زادك في دقائقزادك في دقائق

آداب السفر

أنواع السفر..
إن هناك نوعين من السير والسفر:

1. السير في عالم الأنفس: إن السير في عالم الأنفس؛ له معنى معقد ودقيق، وهو أن يسير الإنسان في سياحة روحية.. وهذا له أهله، حيث أن هناك من يبلغ من الكبر عتيا، وهو لا يعلم ما هو السفر الأنفسي.. ومن مصاديق السفر الأنفسي: الصلاة الخاشعة، والسجود بين يدي الله عز وجل، أيضاً مقدمة لهذا السفر.

2. السير في عالم الآفاق: هو السير في عالم المادة؛ أي السفر إلى البلدان.

آداب السفر..
إن أصل السفر الأرضي -لا السفر السماوي- أمر ممدوح، يقول تعالى في سورة “العنكبوت”: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ وفي سورة “آل عمران”: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾؛ هذه الآيات تدل على أن هناك أمراً بالسير والسياحة والسفر.. ولكنّ هناك شروطاً لهذا السفر؛ لأن المؤمن موجود هادف، لا يسافر لأجل السفر فقط؛ وإلا فإن هذا الأمر يصبح لا معنى له، مثل الإنسان الذي يأكل ليعيش ويعيش ليأكل؛ فبعض الناس هذه فلسفة وجودهم.. بينما المؤمن كل فعل يقوم به في الدنيا؛ مرتبط بالآخرة، يقول تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛ يمكن تشبيه المؤمن بأولئك الذين يتسلقون الجبال: فهؤلاء يتزودن.. ولكن هل هناك متسلق جبال يأخذ معه –مثلاً- رطلاً من الحديد الذي لا فائدة منه؟.. هو في مقام التزود، لذا فإنه يأخذ معه إلى قمم الجبال ما يقيم صلبه، فإن كانت الكمية محدودة، وبإمكانه أن يحمل عشرين كيلو –مثلاً- فإنه يختار الأشياء الضرورية.. والمؤمن هكذا في سفر؛ يأخذ في سفره ما هو لازم له!..

فإذن، إن أصل السفر راجح؛ ولكن هناك آداباً في السفر، منها:

أولاً: مراعاة رفقة السفر.. روي عن رسول الله (ص) أنه قال: (الرّفيق ثمّ الطّريق)، وفي حديث آخر: (الرفيق ثم السفر).. إن رفقة الطريق والسفر مهمة جداً؛ لأن بعض الشباب انحرفوا في سفرة واحدة، بسبب ذهابهم مع شلة فساد؛ وهذه كارثة!.. فأسوأ العصاة هم الذين يأنسون أو يدعون غيرهم للفساد؛ ليأنسوا هم بالحرام.. فبعض العاصين إذا أراد أن يذهب إلى بلد لأجل الحرام، لا يستأنس في سفره إن كان بمفرده؛ لذا فإنه يغري غيره بالذهاب، وقد يدفع له تكاليف السفر، حتى يعينه على المعصية.. فالمعصية الجماعية -في نظرهم- ألذ من المعصية الفردية!.. هذا الإنسان -تقريباً- يُخشى ألا يُغفر له أبداً؛ لأنه على رأس جماعة من جماعات الفساد.. من هنا يأتي التأكيد على مسألة الرفيق ثم الطريق!.. وإذا لم يجد الإنسان مؤمناً مرافقاً مؤنساً؛ فليذهب وحده؛ هذا خير له من رفيق غير مؤانس.. بعض الأوقات يذهب الإنسان مع أخ عصبي المزاج؛ فيتحول سفره إلى قطعة من العذاب؛ فما له والذهاب مع إنسان لا يؤنسه في سفره؟!..

ثانياً: القيادة.. روي عن رسول الله (ص) أنه قال: (وإِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ؛ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ).. هذا الأدب من آداب السفر الجماعي، كالحج وزيارات المشاهد.. هذه الرواية واردة في كنز العمال للمتقي الهندي، يقول: إذا كان ثلاثة في سفر، أحدهم يصبح أمير القافلة، وبعبارة أخرى: رئيس المجموعة؛ لأنه عندما يجتمع في سفرة ثلاثة أو أربعة أشخاص، فإن لكل واحد منهم مزاجاً مختلفاً عن الآخر، هنا يمكن أن يقع الخلاف والتشاجر على كل أمر.. لذا، فإنه من الأفضل أن يُعيّن شخص تكون له كلمة الحسم، ويكون أميرهم في هذا السفر.. وبناء على ما تقدم: إذا كان ثلاثة في سفر لابد لهم من أمير؛ فكيف بالأمة بعد رسول الله (ص)؟!.. فإذن، إن وجود أمير متفق عليه وأمين؛ من ضروريات العيش!..

ثالثاً: خدمة الأخوان.. روي عن رسول الله (ص) أنه قال: (سيد القوم؛ خادمهم في السفر).. فمن آداب السفر، أن يتجرد الإنسان عن هويته الدنيوية: فإن كان ضابطاً في رتبة عالية، أو تاجراً كبيراً، أو أستاذاً في الجامعة؛ فإنه في السفر يتحول إلى إنسانٍ أكثر تواضعاً مما كان عليه في بلده، ويخدم أخوانه، وخاصة إذا كان السفر سفراً إلهياً كالحج مثلاً!.. بينما هناك من يبقى على كبريائه وإن كان في سفرة إلهية؛ فما المانع أن يكنس الطريق قائلاً: يا رب، أتقرب إليك بكنس طريق زوار قبر الحسين (عليه السلام) -مثلاً- وإن كان ما كان في بلده؟!..

رابعاً: المزاح.. روي عن الصادق (عليه السلام) وهو يصف علامات المروءة في السفر، قال: (المروءة في السفر… وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله عز وجل).. بما أن الإنسان في السفر قد يقع: في ضيق، أو في أزمة، أو في وحشة، كأن يكون حديث عهد بالزواج -مثلاً- وقد خلف زوجته وراءه؛ فإن المؤمن يتخفف معه من قيوده.. فرغم أن هناك روايات كثيرة في ذم المزاح الكثير، إلا أنه مستحب في السفر، ولكن مع مراعاة الموازين الشرعية.. بعض العلماء الكبار: لهم هيبة، ولهم وقار، ومع ذلك يقول بعض من سافر معهم: أن هذا العالم كان يتحول إلى إنسان آخر في السفر؛ عملاً بهذا الحديث!..

خامساً: الاستغناء عن الغير.. قال لقمان لابنه: (يا بني!.. سافر بسيفك وخُفّك وعمامتك وخبائك وسقائك وخيوطك ومخرزك، وتزّود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقاً إلا في معصية الله عزّ وجلّ.. وفي رواية بعضهم وقوسك)..

-(قال لقمان لابنه).. إن لقمان هو سيد الحكماء من غير المعصومين، فمن الأولين هناك لقمان، ومن الآخرين سلمان؛ كلاهما أُعطيا الحكمة من دون نبوة، والمؤمن أيضاً مرشحٌ لأن يكون على طريق لقمان، يقول تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.. فمن وصايا لقمان: أن يستغني الإنسان عن الغير في زاده عندما يكون مسافراً، بينما هناك من يسافر ومعه حقيبة صغيرة، وفي الطريق يطلب بعض حاجياته من رفاقه؛ وهذا خلاف آداب الحكمة!..

-(يا بني!.. سافر بسيفك).. إن السيف في تلك الأيام، كان أداة الدفاع عن النفس.

-( وخُفّك وعمامتك).. هذه الأشياء يحتاج إليها الإنسان في سفره.

– (وخبائك).. قد يحتاج المسافر في الطريق إلى خيمة؛ فلمَ يذهب إلى خيمة الغير؟!..

-(وسقائك).. هو الذي يوضع فيه الماء.

-(وخيوطك ومخرزك).. يوصي بأخذ الخيوط والإبرة في السفر؛ لأنه قد يحتاج المسافر إليهما.

-(وتزّود معك من الأدوية، ما تنتفع به أنت ومن معك).. حتى الدواء يأخذه المسافر معه في سفره، كمُسكّن الآلام وغيره من الأدوية التي قد يحتاج الغير إليها أيضاً.

فإذن، إن المؤمن مبرمج، ومنظم في حياته، ودقيق حتى في السفر؛ هذه هي جامعية المؤمن؛ فأين نحن من هذا الأمر؟!..

سادساً: الهدية.. روي عن رسول الله (ص) أنه قال: (إذا خرج أحدكُم إلى سفر، ثُم قدم على أهله؛ فليُهدهم وليُطرفهم ولو حجارة).. على المسافر أن يأتي بهدية إلى عياله وأهله، بينما هناك من يفتخر بأنه عندما يسافر لا يذهب إلى الأسواق؛ وهذا خلاف الأدب!.. بينما الأدب هو في إحضار هدية، ولو كانت عبارة عن حجر وجده في الصحراء -مثلاً- له شكل جميل، وعليه نقش!.. والمقصود هنا أنه ولو كانت هدية صغيرة جداً، ولكن لا يأتي فارغاً!.. وهذه الأيام في المطارات هناك أسواق سريعة، بإمكان المسافر أن يشتري بعض الهدايا منها.. وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا سافر أحدكم، فقدِم من سفره؛ فليأت أهله بما تيسر ولو بحجر!.. فإن إبراهيم (عليه السلام) كان إذا ضاق أتى قومه، وإنه ضاق ضيقة فأتى قومه فوافق منهم أزمة، فرجع كما ذهب.. فلما قرب من منزله نزل من حماره، فملأ خرجه رملاً؛ إرادة أن يسكّن به من روح سارة.. فلما دخل منزله حط الخرج عن الحمار، وافتتح الصلاة، فجاءت سارة ففتحت الخرج فوجدته مملوءاً دقيقاً؛ فأعجنت منه وأخبزت، ثم قالت لإبراهيم: انفتلْ من صلاتك وكلْ!.. فقال لها: أنّى لك هذا؟.. قالت: من الدقيق الذي في الخرج، فرفع رأسه إلى السماء وقال: أشهد أنك الخليل).

سابعاً: المحافظة على الصلاة.. إن لم يأخذ المسافر معه خيطاً وإبرة ودواء؛ فهذه ليست كارثة.. إنما ما هو مهم وربما أهم أدب من آداب السفر، هو ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: (لاَ يَخْرُجِ الرَّجُلُ فِي سَفَرٍ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى دِينِهِ وَصَلاَتِهِ).. بعض المؤمنين عندما يريد أن يسافر يراعي مواقيت الصلاة، فالسفر الذي يكون قبل الفجر بقليل، والوصول بعد طلوع الشمس، هذا سفر لا يناسب المؤمن؛ لأنه سيُفوت عليه الصلاة، لعدم تمكنه من الصلاة في الطائرة.. لذا، هو دقيق حتى في الحجوزات، يراعي أوقات الصلاة، كي لا تفوته صلاة في أول الوقت أثناء سفره.

ثامناً: الصدقة.. إن مخاطر السفر كثيرة هذه الأيام، ففي الماضي كان السفر على الدواب، وكان الخطر يتمثل بقطاع الطرق.. أما هذه الأيام، فإن الطائرات ووسائل النقل الأخرى، فيها كوارث كبيرة.. لذا، نحن مأمورن بالصدقة؛ فإننا نشتري بها سلامة سفرنا.. جاء في الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): (افتتح سفرك بالصدقة، واخرج إذا بدا لك؛ فإنك تشتري سلامة سفرك).. ويستحب قراءة هذا الدعاء: (اللِّهمَّ!.. إنِّي اشَتَريت بهذِهِ الصَّدَقَةِ: سَلامَتِي، وَسَلامَةَ سَفرِي، وَمَا مَعِي.. اللَّهمَّ!.. احفَظْنِي، وَاحْفظْ مَا مَعِي.. وَسَلِّمْنِي، وَسَلِّمْ مَا مَعِي.. وَبَلِّغْنِي، وَبَلِّغْ مَا مَعِي؛ بِبَلاغِكَ الحَسَنِ الجَمِيلِ).. وفي باب الصدقة المستحبة هناك من لا يرى شرط الفقر، فالصدقة نوع هدية تُعطى لمؤمن ولو كان مستغنياً.. لذا، فإن الإنسان وهو في الطائرة بإمكانه أن يُخرج مبلغاً ويُعطيه إلى أخيه المؤمن الذي بجواره، والأخ المؤمن أيضاً يقدم له هدية!.. فهذه صدقة شرعية، صدقة المستحبة؛ يمكن أن تُعطى لغير الفقير؛ وبذلك يشتري سلامة سفره إن شاء الله تعالى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى