زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة الرحمن – 4

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لّا يَبْغِيَانِِ﴾.. هنا من الممكن أن نفسر مرج البحرين بمعنيين:
المعنى الأول: أن الأنهار العذبة عندما تصب في البحر المالح، لا يكون هناك تمازج بين الماءين.
المعنى الثاني: أن المياه الباطنية هي المغذية للأنهار والبحيرات، فلو أن البحار تعدت حدودها، ودخلت في المياه الجوفية؛ لأفسدتها.. إذن، البحر في جانب، والأنهار في جانب.
الدرس العملي:
والله العالم!.. كأن الله -عز وجل- يريد أن يقول: أيها البشر!.. التفتوا للعدالة في عالم الطبيعة: فلو أن البحر طغى على النهر، وتسلل إلى المياه الجوفية؛ لفسد هذا الماء.. لأن الأنهار ضعيفة، والبحار قوية: حجمها أكبر، وأمواجها أعتى، وعمقها أكثر!.. فيا بني آدم!.. كن كالبحرين، ولا تتجاوز حدّك؛ فتفسد الأشياء!..
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.. ربما لو اختلطت المياه العذبة بالمياه المالحة؛ لما استخرجنا اللؤلؤ والمرجان.. ولكنهما حفظا حدودهما: فالبحر عند حده، والنهر عند حده؛ لذا رب العالمين بارك فيهما، وأخرج منهما اللؤلؤ والمرجان.. هنا الإمام الصادق -عليه السلام- يتوسع في المعنى الظاهري، ويطبق هذه الآية على جده أمير المؤمنين والزهراء -عليهما السلام-.. والخروج من ظاهر الآية، هذا لا يحقّ إلا لله -عز وجل- والرسول (صلی الله عليه) وأمناء الله على وحيه، فلا يأتي أحد ويقول: أنا أفهم من الآية معنى خلاف الظاهر.. يقول الإمام الصادق -عليه السلام-: (إن البحرين علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لّا يَبْغِيَانِ﴾: محمّد (صلی الله عليه)، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾: الحسن والحسين -عليهما السلام-).
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾.. عندما يوضع قطعة معدنية صغيرة في الماء؛ تذهب للأعماق، ولكن مع ذلك نرى الأساطيل حاملة الطائرات وهي تجوب البحار!.. فما هذه القدرة التي حملت هذه الأساطيل بما فيها من عشرات الطائرات؟!.. ولهذا القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾؛ الجواري؛ أي السفن.. والمنشآت؛ أي التي تم إحداثها.. والأعلام؛ أي الجبال.. فهذه السفن المنشأة كالجبال هي لله -عز وجل-.. فالله -سبحانه وتعالى- هو الذي جعل قانون الطفو، وهو الذي ألهم الإنسان طريقة صنع هذه الأساطيل.. لذا، فإن المؤمن كلما رأى اختراعاً مذهلاً عجيباً: من فلق الذرة، إلى غزو الفضاء، يقول: وله ذلك!.. سبحان المدبر!.. فهو الذي أعطى المادة، وهو الذي أعطى القدرة!.. فالأساطيل من حديد، والحديد من الله.. والذي هندس ذلك؛ العقول البشرية، وهذه العقول من الله -عز وجل-!..

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾.. لو تعقلنا هذه الآية، لانقلبت حياتنا رأساً على عقب.. فرب العالمين في سورة “الرحمن” ذكر النعم من: الجواري المنشآت، والبحر، واللؤلؤ والمرجان، وغير ذلك من النعم.. ثم يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وفي آيات أخرى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾.. القرآن الكريم يقول للإنسان: استغل هذه النعم، وحوّلها إلى ما يبقى؛ لأن الحياة تفنى، وطاقاتك تفنى: فكل شيء للفناء، وكل شيء إلى الفناء، وكل شيء في فناء!.. ولكن الذي يجعل العمل باقياً؛ هو ربط هذا الفاني بوجه الله الباقي، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾.
الدرس العملي:
يحاول الإنسان من الآن أن يربط كل عمل يقوم به بالله -عز وجل-، حتى شربة الماء يجعلها لله -عز وجل-، يقول: يا رب!.. أنا لا أتحرك حركة في هذه الحياة إلا ابتغاء وجهك.. إنْ شرب الماء ليرفع العطش؛ فهذا العمل فانٍ.. وإنْ أكل ليشبع؛ هذا أيضاً فانٍ.. وإنْ تزوج ليستمتع؛ أيضاً فانٍ.. ولكن الذي يُبقي هذه الأمور هي أن يقول: يا رب!.. ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.. فهو صاحب: الصفات العليا، وصفات الجلال، وصفات الجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى