زادك في دقائقزادك في دقائق

التعصب الأعمى

الصفة الفرعونية..
إننا عادةً عندما نصف إنساناً بالتكبر والعصبية، نقارنه بفرعون فنقول: فلان طبعه طبع فرعوني، أو فلان كأنه من الفراعنة.. ففرعون مصر كانت له خطيئتان كبيرتان:

1. الخطيئة الأولى: خطيئة مع ربه، عندما قال: ﴿..أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾، وهذا المعنى لم يقع لأحد في التاريخ على ما نعلم، قد يقولها إنسان معتوه قليل العقل، ولكن بشكل رسمي لم تصدر إلا من فرعون مصر الذي كان ملكاً في عصر متحضر، وهذه أهرامهم إلى هذه الأيام تشهد بأن حضارتهم كانت حضارة متفوقة، ومع ذلك هذا السخيف كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾!.. قد يكون هذا الكلام مضحكاً الآن؛ ولكن في زمانه كان له أتباع.

2. الخطيئة الثانية: أنه كان يرى نفسه متميزاً عن موسى (عليه السلام): بملكه، وبالأنهار التي تجري من تحته، فنهر النيل نهر قديم من أيام الفراعنة، كان يقول ﴿… يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾، وبعد ذلك خرج بنتيجة ألا وهي: أن موسى فقير في نظره، حيث قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾.

فإذن، إن الإنسان قد تكون له حالة باطنية من التعالي، بسبب حسابات واهية في نفسه: كالعصبية، والعشائرية، وغيرها من العناصر التي ليست بمقاييس حقيقة.. فما رأي الشرع بالنسبة إلى هذه القضية؟..

أولاً: ذم التعصب..
إن بعض الناس قد تكون عباداته الخارجية جيدة، فهو في كل سنة: يذهب إلى الحج، والعمرة، والمشاهد المشرفة، ويصوم.. ولكنه لم يعمل على تهذيب باطنه، مما يجعله يعاني من نقاط ضعف، هذه النقاط ترديه يوم القيامة؛ ومنها العصبية.. فالإنسان الذي يتعصب لا لله ولا لرسوله، إنما يتعصب: لعشيرته، ولصنفه، ولدمه؛ هذا الإنسان وإن كان كثير الصلاة والصيام؛ فإن جزاءه:

1. قال رسول الله (صلی الله عليه): (مَن كان في قلبه حبّة من خردل من عصبيّة؛ بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية)؛ هذا جزاء الإنسان الذي يتعصب لما لا معنى له، ولما لا قيمة له.. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾؛ أين هذا المفهوم في حياتنا؟.. إن هذه الآية -وبعتاب بليغ- ندوسها تحت أقدامنا لا كورقة قرآن، بل كمفهوم، فالأكرم عندنا هو: الأكثر مالاً، والأكثر ثراءً، والأكثر جاهاً!.. بينما الحديث الشريف يقول: أن الذي يكون تعصبه لا على أساس التقوى، يبعثه الله عز وجل يوم القيامة من أعراب الجاهلية.. فالأعرابي جاهلي كان يقاتل من أجل عصبيته؛ وهذا جاهلي أيضاً!..

2. إن الإنسان -بعض الأوقات- قد لا يتعصب، إنما الغير يتعصب له: كزعيم العشيرة، أو زعيم القبيلة؛ ولكنه يفرح لالتفاف الناس حوله.. فهو عندما يختلف مع أحد، يبادر أصحاب عشيرته، وأفراد قبيلته للدفاع عنه؛ وهذا عرف باطل وله جزاء!.. فالذي يعيش الجو القبلي والعشائري، وهو يدّعي الإسلام والإيمان، يكون قد خلع ربق الإيمان من عنقه، كما ورد عن النبي (صلی الله عليه): (مَن تَعَصَّبَ أو تُعُصِّبَ لَهُ، فقَد خَلَعَ رِبْقَ الإيمانِ مِن عُنُقِهِ)؛ والعصبية هنا أي الاهتمام بالعشيرة والقبيلة.. فهذا الإنسان المتعصب لعشيرته، ليس عبداً لله عز وجل؛ إنما هو عبد للعشيرة.. والحال أنه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ هذا المسكين عندما يستنجد بقبيلته وعشيرته يوم القيامة، لا أحد ينجده، لأنه في ذلك اليوم يفر الإنسان من أهله، فما بال رئيس العشيرة!.. يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.

ثانياً: التعصب الممدوح..
1. التعصب للحق: إن الإنسان لا بأس أن يكون متعصباً، ولكن ليس لأي شيء، وإنما يجب أن يكون محوره في الحياة الحق: فإذا تنازع اثنان، لا يميل إلى أحدهما لأنه من عشيرته، والآخر ليس من عشيرته؛ الملاك هو الحق، يقول الإمام علي (عليه السلام): (إن كُنتُم لا مَحالَةَ مُتَعَصِّبينَ، فتَعَصَّبوا لِنُصرَةِ الحَقِّ، وإغاثَةِ المَلهوفِ).. أي يجب أن يكون همّ الإنسان هو الحق، أين يجد الحق يتبعه، ومن الروايات المعروفة في فضل علي (عليه السلام): علي مع الحق والحق مع علي.. (يا عمار!.. إذا رأيت الناس سلكوا في وادي، وعلي سلك لوحده في وادي؛ فاسلك مع علي!.. لأن الحق معه؛ كيفما دار علي دار الحق معاه).. هذا الذي جعل علياً علياً، وإلا لو أن علياً تعصب لهذه التفاهات؛ لما وصل إلى ما وصل إليه.

2. حب العشيرة: إن الروايات شديدة في هذا المجال، سُئل السجاد (عليه السلام) عن العصبية فقال: (العصبية التي يؤثم عليها صاحبها؛ أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين.. وليس من العصبية؛ أن يحبّ الرجل قومه.. ولكن من العصبية؛ أن يُعين قومه على الظلم).. أي لابأس بأن يحب الإنسان عائلته، وأن يحب أولاد جده الأكبر، وإن كانوا بالمئات أو الآلاف، فيجمعهم في بيته، ويقدم لهم الطعام؛ هذا المقدار ليس فيه إشكال.. فهذا الحب الفطري ليس من العصبية؛ ولكن العصبية هي إعانة قومه على الظلم.

ثالثاً: رئيس المتعصبين..
إن على رأس المتعصبين، ورئيس عصابة المتعصبين؛ إبليس اللعين الرجيم، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم، فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.. إن إبليس كان خطيب الملائكة، ومن الطبيعي أن يكون الخطيب أعلم من البقية، لذا كانت الملائكة تظن أن إبليس منهم، فهو خطيبهم ومعهم يذهب ويأتي، وعبادة إبليس قليلة النظير في خلقة الإنسان وفي خلقة الوجود، لقد كان يقوم بعبادات ثقيلة وطويلة، روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: (إن إبليس عبد الله في السماء سبعة آلاف سنة في ركعتين، فأعطاه الله ماأعطاه ثواباً لعبادته).. ولكن الله عز وجل فضح إبليس، واستخرج ما في نفسه، عندما أمره بالسجود لآدم (عليه السلام)، عندئذ قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾!.. وكأن من خُلق من النار خيرٌ ممن خُلق من الطين، أين المزية في ذلك: هذه مادة خلقة، وهذه مادة خلقة؛ ولكن الأمور بخواتيمها!.. فآدم (عليه السلام) هو خليفة الله تعالى في الأرض، ونبي الله، وإن كان من الطين، والطين مظلم.. وإبليس من النار، والنار مشرقة؛ فما الفائدة!..
فإذن، إن كل من يتعصب لأصله؛ هذا الإنسان إنسان إبليسي، ويوم القيامة يحشر مع أعراب الجاهلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى