زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة المنافقون – 2

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.. وإن كان الحديث عن المنافقين في هذه الآية، إلا أنه يدل على أن استغفار النبي (صلی الله عليه) مؤثر في الأمة، يقول تعالى: ﴿تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ولو لم يكن كذلك؛ لما نزلت هذه الآية!.. وهناك آية أخرى نقرأها عندما نزور النبي (صلی الله عليه) وهي: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾.. فالآية واضحة في أن استغفار النبي (صلی الله عليه) للأمة واقع في محله!.. وهذه الآيات مختصة بحياة النبي (صلی الله عليه) وبعد وفاته؛ لأن النبي (صلی الله عليه) جسمه دفن في التراب؛ ولكن حياة الإنسان بروحه، ألا يقول تعالى عن الشهداء: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؟!.. فالشهداء أجسامهم في التراب كباقي الناس، ولكنهم أحياء مرزوقون، باعتبار أرواحهم.. فإذا كان الشهيد حياً بروحه، فكيف بسيد الشهداء أبي عبد الله -عليه السلام-؟!.. وكيف بنبي الشهداء، وهو المصطفى (صلی الله عليه)؟!..

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾.. هناك إشارة أخرى إلى أن الله -عز وجل- يضل العبد، ويختم على قلبه، ولكن هذا الختم بسبب الفسق، حيث يقول تعالى في آية لاحقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي رب العالمين لا يهدي الإنسان الذي اتخذ الفسق سبيلاً له في الحياة.. وعليه، فإن رب العالمين إضلاله وعدم هدايته، ليس ابتداءً؛ وإنما مجازاة!.. والإنسان مادام قلبه نابضاً بالحياة: فإنه يستقبل الحكمة، ويحاول أن يعمل بما تعلّم.. وإن خانته شهوته، وغلبه الهوى؛ فهذا يرجى له الخلاص في يوم من الأيام، ولسان حاله ما في المناجاة: (وعزتك وجلالك!.. ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض.. ولكن سولت لي نفسي، وأعانني على ذلك سترك المرخى به علي).. فالإنسان العاصي الذي هذا لسان حاله؛ هذا في مظان الرحمة الإلهية!.. ولكن المصيبة عندما يصل الإنسان إلى درجة يرتكب المنكر، وهو لا يعيش حالة الندامة، ولا يستشعر قبح المعصية!..

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾.. انظروا إلى سخافة المنافقين!.. يقولون: إن الذين حول النبي (صلی الله عليه) جاءوا لمتاع الدنيا، فإذا ضيقنا عليهم، وحاصرناهم؛ فإنهم سيصابون بالجوع والفقر، عندئذ يتركون النبي (صلی الله عليه) وينفضون من حوله.. ولكن هل الذين كانوا حول النبي (صلی الله عليه)، هذا هو هدفهم، وهذا الذي يجمعهم؟.. هؤلاء البعض منهم كان في أعلى درجات التعلق بالنبي المصطفى (صلی الله عليه)، أضف إلى أن حسابات المنافقين حسابات رياضية؛ فهم يعتقدون أن التضييق على المؤمنين، يجعلهم يتركون رسول الله (صلی الله عليه)!.. ولكنهم نسوا ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾.

الدرس العملي:
إن أراد الإنسان مالاً، وعزاً، ووجاهةً، وتوفيقاً، ومعنىً؛ فليعلم أن خزائنه عند الله -عز وجل-!.. وقبل أن يذهب إلى زيد وعمرو؛ طلباً حتى للكمالات عليه أن يلجأ إلى رب العالمين.. فبعض الناس عندما يرى ولياً من عباد الله الصالحين؛ يتشبث به، ويجعله صنماً، يقدسه في كل ما يقول.. وهذه حالة غير صحية!.. فهذا العالم هو طريق إلى الله -عز وجل- ومادام طريقاً؛ يمشي وراءه، وإن لم يكن هكذا فلا يتبعه!.. بعض العلماء، أو بعض الناس كقطاع الطرق، بمعنى: أنهم يصرفون السائر إلى الله -عز وجل- عن الطريق بسلوكهم.

﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.. نزلت الآيات في عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه، لأنه عندما رأى قوة الإسلام قال: “قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله!.. ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك!.. أما والله!.. لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل.. يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله (صلی الله عليه)، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما جعلتم بأنفسكم؛ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم.. أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام، لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم، ويلحقوا بعشائرهم و مواليهم”.. أي الآن تسلطوا عليكم؛ فهذا جزاؤكم يا أهل المدينة!.. ولكن إذا رجعنا إلى إلى المدينة سننتقم من النبي (صلی الله عليه) ومن معه.. ولكن سبحان الله يخرج الحي من الميت!.. “وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي، ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله (صلی الله عليه)، فقال: يا رسول الله، إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه.. فو الله!.. لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله؛ فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي، أن يمشي في الناس؛ فأقتله.. فأقتل مؤمناً بكافر؛ فأدخل النار.. فقال (صلی الله عليه): (بل ترفق به، وتحسن صحبته ما بقي معنا)”.. عبد الله بن أُبي زعيم المنافقين، وابنه شاب مؤمن، ولو لم يكن في ديوان عبد الله بن عبد الله إلا هذه المقالة؛ لكفاه لدخول الجنة.

الدرس العملي:
إن من يشتكي من ظلم الآباء: لحدة في مزاجهم، أو لتقصير في الإنفاق، أو لظلم يقع منهم، فمهما كان ظلمهم لا يصل إلى درجة عبد الله بن أُبي، ومع ذلك رسول الله (صلی الله عليه) يطلب من عبد الله، أن يحسن إلى والده، ويأمره بالرفق به، يقول تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى