زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة الرحمن – 1

إن سورة “الرحمن” هي عروس القرآن الكريم، فعن الإمام علي -عليه السلام- أنه قال: (أن النبي (صلی الله عليه) قال: لكل شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن).. حيث أن العروس تتصف بالجمال المتميز!.. وسورة “الرحمن” من السور الجميلة في القرآن الكريم، ولها امتيازات، فمن امتيازاتها:

1. الآية المكررة قرابة إحدى وثلاثين مرة، ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾!..
2. أنها تبتدئ بلفظ الجلالة، فهي السورة الوحيدة التي تبتدئ بلفظ الجلالة ﴿الرَّحْمَنُ﴾.. لم يقل: هو الله الذي لا إله إلا هو.

﴿الرَّحْمَنُ﴾.. كلمة “الرحمن” لا تطلق على غير الله -عز وجل-!.. فقد يقال: فلان رحيم، أما “رحمن” فهذه صفة خاصة بالله -سبحانه وتعالى-.. والفرق بين الرحمن والرحيم:
1. الرحمن: هي الرحمة العامة الشاملة للجميع، فتعمّ المؤمنين والكافرين.. ولولا هذه الرحمة لما بقوا على هذه الأرض، فرب العالمين يرزقهم، حتى أننا نلاحظ أن النعم الإلهية منهمرة على الكفار أكثر من المؤمنين!..
2. الرحيم: هي الرحمة الدائمة، وذلك ما يختص بالمؤمنين وحدهم.
وقد روي عن الإمام الصادق -عليه السلام- قوله: (الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة)، وروي عنه أيضاً أنه قال: (الرحمن اسم خاص لصفة عامة، والرحيم اسم عام لصفة خاصة).

﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾.. أول فعل ينسبه القرآن لله -عز وجل- في هذه السورة: أنه علم القرآن؛ أي أهم معلومة في هذا الوجود هو القرآن الكريم!.. ومن أراد أن يتخصص في شيء؛ فعليه بالقرآن؛ فهو أعلى التخصصات!.. أين التخصص في الذرة، وأين التخصص في القرآن الكريم؟!.. لذا، ينبغي أن نمرّ على تفسير للقرآن الكريم، ولو على مستوى شرح الألفاظ، فهذا أقل ما يجب فهمه من كتاب الله -عز وجل-!.. هناك المصحف المفسر على هامش القرآن، بالإمكان أن يكون مع الإنسان في العمل، وفي السفر، فلو ختم القرآن مرة ومرتين وثلاث مرات، وهو يطالع هذه الهوامش، بعد فترة يلمّ بالألفاظ المشكلة في القرآن الكريم، مثلاً: في سورة الرحمن ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾؛ النجم يعرفه البعض بأنه نجم السماء، ولكن المراد بالنجم هنا: الشجر الذي لا ساق له.. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾؛ أي النباتات ذو الساق، والنباتات عديمة الساق تسجد لله -عز وجل-.. فالقرآن مليء بالكلمات المشكلة.. وبعد ذلك الإنسان في مرحلة أرقى، يحاول أن يتعمق في السور التي يقرأها كثيراً.. لا يحسن بمؤمنٍ بل بمسلمٍ، أن لا يعلم معنى سورة “الفاتحة”، وسورة “التوحيد” كما ينبغي.. وكذلك سورة “القدر”، وسورة “الواقعة”، وسورة “الرحمن”؛ هذه السور التي نقرأها بكثرة؛ على الأقل نعلم جزئيات هذه السور.

إن المعلم الأكبر والأعظم للقرآن الكريم هو الرحمن، ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾.. والإنسان بمراجعته للتفاسير، يسأل الله -تعالى- أن يُعلّمه القرآن أيضاً، فما المانع أن ينشرح صدر الإنسان لفهم المعاني القرآنية، إضافة للتفاسير، أو مع التفاسير؟!.. هناك مَنْ يقرأ القرآن الكريم، ويتمعّن في المعنى، فيكتشف بعض المعاني، ثم يراجع التفاسير الكبيرة؛ فيرى أن ما تبادر إلى ذهنه، هو ما تبادر إلى ذهن صاحب الميزان مثلاً.. هذه حركة طيبة، يتأكد الإنسان من خلالها أن ما أُعطي الغير على الأقل أُعطي هو أيضاً.. فإذن، ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي علّم النبي (صلی الله عليه) في الدرجة الأولى.. ونحن أيضاً من الممكن أن نفهم معاني القرآن الكريم، ولكن لا يكون بتفسير الرأي وغيره.

﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.. أول مزية من مزايا بني آدم صفة البيان!.. والبيان ليس بالأمر البسيط، فمن أعقد التفاعلات في عالم الوجود أمران:
1. خلقة الإنسان.. أي انتقاله من مرحلة الحيوان المنوي إلى البويضة الملقحة إلى المضغة، إلى أن يخرج من رحم أمه ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.. هذا المصنع الصغير بحجم رحم الأم، يخرج أعظم إنتاج في عالم الوجود!.. فأعظم المخترعات: كالسفن الفضائية وغيرها، هي نتيجة جزء من أجزاء رأس الإنسان.. فلولا المخ البشري؛ لما وجدت هذه الحضارات.

2. تكلمه.. كم من التفاعلات التي تتم أثناء الحديث؟!.. هناك معانٍ تأتي في الذهن، وبلمح البصر المعاني تتناسب، فتتركب الجمل.. وبعد أن يتكوّن المعنى المتكامل، تأتي هذه الذبذبات من عالم المخ عبر الأعصاب إلى عدة أجهزة: إلى الحلق، والبلعوم، والشفتين، والفكين.. أي أن هناك أجهزة عجيبة تعمل على وفق المعلومات التي في الذهن!.. ثم يأتي دور الأوتار الصوتية، وهذه الأيام هناك غناء محرم من دون موسيقى؛ فبمجرد أن تتحرك الأوتار اللحنية في الحنجرة؛ وإذا بها تطرب الإنسان!.. وأيضاً بإمكان الإنسان في آن واحد، أن يتكلم على نحو الخطبة، ثم يقرأ دعاء بليغاً، فيحرك درجة الأوتار، وإذا باللحن يتغير.. بعد ذلك الأمواج الهوائية تتذبذب، فتنتقل إلى طبلة أذن المستمع، ثم العظيمات الصغيرة في الأذن، وبعد ذلك تنتقل الذبذبات إلى المخ، فيلتقط المستمع المعلومة ويحللها في ثانية.. إذن، المعلومات تركبت عند المتكلم، وجرت على لسانه، وانتقلت عبر الهواء إلى أذن المستمع، ودخلت إلى مخه، وإذا بكمٍّ من المعلومات يذهب ويأتي عبر هذا الشحم واللحم!.. ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.. بعد هذه القدرة، هل يحسن أن يستعمل الإنسان هذا اللسان فيما لا يحسن: في الفحش من القول، وفي الكلام البذيء، وفي الكلام الذي لا يُرضي الله عز وجل؟!..

فإذن، إن أعجب شيء في عالم الوجود؛ هي خلقة الإنسان!.. وأعجب شيء في خلقة الإنسان؛ هي تكلمه!..

مواصفات الكلام النافع في القرآن الكريم:
إن رب العالمين يُعلّمنا كيف نتكلم، فيقول تعالى في آيات مختلفة:
1. ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾!.. أي؛ صحيحاً موافقاً للعدل والشرع.
2. ﴿قَوْلا مَّعْرُوفًا﴾!.. أي؛ حسناً غير خشن.
3. ﴿قَوْلا لَّيِّنًا﴾!.. أي؛ ناعماً غير عنيف.
4. ﴿قَوْلاً بَلِيغًا﴾!.. أي؛ يبلغ النفوس.
5. ﴿قَوْلاً كَرِيمًا﴾!.. أي؛ جميلاً.
6. ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾!.. أي؛ قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم.
7. ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾!.. أي؛ الكلمة التي تشتمل على الأدب الجميل، والبعيدة عن الخشونة، والشتم، وسوء الأمر.
هذه هي مواصفات البيان التي تراد منا في الشريعة، حتى في الحديث مع الكفار يقول تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.. فأين نحن من استخدام هذه النعمة الكبرى؟..

﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.. يذكر الرب النعم التي أنعم بها على الإنسان، ثم يقول بين كل فقرة: ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ أي هذه نعمة الله -عز وجل- مني لك، استعملها في الجهة الصحيحة.. فليس الشكر أن يقول الإنسان: شكراً لله، إنما الشكر أن يستعمل النعمة فيما يُرضي الله -عز وجل-، يقول تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.. فالعمل هو الشكر، لا أن يأخذ سبحة في زاوية ويقول: شكراً لله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى