زادك في دقائقزادك في دقائق

وسوسة الصدر

شعب الوسوسة..
إن الوسوسة مرض قديم جداً، وقد ورد ذكره في الروايات، فكما في عالم الطب: لكل داء دواء!.. في عالم الأرواح أيضاً، لكل داء روحي دواء في روايات أهل البيت (عليهم السلام).. هذا المرض يعبر عنه بـ: “حديث النفس”، أو “وسوسة الصدر”.. إن هذا المعنى يتجسد في القلب، إلى درجة كأن هنالك قريناً، أو إنساناً، أو شيطاناً في الباطن؛ هذا القرين يحدث الإنسان دائماً إلى درجة مزعجة.. وهذا الحديث الباطني، أو ما يُسمى بوسوسة الصدر؛ له شعب:

1. الوسوسة في الفروع: إن هذه الوسوسة تارة تكون في الفروع؛ أي في العبادات.. فالوسواسيون هؤلاء أيضاً لهم ما يحدثهم، كأن يتوضأ أحدهم وضوءاً على أفضل ما يرام، وضوءاً لا غبار عليه، ولا شك فيه؛ ومع ذلك يقطع بأن وضوءه باطل.. روي عن عبد الله بن سنان أنه قال: “ذكرت لأبي عبد الله رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت: هو رجل عاقل”، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (وأي عقل له، وهو يطيع الشيطان..)؟!..

2. الوسوسة في الأصول: إن الوسواس الأخطر هو في تحول الأمر من الفروع إلى الأصول، حيث أن هناك من يصل في بعض الحالات إلى التشكيك في عقيدته.

حكم الوسوسة..
أولاً: إن هذه الحالة لا تنقطع عن المؤمن إلى أن يموت، وهو في مد وجذر!.. فالشيطان سلطته على الجوارح ضعيفة، بل معدومة.. وليس هناك من يستطيع أن يدّعي، أن الشيطان أخذ كأساً من الخمر وصبه في فمه!.. فلو فعل ذلك لما كان ذاك الإنسان مأثوماً!..

ثانياً: إن عمل الشيطان الأساسي هو وسوسة الصدر، فيأتيه بالهواجس.. لذا بعض الناس يشك في عقيدته، وقد يصل به الأمر أن يفكر في مبدأ الخلقة، ويشك في مبدأ التوحيد؛ هذا الإنسان أيضاً لا يؤاخذ على ذلك؛ مادام متأذياً من حالته!.. عن النبي: (ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد.. وسأحدثك بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فلا ترجع).. وعليه، فإنه لا يتوقع الإنسان أن يأتي عليه يوم من الأيام، لا يوسوس له الشيطان؛ إلا بأحد أمرين:

الأمر الأول: أن يموت الإنسان، عندئذ الشيطان لا شغل له مع الموتى.

الأمر الثاني: أن يموت الشيطان، والشيطان لا يموت هذه الأيام، يقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.

فإذن، إن الشيطان مادام حياً؛ فإنه يوسوس.. ومادام الشيطان حياً والإنسان حياً؛ فإن هذه الأزمة قائمة!..

علاج وسوسة الصدر..
أولاً: الرجوع إلى العلماء.. إن التشكيك تارة يكون علمياً، لذا فإن علاج الشبهة مبدئياً؛ هو مراجعة أهل العقائد، وأهل الكلام؛ ليرى جواب الشبهة.. فإذا كان الجواب مقنعاً عقلياً، ولكن قلبه لم يطمئن؛ هنا تكمن بوادر الخلل.. علماً أن كل شبهة يمكن أن تخطر على بال إنسان، وضع العلماء جواباً لها في كتبهم؛ من التوحيد إلى المعاد.. فالإنسان الذي يسمع جواب الشبهة؛ وفكره وقلبه وذهنه مقتنع، ولكن صدره لم يقتنع؛ فليعلم أن هذه علامة المرض!..

ثانياً: الحوقلة.. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (جاء رجل إلى النبي (صلی الله عليه) فقال: يا رسول الله!.. قد لقيت شدة من وسوسة الصدر، وأنا رجل مَدين مُعيل مُحوج، فقال له: كرر هذه الكلمات: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تَوَكْلتُ على الحَيِّ الذي لا يَمُوتُ، الحَمْدُ للهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيُّ مِنَ الذُلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً».. فلم يلبث أن جاءه فقال: أذهب الله عني وسوسة صدري، وقضى عني ديني، ووسَّع عليَّ رزقي)..

-(يا رسول الله!.. قد لقيت شدة من وسوسة الصدر).. هذا المرض مزعج، يعبر عنه في كتب الطب النفسي بـ: “الوسواس القهري”، يمكن تشبيهه -تقريباً- بإنسان عنده جهاز تلفاز، هذا الجهاز لا يبث إلا صورة واحدة، وكلما أراد أن يغير الموجة لا تتغير؛ عندئذ يضطر إلى كسره؛ لأنه لا فائدة منه؛ فكيف إذا كانت هذه المشكلة في الذهن؟!.. عندما يكون هناك حديث أو وسواس؛ فإن الإنسان ينام ويستيقظ على هذه الصورة التي تأتيه قهراً!..

-(وأنا رجل مَدين مُعيل مُحوج).. ولكن ما العلاقة بين وسوسة الصدر والفقر؟.. إن هناك احتمالين:

الاحتمال الأول: والله العالم!.. أن الذهن المشوش لا يبرمج اقتصادياً، بعض التجار عندما يأتيه الوسواس القهري، تكسد تجارته؛ لأنه ليس له مزاج ولا ميل للعمل.. وعادة هؤلاء يحبون النوم الكثير؛ لأن النوم ينسيهم ما هم فيه؛ ولكن عندما يستيقظون يواجهون نفس المشكلة!..

الاحتمال الثاني: قد تكون كل مشكلة منفصلة عن الأخرى؛ أي ليس من باب الترتب!..

-(فقال له: كرر هذه الكلمات).. إن الكلمات معروفة، فهي ليست ألغاز، ولا طلسمات.. ولكنْ لابد من ذكر ملاحظتين هنا:

الأولى: نحن لا نعتقد بموضوع الإجازات -أي أن الدعاء يؤثر؛ بشرط الإجازة- لأننا لم نر دليلاً شرعياً على ذلك!.. ولكن من باب التوجيه، النبي (صلی الله عليه) إذا قال: كرر!.. كأن النبي (صلی الله عليه) ضمن الإجابة.

الثانية: إن المراد بالذكر، أن يعيش الإنسان المعنى، ويذكره على اللسان.. فمعايشة المعنى؛ هو العنصر الأساسي!..

-(لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تَوَكْلتُ على الحَيِّ الذي لا يَمُوتُ).. أي عليه بهذه الحالة من التفويض، فيتبرأ الإنسان من حوله وقوته.

ثالثاً: الدعاء.. إن هناك عبارة يذكرها صاحب كتاب “مفاتيح الجنان” في تعقيبات صلاة الفجر، هذه أيضاً في مجال إراحة الصدر.. أن يذكر عقيب الفجر سبعين مرّة واضعاً يده على صدره “يا فَتَّاحُ”.. يقول: يا رب!.. أنت الذي تفتح الأبواب، ومنها أبواب القلب.

رابعاً: الثقة بالنفس.. إن ضعف الثقة بالنفس، يؤدي إلى تقوية الأمراض النفسية، ومنها الوسوسة.. لذا، يجب عدم الاستسلام، وليقل لنفسه دائماً: أنا على الإيمان!.. فإنه بذلك يطرد عنه الشيطان اللعين!..

خامساً: عدم الاعتناء.. إذا التفت الإنسان وتأثر بالوسوسة، فإن الشيطان خبيث يتعود عليه، ويأتيه دائماً.. لذا يجب الإعراض عنه، وعدم المبالاة به؛ عندئذ يذهب إن شاء الله تعالى!.. عن زرارة وأبي بصير عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة؛ فتطمعوه!.. فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرّن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك).. قال زرارة: ثم قال: (إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى