زادك في دقائقزادك في دقائق

الطيرة والكهانة

رأفة الله تعالى..
إن هناك آية في سورة “يس” تدل على رأفة الله عز وجل بعباده العاصين، يقول تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾؛ رب العالمين أرسل نبيَّين، وهذا يكفي لإتمام الحجة، ولكنه أرسل نبياً ثالثاً؛ فماذا كان جواب هؤلاء القوم؟.. ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ التطير: أي التشاؤم.. قالوا للأنبياء المرسلين الذين لهم منطق، ولهم شريعة: نحن تشاءمنا بوجوهكم وبأشكالكم وبقدومكم.. فكان جواب الأنبياء: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾؛ أي الشؤم كله معكم، أنتم الذين فيكم الشؤم، لا نحن الأنبياء!..
التطير..
إن التطير والتشاؤم كان مسيطراً على عقول العرب قديماً، فقد كانوا يتشاءمون من الغراب ومن البوم!.. وهذا التطير لايزال موجوداً في عصرنا هذا، حيث أن هناك من يتشاءم من بعض الأمور الباطلة، ويعتقد بالأوهام والأبراج، وغيرها من القضايا التي حاربها الإسلام.
علاج التطير..
1. التوكل.. روي عن النبي (صلی الله عليه) أنه قال: (كفارة الطيرة التوكل)؛ أي مادام هناك تطير، يحاول الإنسان أن يخالفه، فإذا تطير عليه أن يعاند نفسه، ويمضي على ما عزم عليه!.. وفي رواية أخرى عنه (صلی الله عليه): (إذا تطيّرتَ فامضِ، وإذا ظننتَ فلا تقضِ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ).. بعض الناس يتطير من عدد معين، وهذه الظاهرة موجودة عند كثير من الشعوب، كالتشاؤم من الرقم (13)، فإذا كان هذا الرقم هو رقم بيته؛ فإنه يكتب (12 + 1)؛ لئلا يكتب هذا العدد على بابه؛ هذه الخرافات والسخافات من التشاؤم الباطل الذي لا معنى له.
2. التفاؤل.. إن النبي (صلی الله عليه) كان يحب الفأل الحسن، روي عنه (صلی الله عليه) أنه قال: (لا طيرة وخيرها الفأل، قيل: يا رسول اللّه وما الفأل؟.. قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم).. كتلك العبارة المتدوالة التي يرددها الناس عند توديع المسافر: إن شاء الله ترجع بخير.. هم لا يعلمون إن كان سيرجع بخير أم لا؛ ولكن توكلاً على الله عز وجل يتفاءلون بالخير؛ ألا يقولون: “تفاءلوا بالخير؛ تجدوه”!..
3. الدعاء.. إن الإنسان الذي يريد أن يسافر، ولكنه رأى في قلبه كراهة، وأمضى ليلته بالقلق والأرق، ولا يعلم هل هذا السفر خير له أم لا؛ أي أنه خائف مشوش، وكأن هناك شيئاً في الأفق؛ عليه بهذا الدعاء عن النبي (صلی الله عليه): (اللهم!.. لا يؤتي الخير إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك).
حكم التطير..
أولاً: إن هناك رواية عن النبي (صلی الله عليه) تقول: (ليس مِنَّا مَنْ تَطير أَو تُطير له، أَو تَكهَّنَ أو تُكهِّنَ له، أَو سَحر أَو سُحر له.. ومن أَتىٰ كاهناً فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمد (صلی الله عليه))..

-(ليس مِنَّا).. هذا تعبير مخيف!.. أي ليس من أتباع أو مؤسسي هذه المدرسة: النبوية، العلوية، الصادقية.. والذي ليس منهم لا يتوقع يوم القيامة أن يحشر في زمرتهم، وأن يكون تحت لوائهم.. فهذا الحديث يحذرنا من أن نكون من هؤلاء الستة:
أ- (مَنْ تَطير).. والمتطير: هو من يتشاءم بنفسه، لرؤية بعض الأشياء التي يتشاءم منها، أو كأن يقرأ الفنجان لنفسه مثلاً.
ب- (تُطير له).. وهو الذي يتشاءم بسبب الآخرين؛ أي قد يكون الإنسان سعيداً ومرتاحاً نفسياً، وإذا بأحدهم يقرأ له الفنجان -مثلاً- ويخبره بأنه يرى فيه أشياء مخيفة: كنار مشتعلة، أو سيارة مصدومة، و…الخ؛ عندئذ يعيش القلق.
ج- (تَكهَّنَ).. والمتكهّن: هو الذي يرجم بالغيب، ويخبر عن المستقبل!.. كأولئك الذين يملكون بعض الحصيات، وبعض الكتب الصفراء، ويقومون بإخبار الناس، بأن هذه السنة هي سنة الكوارث مثلاً.
د- (تُكهِّنَ له).. والمتكهن له: هو الذي يذهب إلى من يتكهن له، ويطلعه على مستقبله.. مثلاً: امرأة سيئة الأخلاق مع زوجها -وهي السبب في المشاكل- وإذا بها تذهب لمن يقرأ لها في الكتاب، كي تعرف ما هي مشكلتها!.. رغم أن المشكلة واضحة: ما عليها إلا أن تحسن خلقها؛ عندئذ يرتفع الخلاف.

ه- (سحر).. الساحر: هو الذي يباشر السحر بنفسه.

و- (سُحر له).. هو الذي يلتجئ للسحرة.

فإذن، إن الذين يتكهنون بالغيب، ويدعون العلم بأسرار الوجود؛ هؤلاء ليسوا منهم.

ثانياً: روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (الطيرة على ما تجعلها: إن هونتها؛ تهونت.. وإن شددتها؛ تشددت.. وإن لم تجعلها شيئاً؛ لم تكن شيئاً).. رواية غريبة، ولكنها مذكورة في كتاب الوسائل للحر العاملي.

-(الطيرة على ما تجعلها: إن هونتها؛ تهونت.. وإن شددتها؛ تشددت).. إن الإنسان الذي يرى مناماً باطلاً، الذي هو عبارة عن أضغاث أحلام، ويفسره لنفسه بأنه يمكن أن يقع في شدة؛ عندئذ من الممكن أن يقع في شدة!.. ولكن كيف يمكن الجمع بين هذا الحديث، وبين الأحاديث التي تقول: أن التطير أمر لا وجه له؟.. هناك احتمالان:

الاحتمال الأول: الجانب النفسي.. لعل الإمام يشير إلى صفة نفسية، فالإنسان المسافر الذي يتطير من تلك السفرة لسبب ما، تكون سفرته ميسرة حسب الواقع، فـ: الطريق آمن ذهاباً إياباً، والمكان الذي يذهب إليه مكان مريح.. ولكن لمجرد أن يسافر الإنسان وهو قلق متطير؛ فمن الطبيعي أنه لا يتهنأ بتلك السفرة؛ لأنه: عندما يركب الطائرة؛ يتوقع السقوط، فيصل سالماً.. وعندما يذهب إلى الفندق؛ يتوقع وقوع حادث سير في الطريق، لا يقع الحادث ويصل.. ولكنه طوال الطريق وهو في حال قلق؛ فإذن هو الذي شدّد على نفسه.

الاحتمال الثاني: العقوبة الإلهية.. أي في علم الغيب هذا السفر سفر آمن، ليس فيه أية مشكلة.. ولكن لأن هذا الإنسان تطير؛ ولأنه لقّن نفسه الباطل؛ عندئذ يُكتب له المقدر الذي يزعجه؛ كحادث مثلاً!.. هذا الحادث لم يكن متوقعاً؛ أي لم يكن مكتوباً له، ولكن الآن يُكتب له مادام متطيراً ومتشائماً، ومادام يعتقد بالباطل؛ فيأخذ العقوبة في الدنيا!..

-(وإن لم تجعلها شيئاً؛ لم تكن شيئاً).. أي من يرى مناماً مزعجاً، فليقل: هذه أضغاث أحلام!.. عندئذ رب العالمين يرفع عنه الآثار، ببركة توكله على الله عز وجل.

ثالثاً: إن الطيرة في بعض الروايات، تعد من الشرك بالله عز وجل؛ وكأن الفنجان هو الذي يقدر مصير الإنسان أو البرج؛ لا رب العزة والجلال!.. لذا حارب رسول الله (صلی الله عليه) الطيرة محاربة شديدة، يقول (صلی الله عليه): (الطيرة شرك)!.. وقال (صلی الله عليه) أيضاً: (من ردّته الطيرة عن حاجته؛ فقد أشرك)!.. ومن أقواله (صلی الله عليه): (من خرج يريد سفراً، فرجع من طير؛ فقد كفر بما أنزل على محمد).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى