زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة الفتح – 3

إن صلح الحديبية ظاهره كان صلحاً، فالنبي () أراد أن يزور بيت الله الحرام، فحال المشركون بينه وبين ما يريد، فرجع إلى المدينة، ولم يكمل أعماله.. ولكن رب العالمين إذا أراد أن يجعل الفتح في الصلح، يجعله في حكم النصر.. فمن ذلك اليوم رفع المؤمنون رؤوسهم، وأخذوا يجوبون البلاد من دون خوف؛ لأنه من ضمن شروط المعاهدة: الهدنة، وعدم التعرض.. ومن ذلك الوقت علم المشركون سماحة الإسلام، وعلموا أن هذا الدين دين المحبة، ورأوا التفاف المسلمين حول النبي ()؛ فكانت هذه بدايات فتح مكة!..

الدرس العملي:
بعض الأوقات الإنسان يطلب من ربه أمراً، ويريده فوراً، وكما طلبه، ومن دون مقدمات.. ولكن رب العالمين له سياسته، وله أسلوبه.. فهو فتح مكة للمسلمين، ولكن من خلال الصلح.. والحسين -عليه السلام- في يوم عاشوراء انتصر، ولكن أيضاً من خلال صلح أخيه الحسن -عليه السلام-.. فإذن، إن رب العالمين هو الذي يفتح الفتوحات، وبالطريقة التي يريدها.. ولهذا المؤمن يطلب من الله -عز وجل- ولا يعلمه، فهو يعرف كيف يتصرف!..

﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.. بعد نزول آيات الفتح التي فيها بشارة للنبي ()، قال المسلمون: يا رسول الله، هذه بشارات لك!.. ونحن ماذا عندنا من البشارة؟.. فنزلت هذه الآية:

﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.. أي أنتم المؤمنون أيضاً لكم نصيب!.. وهنا لفتة قرآنية جميلة: فالذين كانوا مع النبي () في صلح الحديبية، كانوا من الرجال، وهذه جائزة لهم، فلمَ ذكر المؤمنات؟!.. البعض من العلماء له تعليق جميل يقول فيه: عندما يكون للمؤمنين نصر وتفوق وتميز؛ فإن هذا النصر والتفوق والتميز أيضاً يُكتب لزوجاتهم.. لأن الزوجة المؤمنة نعم العون للمؤمن على طاعة الله عز وجل!.. فهذا المقاتل الذي ذهب مع رسول الله () في الغزوات، من الذي كان يحفظ عياله، ويدير المنزل في غيابه؟.. وكما هو معلوم، فإن من موجبات ثبات المقاتل في ميدان القتال: اطمئنانه إلى أن هناك من يحمي الجبهة الداخلية، وأن عائلته بخير.. وكما يقال: “أن وراء كل رجل عظيم امرأة”!.. ولكن المرأة إن صارت صالحة، فإنها تشارك زوجها في كل ما يعمل.. ولهذا في الجنة الزوجة ملحقة بالزوج في درجاته؛ أي إن كان الزوج في درجة عالية، والزوجة بأعمالها الخاصة بدرجة أقل، فإن مقتضى الجمع بين الزوجين أن الله -عز وجل- يرفع من درجة هذه الزوجة، لتكون في مرتبة زوجها.. وكذلك العكس!.. فإذن، إن العائلة المباركة، هي العائلة السعيدة والمستقرة في جنان الخلد، وليس في هذه الأيام الفانية!..

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.. المنافقة أيضاً داعمة لزوجها المنافق، والغريب أن عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر، رغم أن المنافق -بحسب الظاهر- يصلي ويصوم، ولكن الله -تعالى- يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.. وهنا الآية تقدم المنافقين على المشركين: ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، وذلك لأن المشرك مفضوح، وبإمكان الإنسان أن يتخذ حذره منه.. أما المنافق بما أنه غير مكشوف للمسلم، فمن الممكن أن يطعنه من الخلف!.. ومن هنا نعلم أن المنافق أشد وطأً وضرراً من المشركين!..

﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾.. الظن السيئ له ثلاثة مصاديق: بعضها جيد في حالة، وبعضها سيئ في حالة، وبعضها سيئ مطلقاً:
أولاً: سوء الظن بالنفس.. هل يصح أن يسيء الإنسان ظنه بنفسه؟..
الجواب هو: نعم، ولا!..
نعم!.. من باب دفع العجب، يقول أمير المؤمنين -عليه السلام- في وصف المتقين: (فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون).. فالإنسان الذي يشك في نفسه، ويتهم نفسه، ويسيء الظن بنفسه؛ هذا مدعاة للتكامل؛ لأنه يبحث عن الخلل.
ولا!.. لأنه قد يصيب صاحبه بالإحباط.
فإذن، سوء الظن بالنفس سلاح ذو حدين.. لذا، لا بأس به بمقدار معين!..

ثانياً: سوء الظن بالناس.. إن سوء الظن بالناس بشكل عام، شيء غير جيد!.. ولكن إذا غلب الفساد على الزمان، فالمؤمن يجب أن يكون حذراً!.. أي عليه أن يسيء الظن ببعض المجتمعات، وببعض التوجهات!..

ثالثاً: سوء الظن بالله -تعالى-.. إن الإنسان الذي يُسيء الظن بالله -عز وجل-، فقد ارتكب جرماً كبيراً.. يقول تعالى في هذه الآية: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾.. فالمنافقون هذه هي مشكلتهم: أنهم أساءوا الظن بالله -عز وجل-: بأن لن ينصر رسوله، والله -عز وجل- خيب آمالهم، ونصر نبيه.

حسن الظن بالله..
إن المؤمن إذا حسن ظنه بالله -عز وجل-؛ رزقه الله، وعامله على حسن ظنه.. لذا، يجب أن يكون ظن الإنسان بربه كبيراً!.. وعند الدعاء فليدعو الإنسان بما يشاء، ولكن في ختام الدعاء، ليقل كلمة واحدة، هي ختم القبول.. فرب العالمين أعطانا ختماً، كتب عليه: قضيت حاجتك.. هذا الختم بيد الإنسان، بإمكانه خلف كل دعاء بليغ فيه: بكاء، وتوجه، وتفاعل، أن يقول هذه العبارة، وهي عبارة منقولة عن المعصوم: (وليس من صفاتك يا سيدي أن تأمر بالسؤال وتمنع العطية، وأنت المنان بالعطايا على أهل مملكتك، والعائد عليهم بتحنن رأفتك)؛ فأنت الذي تأمر بالسؤال، ألم تقل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، والآن تخيبني؟!.. (وعزتك!.. لا ينعقد على ذلك ضميري، إذ كانت القلوب إليك بالجميل تشير)؛ أي قلبي لا يطاوعني أن أصدق هذا المعنى.. هذا معنى حسن الظن!.. وفي بعض الروايات هناك تعبير جميل، عن أبي عبد الله -عليه السلام- أنه قال: (إذا دعوت؛ فظن أن حاجتك بالباب).. فلو أن إنساناً قيل له: أن حاجتك مكتوبة في ورقة، ولكن خلف الباب، وهذا الباب سيفتح بعد ساعة؛ فإنه يطمئن، وينام قرير العين!.. فإذن، إن القضية قضية زمان؛ أما أصل الموضوع فإنه منجز؛ ولكنه يحتاج إلى مهلة!..

﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾.. إن الإنسان عليه أن يتدارك الموقف، قبل أن يصل الأمر إلى الغضب واللعن!.. فالعبد قد يعمل ما يوجب له غضب الله -عز وجل-، ولكن رب العالمين لا يلعنه؛ أي لا يطرده من الرحمة.. فمن الممكن أن يجتمع عليه الغضب من دون لعنة، ولكن إذا تراكمت السيئات، وتراكم الغضب، عندئذ رب العالمين يطرده من رحمته، ويختم على قلبه، وكأنه لا أمل في الرجوع بعدها.. فالغضب كسحابة العذاب المعلقة في الجو، لذا فإن المؤمن يسأل الله -عز وجل- أن لا يُنزل عليه هذه السحابة، ويدعو ربه قائلاً “يا رب!.. لا تحلل علي غضبك”..  والطريق إلى ذلك: الاستغفار بين يدي الله -عز وجل-، والصلاة على نبيه (). 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى