاسب نفسه بدقة، يرى أنه ظالم لنفسه، فمثلاً:

1. إن الإنسان الذي يكفيه من النوم ست ساعات، وينام الساعة السابعة؛ يكون قد ظلم نفسه، فهو أماتها باختياره؛ لأن النوم أخو الموت، كما روي عن النبي (صلی الله عليه) حيث قال: (النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلا يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ).

2. إن الإنسان الذي يشبع من خمس لقيمات، ويأكل السادسة؛ فإن هذه اللقمة -السادسة- هي مال الله عز وجل، أدخله في جوفه، كأنه مال مغصوب!.. هو ليس بالمغصوب الفقهي، فرب العالمين أجلّ من أن يحاسبنا، ولكن مع الدقة.

فإذن، هذا هو خوف الخشية، لا خوف نار جهنم!.. فالنوم الزائد، والطعام الزائد ليس فيه عقاب.

-( والوجل للمخبتين).. (وأما الوجل فلأجل ترك الخدمة).. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.. إن الإنسان الذي يكون مشغولاً بعمل طيب، كيف له أن يعلم أن هذا هو الأطيب؟!.. مثلاً: هو الآن مشغول بدعاء، وفي جانبه أمه العجوز، من قال أن محادثتها ليس أرضى لله عز وجل من دعائه في هذا الوقت؟.. الله عز وجل يريد أن يُعبد حيث يريد “اعبدني حيث أريد، لا حيث تريد”، بينما هناك من يخترع لنفسه طريقاً للعبودية، والحال أن الأمر ليس كذلك!..

-(والرهبة للعابدين).. (والرهبة لرؤية التقصير).. قال الله عز وجل: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾.. ولهذا الأنبياء حتى أولي العزم، كانوا يبكون خوفاً من هذا التقصير، فكلمة “ترك الأولى” معروفة في قاموس الأنبياء (عليهم السلام).

-(والهيبة للعارفين).. (والهيبة لأجل شهادة الحق عند كشف الأسرار؛ أسرار العارفين).. قال الله عز وجل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.

الخلاصة:
أولاً: إن الصلاة هي أعظم إنجاز في حياة النبي (صلی الله عليه)!.. فمن من يريد أن يكون قريباً من مقام النبي (صلی الله عليه) وفي رتبته يوم القيامة -طبعا رتبته لا في قصره، فهذا مقام لا يبلغه أحد!.. والرتبة هي المنطقة التي فيها النبي (صلی الله عليه) وهذا فوز عظيم- فليتأس بالنبي فيما كان ذلك قرة عينه:

1. كان (صلی الله عليه) يقول: (جُعل لذتي في النساء والطيب، وجُعل قرة عيني في الصلاة والصوم)..

2. وفي حديث آخر: (حُبّب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة).

3. عن أم المؤمنين عائشة: (كان رسول الله يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة، فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه).. يتنكر لمن حوله، وما قيمة الناس أمام رب العالمين؟..

4. عنه (صلی الله عليه): “(أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة).. وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما قليلا”.. فكفالة اليتيم من الأعمال التي تجعل الإنسان في رتبة النبي (صلی الله عليه)؛ ولكن هناك فرقاً بين الكفالة وبين المساعدة: فالكفالة تكون ككفالة أبي طالب للنبي الأعظم (صلی الله عليه)!.. والإنسان الذي يتكفل يتيماً يكون له كالأب، هذا المعنى المتيقن.. أما مساعدة اليتيم، فإن فيها شيئاً من هذه الدرجات.

ثانياً: إن الإنسان عليه أن يطوّر من صلاته، ويصل إلى درجة الخشوع الفكري على الأقل!.. فالخشوع درجات:

1. الخشوع البدني: وهو أمر سهل جداً: هو عبارة عن وضع اليدين على الركبتين، وطأطأة الرأس.

2. الخشوع الذهني: وهو أن يفكر المصلي فيما يقول.

3. الخشوع القلبي: وهو أن يخشع من خشية الله وعلامته: جريان الدمع.

فإذن، إن المؤمن يحاول الوصول -على الأقل- إلى درجة الخشوع الفكري الذي لا يوجب جريان الدمع، فخشوع البدن والفكر؛ هما أقل الدرجات!.. وهنيئاً لمن مزج الخشوعين بخشوع القلب، فهذه الدموع تطفئ بحاراً من غضب الله عز وجل، قال (عليه السلام): (البكاء من خشية الله، يطفئ بحاراً من غضب الله).. فأرقى قطرة في الوجود دم الشهيد وقطرة سكبت من خشية الله، عن السجاد (عليه السلام): (ما من قطرةٍ أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من قطرتين: قطرة دمٍ في سبيل الله، وقطرة دمعةٍ في سواد الليل، لا يريد بها عبدٌ إلاّ الله عزّ وجلّ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى