زادك في دقائقزادك في دقائق

التوبة الحقيقية

مراحل التوبة..
إن التوبة ليست بلفظ عبارة: “أستغفر الله ربي وأتوب إليه”!.. بل هي عملية أعمق مما نظن، وهذا الاستغفار اللفظي هو أبسط مراحل التوبة.. فالتوبة تمر في ثلاث مراحل، والمراحل كلها لازمة وإن كان هناك كلام حول المرحلة الأولى؛ هل هي لازمة أو غير لازمة!.. أما المرحلتان الثانية الثالثة؛ فإنهما ضروريتان جداً..

المرحلة الأولى: الاستغفار.. وهي إظهار الندامة باللسان، كأن يقول التائب: “أستغفر الله ربي وأتوب إليه”!.. أو “إلهي!.. عَفْوَكْ أو عَفُوكَ”؛ أي قصدي أو مقصدي، كلاهما صحيحان.. أو “أسألك عفوك”!.. أو “أسأل عفوك”؛ كلاهما صحيحان أيضاً.. أو “إلهي، التوبة”!.. فكلمة التوبة أيضاً تكفي؛ لأن فيها إظهار للعودة إلى الله عز وجل.. فصيغة الاستغفار، ليست صيغة توقيفية.. وهذه التوبة اللسانية هي أسهل المراحل، وهناك من لا يراها قواماً للتوبة.. ولكن من ندم وعزم؛ فإنه يكفيه هذا المقدار!..

المرحلة الثانية: استقذار الحرام.. لابد من التغيير الباطني؛ أي كراهة الحرام.. فالتائب الحقيقي هو الذي يستقذر الحرام، إذا وصل إلى مرحلة أصبح يرى فيها الحرام قبيحاً، ويشعر أن طعمه مر: كأكل للحم الميتة عند الغيبة -مثلاً- عندئذ لا يخشى عليه من العودة لارتكاب هذا الحرام بالخصوص.. ولكن إذا كان الحرام حلواً بالنسبة له، وخوفه من الآخرة ومن الفضيحة؛ هو الذي يجعله لا يرتكب الحرام؛ فإنه قد يعود لارتكاب المعاصي.. كأن يكون قد سمع من العلماء أن المعصية من موجبات تضييق الرزق، فهو يستغفر ربه ولا يعصيه حتى يتوسع رزقه، ألا يقول تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾!.. فإذا صار غنياً، وانتهى الفقر الظاهري؛ فإنه يعود إلى المعاصي؛ لأنه لم يكن يعيش حالة قذارة المنكر.

المرحلة الثالثة: التعويض.. إن أخف المعاصي هي التي تكون بين العبد وبين الله عز وجل: كالنظر إلى حرام، أو الاستماع إلى غناء محرم؛ فمن يفعل ذلك: لم يتجاوز على حق أحد، ولم يتضرر أحد من المخلوقين بسبب عمله هذا، إنما الذي يطلبه هو رب العالمين.. وقد جاء في رواية: (قَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يُحَاسِبُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟.. قَالَ: “اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ”.. قَالَ: نَجَوْنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!.. قَالَ: “كَيْفَ ذَلِكَ يَا أَعْرَابِيُّ”؟.. قَالَ: لأَنَّ الْكَرِيمَ إِذَا قَدَرَ عَفَا).. إذن، إذا كان الله عز وجل هو الحسيب؛ فزنا جميعاً؛ لأنه أكرم الأكرمين!.. ولكن المشكلة في حقوق الناس، وتبعات الآخرين.. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا: اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى.. وَاَلثَّانِي: اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً.. وَاَلثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ؛ حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمْلَسَ، لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ.. وَاَلرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا؛ فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا.. وَاَلْخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ؛ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ.. وَاَلسَّادِسُ: أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ؛ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ.. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ).

-(اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ).. ولهذا الأنبياء يستغفرون، والأئمة يستغفرون.. وهذه أدعيتهم مثل: دعاء كميل، ومناجاة التائبين، ودعاء أبي حمزة؛ كلها استغفار!..

-(وَهُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ).. ليس هناك رواية أجمع من هذه الرواية في التوبة، إذ أن بعض الروايات تشير إلى جهة من الجهات فقط، أما هذه الرواية فهي من الروايات الجامعة لأمير المؤمنين (عليه السلام).. هذا الإمام الذي يدّعي بعض الناس أن من موجبات تقاعسهم عن العمل وبقائهم على المعاصي -مع الأسف الشديد- أن أمير المؤمنين سيشفع لهم يوم القيامة.. فهل هذا الأمر يبرر أن يكون الإنسان على الحرام، أو يتقاعس في الواجبات، وأمير المؤمنين على رأس العاملين؟.. فمن يعوّل على الشفاعة من دون بذل جهد، ليسمع كلام إمامه، إن كان هذا هو إمامه حقاً!..

-(أَوَّلُهَا: اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى).. لقد تجاوز الإمام الجانب اللفظي، فلم يقل: أن تقول: “أستغفر الله”!.. بل أولها الندم، والندم يكون في القلب، والإنسان النادم هو الذي يرى قبح الحرام الذي ارتكبه؛ وإلا كيف يندم؟.. فإذن، إن الندم يلازم استقذار المنكر!..

-( وَاَلثَّانِي: اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً).. إن الإنسان الذي يندم يوماً، وفي اليوم التالي يعود إلى ما كان عليه؛ هذا ليس بتائب.. إنما المطلوب هو الندم، الذي يوجب العزم على عدم العود.. ومعنى العزم؛ أي القوة والثبات في الأمر.. وأولي العزم، هم الذين لهم عزيمة صارمة!.. فإذن، يجب أن تكون له عزمة قوية ربانية على عدم العود.

-(وَاَلثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ؛ حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمْلَسَ، لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ).. يجب أن يؤدي الإنسان إلى المخلوقين حقوقهم في الحياة الدنيا، وما أسهل الاستحلال من البشر في الدنيا!.. فباتصال هاتفي مع من له حقوق مالية عليه؛ يبرئه الذمة.. وكذلك بالنسبة للتبعات الأخلاقية: كأن يكون قد هتك إنساناً أو اغتابه؛ فإنه يطلب منه الحلية ولو بنحو الإجمال!.. فكلمة واحدة كفيلة بأن تخلصه من أهوال جهنم وعذابها مئات السنين.

-(وَاَلرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا؛ فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا).. بعض الناس يكون في ذمته من أيام البلوغ، صلاة أو صوم، وهو الآن نادم على ذلك؛ هذا أمر جيد؛ ولكن عليه أن يقضي ما فاته!.. بعض المسنين يكون في الستين من عمره، ولازال عليه قضاء صيام وصلاة من أيام البلوغ؛ فأين هذا من أداء الحق؟..

-(وَاَلْخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ؛ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ).. هذا الأمر غير واجب فقهياً، فالإنسان الذي ذهب إلى بلاد الغرب، وعاش هناك سنوات، وأكل ما أكل من لحوم الخنازير وغيره؛ ليس هناك من يقول: يجب عليه أن يصوم حتى يذيب اللحم.. ولكن مع وجود هذا الحرام في تكوينه؛ كأن عضلاته لا تستجيب لعقله؛ لأنها نبتت على الحرام.. فبعض الذين يمسخون في بلاد الكفر، يصل إلى درجة لا يستوعب ما تقول، وإذا استوعب يقول: لا يمكنني العمل به؛ هؤلاء قست قلوبهم.. وقد عزا سيد الشهداء (عليه السلام) خروج القوم عليه في يوم عاشوراء، إلى امتلاء بطونهم من الحرام، تقول الرواية: (أحاطوا بالحسين من كل جانب، حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج (عليه السلام) حتى أتى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم!.. ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشَدين، ومن عصاني كان من المهلَكين، وكلكم عاص لأمري، غير مستمع قولي، فقد مُلئت بطونكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟!.. ألا تسمعون..)؟!.. فإذن، الذي يريد التوبة الواقعية؛ يذيب هذا اللحم.

-(وَاَلسَّادِسُ: أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ؛ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ).. من استمتع بالحرام، عليه الآن أن يذيق البدن ألم الطاعة.. فمن ينتهي من الصيام الواجب؛ يصوم صوماً مستحباً في حر الهجير؛ حتى يعوض ما فاته.. ويقوم الليل على ثقل النوم؛ ليصلي صلاة الليل.. هنا لابد من التأكيد على أن هذه الرياضات لابد أن تكون شرعية، فالذين يذيقون أجسامهم بعض الآلام، كالفرق الهندية المعروفة؛ هؤلاء في يوم من الأيام يصابون بالإحباط، والأمراض المزمنة الداخلية والعصبية.. لذا، من المهم أن تكون الرياضة شرعية: كقيام الليل، وصيام النهار، ..الخ.

-(فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ).. بعد كل تلك المراحل، يقول التائب: “أستغفر الله”!.. بينما نحن نقول: “أستغفر الله” وهذه المراحل الست نجعلها وراء ظهورنا!.. وفي رواية موجزة عن الامـام عـلـي (عليه السلام): (الـتـوبـة عـلى أربعة دعائم: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وعمل بالجوارح، وعزم أن لا يعود).. هذه حفظها أسهل!.. بعد أن يمر بهذه المراحل الأربع؛ عندئذ يكتب الإنسان في زمرة التائبين.

مزية التائب..
أولاً: عدم العجب.. إن التائب الحقيقي له امتياز، فقد يُعطى ما لا يعطى الطائعون، ورد في الحديث الشريف أن (التائب من الذنب، كمن لا ذنب له).. والتائب من الذنب توبة حقيقة، هذا الإنسان عادة يكون مطعماً ضد مرض العجب؛ لأن بعض الصالحين، وبعض العباد، يمكن أن يبتلوا بالعجب.. بينما التائب كلما أراد أن يعجب بنفسه؛ فإنه يخاطبها قائلاً: ألم تفعلي كذا؟.. ألم تفعلي كذا؟.. اسكتي!.. أنت قبل سنوات كنت على الخطيئة، لذا عليك أن تكوني خائفة وجلة!.. فهذه الحالة من الخوف، وعدم العجب؛ هي وسام على صدر التائب.

ثانياً: سرعة الدمعة.. إن دمعة التائب سريعة في المناجاة، فهو عندما يناجي ربه؛ يتذكر ذنوبه؛ فيبكي حياء.. هذا البكاء، يطفئ بحاراً من غضب الله عز وجل، روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله عليه) أَنَّهُ قَالَ: (مَا مِنْ عَمَلٍ إِلَّا وَلَهُ وَزْنٌ وَثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةُ؛ فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ.. وَلَوْ أَنَّ عَبْداً بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فِي أُمَّةٍ؛ لَرَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الأُمَّةَ بِبُكَائِهِ).. وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): (ما من شيءٍ إلاّ وله كيلٌ أو وزنٌ، إلاّ الدموع، فإنّ القطرة منها تطفي بحاراً من نارٍ.. وإذا اغرورقت العين بمائها؛ لم يرهق وجهه قترٌ ولا ذلّةٌ.. فإذا فاضت؛ حرّمه الله على النار.. ولو أنّ باكياً بكى في أمّةٍ؛ لرُحموا).

تذكر الذنوب..
إن الإنسان التائب -عادة- عليه أن ينسى ذنوبه التي تاب منها، ولكنّ هناك مكاناً ينبغي للتائب أن يلصق نفسه فيه، ويتذكر ذنوبه.. وهذا المكان يُسمى بالمستجار، وهو الذي في مقابل باب الكعبة من الخلف، وهو الباب الوهمي، ففي أيام الجاهلية كان للكعبة بابان: باب للدخول، وباب للخروج.. هذا ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: (بنى ابراهيم البيت …. وجعل له بابين: باب إلى الشرق، وباب إلى الغرب.. والباب الذي إلى الغرب؛ يُسمّى المُستجار).. هناك يلصق نفسه بالكعبة، ويتذكر الذنوب السابقة ويبكي؛ عندئذ يرجى أن يصل إلى أعلى درجات القرب من رب العالمين!.. روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: (إذا فرغت من طوافكَ، وبلغت مُؤخر الكعبة -وهو بِحذاء المستجار، دون الركن اليمانيّ بقليل- فابسط يَدَيْكَ على البيت، وألْصِق بطنك (بدنك) وخَدَّكَ بالبيت، وقل: «اللّهمّ!.. البَيتُ بيتُك، والعبدُ عبدُك، وهذا مكانُ العائذ بك من النّار».. ثمّ أقرَّ لربّك بما عملت، فإنّه ليس من عبد مؤمن يقرّ لربّه بذنوبه في هذا المكان، إلاّ غفر الله له إن شاء الله، وتقول: «اللّهمّ!.. مِنْ قِبِلكَ الرَّوحُ والفَرَجُ والعافية، اللّهمّ!.. إنّ عملي ضَعيفٌ فضاعِفْه لي، واغْفِر لي ما اطّلَعْتَ عَلَيْهِ منِّي وخَفِيَ على خَلْقِك».. ثمّ تستجير بالله من النّار، وتخير لنفسك من الدعاء، ثمّ استلم الركن اليماني).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى