زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة الواقعة – 5

﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾..
أولاً: إن رب العالمين في أواخر سورة “الواقعة” يذكر الأشياء الصغيرة، ومنها النطفة، فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾؛ ولكن أيضاً ينقلنا إلى المجرات الكبرى، فهو ينقلنا من النطفة إلى المجرة.. وفي كل ذلك مجال واسع للاعتبار والتأمل!..
ثانياً: لم يقل القرآن: فلا أقسم بالنجوم!.. لأن خلقة النجوم شيء، ومواقع النجوم شيء!.. حيث أن هناك نظرية “التجاذب الكوني”، فهذه النجوم لو اختلت في مواقعها، لحصل الفناء.. يكفي أن تشرق الشمس في يوم من الأيام، وهي أقرب إلى الأرض بآلاف الكيلومترات؛ فهل تبقى حياة على وجه الكرة الأرضية؟.. سبحان الله!.. منذ ملايين السنين، والشمس تجري في مستقرها، والأرض في مستقرها، والقمر… الخ!.. فلو أن قطعة صغيرة تنفصل من كوكب، وهي ما يُسمى بالشهب والنيازك، لعلها تدمر مدينة بأكملها!.. فكيف إذا كل النجم تحرّك من موقعه، واصطدم بالآخر؟!..
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.. إن الكرم من صفات البشر؛ فما معنى أن يكون القرآن كريماً؟.. هنا معنيان:
1. كرم بلحاظ الرب المتعال.. يقال: فلان كريم عند فلان؛ بمعنى: أنه عزيز عنده.. فإذن، القرآن بالنسبة إلى الله -عز وجل- كريم؛ أي عزيز على الله -عز وجل-.
2. كرم بلحاظ البشر.. الكريم: هو الذي يعطي، وكلما زاد عطاءه؛ زاد كرمه.. والقرآن أيضاً معطاء، فهو: كتاب هداية، وكتاب إرشاد، وكتاب شفاء أيضاً.. فإذن، القرآن كريمٌ؛ لأنه يعطينا ما يعطينا.
يقول صاحب تفسير الميزان: “.. ويستفاد من توصيفه بالكريم من غير تقييد في مقام المدح، أنه كريم على الله، عزيز عنده.. وكريم محمود الصفات، وكريم بذال نفاع للناس؛ لما فيه من أصول المعارف، التي فيها سعادة الدنيا والآخرة”.
﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾.. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾.. فهاتان الآيتان يستدل بهما على أن القرآن مصونٌ عن التحريف، حيث أن رب العالمين جعله في كتاب مكنون.. ولكن لِمَ قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾؟.. فهل هناك شيء أشمل من القرآن الكريم؟.. والله العالم!.. من الممكن أن يقال: أن هناك جهة تجمع كل الكتب السماوية، والقرآن الكريم نازل من تلك الجهة العليا، من ذلك المكان في العرش، الذي كتبت فيه هذه المعاني العالية.
﴿لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.. هذه الآية من الآيات المحيرة!..
أولاً: ما معنى ﴿لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾؟.. هل “لا” هنا نافية أو ناهية؟..
ثانياً: هل المراد بالمس هنا المس الظاهري؟.. فنحن نعلم أنه لا يجوز مسّ كتابة القرآن الكريم من دون وضوء، هل هذا هو المعنى: أي لا تلمسوا القرآن، أو أن المعنى أرقى؟..
ثالثاً: ما قال: لا يلمسه إلا المطهرون، إنما قال: ﴿لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.
إن المطهر مرتبة أرقى من المتطهر!.. فالمتوضئ متطهر، ولكنّ المطهر يذكرنا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.. وعليه، فإنه قد يكون هذا هو الرأي الأرجح، باعتبار ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ أي المصطفون الذين طهرهم الله -تعالى-، فهؤلاء أرواحهم تلامس معنى القرآن الكريم.. وهنا نعلم معنى هذا الحديث: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)؛ فالعترة هي التي تمسّ القرآن الكريم، (إنما يعرف القرآن من خوطب به).
فإذن، إن حقائق القرآن، ومعاني القرآن؛ معانٍ راقية لا يصل إليها إلا الذين اصطفاهم الله -سبحانه وتعالى-.. والطهارة العليا تستلزم الاستفادة العظمى من القرآن الكريم، وكذلك الطهارة المتوسطة.. فالبعض بعد فترة من قيام الليل، ومن ترك المعاصي والذنوب، يصل إلى مرحلة يفهم القرآن من دون أستاذ، والبعض يكتشف معاني في القرآن الكريم، ما مر في ذهن أحد من المفسرين.. وعليه، فإن الفتوحات الربانية باب مفتوح.. والطريق إلى فهم القرآن الكريم هو: طهارة النفس؛ فالمطهرون هم الذين يفهمون القرآن حق فهمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى