زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة محمد (ص) – 7

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.. إن الخطاب موجهٌ لضعاف النفوس: أي إن صرفتم النظر عن الجهاد، فإن البديل هو الإفساد في الأرض!.. فالذي لا يجاهد في سبيل الله -عز وجل-، ويستدبر أحكام الشريعة؛ فإن نتيجته الإفساد في الأرض، وتقطيع الأرحام.. وفي هذه الآية إشارة إلى أن تقطيع الأرحام، هو في رتبة الفساد في الأرض.

إن هذا التأكيد على صلة الرحم، نحن لا نعلم سره!.. وعندما نقول: “صلة الرحم” لا نعني بذلك الرحم المؤمن، وإنما الرحم بما هو رحم!.. فالآية صريحة: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.. هذه الآية تتحدث عن أبوين ليسا كافرين فقط، بل ويصران على دعوة الأبناء إلى الكفر.. حيث أن هناك فرقاً بين كافر يعتقد في نفسه الكفر، وبين كافر يدعو الناس إلى الشرك والكفر!.. فهل يمكن أن يتحمل المؤمن النظر إلى هكذا أبوين؟..

لذا، فإن القرآن يقول: ﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾!.. أي هؤلاء كافران لا تسمع كلامهما، ولكن ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.. القرآن لم يذكر ما الذي يجب عمله، إنما أطلق القول فقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا؛ أي كل ما من شأنه المعروف، يجب عمله بحق الأبوين الكافرين، الداعيين إلى الكفر، والمجاهدين من أجل نشر كلمة الكفر.. فكيف إذا وصل الأمر إلى أمثال الأمهات المؤمنات، والآباء المؤمنين، الذين قد ينتابهم الغضب أحياناً، فيتكلمون كلاماً لا يُرضي الأولاد؛ من المؤكد أن هؤلاء لا يستحقون الإعراض!.. بل الأمر مخيف جداً!.. يقول تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾.. رب العالمين هو الذي أوجد الإنسان، وهو الذي خلقه؛ ولكن الأبوين هما السبب الظاهري: فلولا نطفة الأب ورحم الأم؛ لما وجد الطفل.. فإذن، إن رب العالمين كأنه يرى حقاً للأب والأم عليه؛ لأنه أوجد الإنسان من خلالهما.

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.. المفسدون والمقطعون لأرحامهم، أولئك الذين لعنهم الله -سبحانه وتعالى-.. واللعن هو: الإبعاد والطرد من رحمة الله -تعالى- ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.. فعندما نريد أن نبدي انزجارنا من أحد نقول: اللهم أبعده من رحمتك!.. والقرآن الكريم يقول هنا: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي أبعدهم عن رحمته!.. هذا معنى اللعن، وهو تعبير قرآني صريح!.. ولكن البعض يخلط بين اللعن، وبين السب والفحش.. فرب العالمين عندما لعنهم: أصمهم، وأعمى أبصارهم ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.. ولهذا القرآن يصف هؤلاء بوصفين، أحدهما أسوأ من الآخر:

الوصف الأول: كالأنعام.. يقول تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾؛ هؤلاء أضلّ من الأنعام؛ لأن الحيوانات تؤدّي وظيفتها في الوجود: فبعضها يحمل الأثقال، وبعضها يُستفاد من لبنه ومن لحمه، وبعضها يُستفاد من جلده ومن فروه.. فإذن، هذه الحيوانات تؤدي واجبها في الوجود، وأما الإنسان فإنه مستنكف ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾.

الوصف الثاني: كالخشب.. يقول تعالى في سورة “المنافقون” ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.. الحيوان لا زال يتحرك، أما الخشب فليس فيه حركة.

فإذن، إن هؤلاء لهم جوارح؛ ولكن في حكم اللاجارحة؛ أي كأنه لا بصر، ولا سمع لهم.

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.. من الممكن أن يتلو الإنسان القرآن، ويجوّده، ويحفظه، ويُفسّره، ويأخذ الرتبة الأولى في العالم الإسلامي.. ولكنه لا يتدبر فيه؛ لأن على قلبه أقفالاً، كما ورد في الروايات، فعن النبي الأكرم () أنه قال: (ربّ تالٍ للقرآن، والقرآن يلعنه).. فهذا ظالم والقرآن الكريم يقول: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.. وعليه، فإنه يجب ألا يُخدع الإنسان بمن يحمل القرآن ظاهراً.. يقول تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.. لم يقل: على عقول أقفالها!.. لأن الإنسان الذي له عقل بإمكانه أن يفقه القرآن، ولكن الذي ليس له قلب لا يمكنه أن يتدبر فيه!.. والدليل على ذلك: أن هناك جمعاً لموضوعات الآيات القرآنية لبعض المستشرقين من غير المسلمين، الذين عملوا في كتاب الله، ما لم يعمله المسلم.. فهؤلاء لهم عقول تفقه القرآن، ولكن ليست لهم قلوب تتدبر فيه!.. لأن المتدبر في القرآن، لا يمكنه أن لا يعمل بقوله تعالى.. فالذي ليس على قلبه قفل، عندما يصل إلى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ يقول: لبيك!.. لبيك!.. ماذا تريد مني؟.. كما كان يفعل أهل البيت -عليهم السلام-.. وفرق بين الذي يقول: لبيك!.. بعد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وبين من يعرب آمنوا: فعل ماض، وله فاعل، وله مفعول.. فالأول: إنسانٌ تدبّر القرآن، والثاني: إنسانٌ فسّر القرآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى