زادك في دقائقزادك في دقائق

نفحات من سورة الواقعة – 2

إن هناك تقسيماً ثلاثياً لمن يحشر يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾.. فإذن، هناك ثلاثة أقسام: قسم في النار، وقسمان في الجنة: أصحاب اليمين، والسابقون.. فما هي مواصفات هذه الأقسام الثلاثة؟..

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾.. القرآن الكريم تكلم عن السابقين قبل أصحاب اليمين، قيل: “معناه السابقون إلى طاعة الله، وهم السابقون إلى رحمته.. والسابق إلى الخير، إنما كان أفضل؛ لأنه يقتدى به في الخير، وسبق إلى أعلى المراتب قبل من يجيء بعده”.. عن أبي جعفر -عليه السلام- قال: (السابقون أربعة: ابن آدم المقتول.. وسابق أمة موسى؛ وهو مؤمن آل فرعون.. وسابق أمة عيسى؛ وهو حبيب.. والسابق في أمة محمد (صلی الله عليه)؛ وهو علي بن أبي طالب -عليه السلام-).

﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.. يبدو أن هناك منزلة من منازل النعيم في الجنة، وهي منزلة القرب من الله -عز وجل-؛ وهذا النعيم لا يقاس بنعيم لذائذ الجنة.

﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.. على ما يبدو هناك جنان مختلفة -على ما نفهم-، منها: جنة التنعم، وجنة النعيم، وجنة القرب، وجنة الذات:

1. جنة التنعم: وهي الحور، والقصور، والغلمان المخلدون.
2. جنة النعيم: وهي جنة الولاية ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾؛ فقد فُسّر النعيم هنا بالولاية؛ ولاية الله -عز وجل- في الدرجة الأولى، وولاية أوليائه في الدرجة الثانية.
3. جنة القرب: حيث أن الإنسان يعيش فيها حالة القرب من الله -عز وجل-، وهذا القرب لا يقاس بلذائذ الحور والقصور.
4. جنة الذات: أي أن الإنسان لا يفكر لا في القرب، ولا في الحور والقصور.. فالذي يهمه القرب، ويهمه النعيم؛ هذا إنسانٌ ينظر إلى ذاته، فهو يحب أن تكون ذاته منعمة بالحور والقصور، أو ذاته منعمة بالقرب الإلهي.. أما هذا الصنف من أصحاب جنة الذات، فقد تحقق لهم ما يسمى بـ”الفناء” في الله -عز وجل- من جميع الجهات، فلم يعودوا ينظرون إلى ذواتهم.

﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾.. يقول صاحب تفسير الميزان: “الثلة -على ما قيل- الجماعة الكثيرة.. والمراد بالأولين؛ الأمم الماضون للأنبياء السابقين.. وبالآخرين؛ هذه الأمة على ما هو المعهود من كلامه -تعالى- في كل موضع ذكر فيه الأولين والآخرين معاً… فمعنى الآيتين: هم؛ أي المقربون جماعة كثيرة من الأمم الماضين، وقليل من هذه الأمة”.. هنا سؤال محير: لِمَ المقربون والسابقون في هذه الأمة قليلون؟.. هناك عدة توجيهات في هذا المجال، منها:

التوجيه الأول: كثرة الأنبياء والأوصياء في الأزمنة السابقة، حيث أن هناك مائة وأربع وعشرين ألف نبي بعثوا إلى القرى المختلفة.. فهؤلاء كان لهم دور في تربية المتميزين والمتفوقين، الذين كانوا في ركب الأنبياء.

التوجيه الثاني: أن البشرية في هذه الأيام تمر بأسوأ مراحلها، رغم هذا النعيم، وهذا الترف، وهذه السهولة: في التنقل، وفي الاتصال، وفي المطعم والمشرب؛ لأن الهوى في مقابل الهدى، وكلما اشتدت موجبات إشباع الهوى؛ ابتعد الإنسان عن ربه.. لذا، فإننا نعتقد أن الناس هذه الأيام أبعد ما يكونون عن عالم الهدى، ولهذا كلما تقدم الزمن يقل المتميزون!.. حتى في الحوزات العلمية، عندما نسمع تاريخ العلماء السلف، فإننا نرى هذه النماذج المتميزة من العلماء والمتعلمين في حال تناقص!.. فلعل مد الشهوات في البشرية، من موجبات تضعيف جانب الهدى في القلوب.

﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾.. جاء في تفسير هذه الآية: “وتقابلهم؛ كناية عن بلوغ أنسهم، وحسن عشرتهم، وصفاء باطنهم.. فلا ينظرون في قفاء صاحبهم، ولا يعيبونه، ولا يغتابونه”.. يبدو أن متعة المقربين في الجنة هي الحديث مع بعضهم البعض، رغم ما لهم من الحور والغلمان.. فالمؤمن لوحة من عالم العرش!.. لذا، فإن المؤمن إذا رأى إنساناً مؤمناً يثق بإيمانه؛ فليتخذه أنيساً؛ لأنه من نعيم الجنة.. مثلاً: إذا صادف الحاج مؤمناً في المسجد الحرام، وتجاذب معه أطراف الحديث الأخروي والإلهي، فهما في الجنة؛ لأن من نعيم الجنة محادثة المؤمنين بعضهم بعضاً.

﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾.. المراد بالـ﴿مَّعِينٍ﴾؛ الخمر الجاري.

﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾.. قيل في تفسير هذه الآية: هذا هو الخمر الذي لا يوجب انحرافاً في المزاج، كما يفعل خمر الدنيا، حيث يسلب الإنسان لبه، ولكن خمر الآخرة صفته ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾؛ أنه ينزههم، أو يزكيهم، أو يطهرهم عم سوى الله -عز وجل-.. فشتان بين خمر الدنيا الذي يذكر الإنسان بكل شيء ما سوى الله -عز وجل-، وخمر الآخرة الذي ينسي الإنسان كل شيء سوى الله -عز وجل-!..

مقارنة بين نعيم السابقين، ونعيم أصحاب اليمين:
أولاً: الشراب.. السابقون: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِين﴾ٍ.. أما أصحاب اليمين: ﴿وَمَاء مَّسْكُوبٍ﴾.
أصحاب اليمين عندهم مياه جارية لا تنقطع، أما السابقون فعندهم خمر.. وفرق بين الماء وبين الخمر!..

ثانياً: الفاكهة.. السابقون: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾.. أما أصحاب اليمين: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾.
بالنسبة إلى أهل اليمين هناك فاكهة كثيرة، وأما بالنسبة للسابقين فهم الذين يختارون الفاكهة التي يريدون أن يأكلوا منها.

ثالثاً: الأنس.. السابقون: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾.. أما أصحاب اليمين: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾.
أصحاب اليمين سررهم مرفوعة، ولكن السابقين أنسهم مختلف!..

رابعاً: الحور العين.. السابقون: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾.. أما أصحاب اليمين: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾.
رب العالمين ادخر الحور اللواتي مثل اللؤلؤ في صفائه للسابقين، وأما لأصحاب اليمين فلهم الحور اللاتي يتصفن بالحنان.

انظروا إلى الفرق بين النعيمين!.. ولكن المائز الأكبر بينهما؛ هي مسألة القرب من الله عز وجل.

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾.. المنزل الذي ليس فيه إثم: أي لا يسمع فيه الإنسان حراماً، ولا يتكلم بحرام، ولا ينظر إلى حرام.. والزوج الذي يسلم على زوجته بكل معنى السلام، ويكون الحديث فيما بينهما حديثاً مذكراً بالله -عز وجل-؛ هذا البيت هو صورة مصغرة من الجنة؛ لأن من صفات الجنة ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾.. فلمَ لا نجعل بيوتنا صورة من صور الجنة؟!.. قال الحواريون لعيسى -عليه السلام-: يا روح الله!.. مَن نجالس؟.. قال: (مَن يذكّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله).. هنيئاً لمن كانت زوجته تذكره بالله!.. وهنيئاً لزوجة تذكرها رؤية زوجها بالله عز وجل!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى