زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة الانفطار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ * كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}.

إن الدروس التي يمكن أن نستفيدها من هذه السورة:
الدرس الأول: الإشارة إلى فنائية الأشياء، حيث أن كل ما في هذا الوجود، حتى هذه الكواكب البعيدة، لا تبقى منتظمة على حالها؛ بل تنتثر وتتفرق كما تنتثر حبات السبحة المنتظمة في خيط واحد.
الدرس الثاني: وجوب التقرب إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان يعلم أنه سيواجه رب العالمين، شاء أم أبى، وفي ذلك الجو المخيف.. البعض يرى أن القيامة جداً بعيدة، ولكن الفاصل عن الآخرة ثوان، فقد يخرج الإنسان من بيته، ويرجع بتابوت، ثم ينتقل إلى عالم البرزخ (إذا مات ابن آدم، قامت قيامته).. فإذن، القضية ليست بعيدة جداً، كما يظنها البعض!.. لذا المؤمن إنسان فطن، يحاول أن يتقرب إلى الله -عز وجل- خلال هذه الفترة المتبقية من عمره؛ كي يرأف به، ويغفر له ذنوبه، ويكفر عنه سيئاته.. مثلاً: لو أن هناك إنساناً عنده محاكمة بعد سنة، وهذه المحاكمة مصيرية: قد يحكم عليه من خلالها بالإعدام، أو بمصادرة كل أمواله.. إذا كان إنساناً عاقلاً، ألا يحاول أن يتزلف، ويتقرب، ويصادق هذا القاضي، خلال هذه الفترة؛ كي يرأف به يوم المحاكمة!..

{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ}.. الفطر: الشق.. والانفطار: الانشقاق.

{وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ}.. أي تفرقت بتركها مواضعها، التي ركزت فيها.. شبهت الكواكب بلآلئ منظومة، قطع سلكها فانتثرت وتفرقت.

{وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}.. أي فتح بعضها في بعض، حتى يزول الحائل، ويختلط العذب منها والمالح، ويعود بحراً واحداً.

{وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}.. أي جعل أسفله أعلاه، والبعثرة: إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره.. فالمعنى: وإذا قلب تراب القبور، وأثير باطنها إلى ظاهرها، لإخراج الموتى، وبعثهم للجزاء.. في تفسير القمي: في قوله تعالى: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} قال: تنشق فتخرج الناس منها.. وبعثرت: تعبير قد يكون فيه نوع من أنواع الوهن، لأنه يشبه بحقل جزر أو بصل، يبعثره الإنسان ليخرج ما في باطن الأرض.. فهذه الأبدان كأنها أمور مادية تبعثر!..

{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}.. {عَلِمَتْ}: المراد بالعلم: علمها التفصيلي بأعمالها التي عملتها في الدنيا، وهذا غير ما يحصل لها من العلم، بنشر كتاب أعمالها.. {نَفْسٌ}: والمراد بالنفس جنسها، فتفيد الشمول.. والمراد بـ{مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}: هو ما قدمته مما عملته في حياتها، وبما أخرت: ما سنته من سنة حسنة أو سيئة، فعملت بها بعد موتها، فتكتب صحيفة عملها.. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من استن خيراً، فاستن به؛ فله أجره، ومثل أجور من اتبعه، غير منتقص من أجورهم.. ومن استن شراً؛ فاستن به؛ فله وزره، ومثل أوزار من اتبعه، غير منتقص من أوزارهم).. مثلاً: الذين بنوا مساجد لوجه الله تعالى؛ هذا وهو حي يقدم للآخرة.. البعض قد يبني مسجداً، ولكن بعد مائة سنة قد يأتيه سيل فيهدم.. بينما البعض له صدقة جارية إلى يوم القيامة، كأولئك الذين ساهموا -مثلاً- في تشييد مشاهد أهل البيت (ع)!.. فهذه الأيام الكل يستشفي ويشرب من ماء زمزم، وثوابه لهاجر التي طلبت الماء لولدها، حيث كانت مضطرة، فأنبع لها رب العالمين ماء زمزم.. لذا إلى يوم القيامة، وهاجر لها نصيب في كل من يشرب من هذا الماء؛ هنيئا لهؤلاء!..

فإذن، من الآن المؤمن يبرمج لنفسه فيما سيأتيه لاحقاً، وخير ما يبرمج لذلك الوصية بالثلث.. حيث أن من موجبات الحسرة في البرزخ والقيامة: أن يرى الإنسان ثلث أمواله، الذي هو رأس مال لآخرته؛ بيد أولاده يصرفونه فيما يحل ويحرم.. وللتوصية بالثلث، الأمر لا يحتاج إلى جهد كثير، إذ يكفي أن يقول في جلسة عائلية: ثلث أموالي بعد مماتي في سبيل الله تعالى.. ثلاث كلمات، هذه الكلمات الثلاث تجعل الإنسان من أسعد السعداء يوم القيامة!.. والسبيل يعني كل سبل الخير، فليجعلها مفتوحة، ولا يشترط أموراً تصعب الأمر على الورثة!..

{يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}.. استفهام توبيخي، يوبخ الإنسان بكفران خاص، لا عذر له يعتذر به عنه، وهو كفران نعمة رب كريم.. أي لماذا أنت مغرور، وكفرت بأنعمه؟.. والحال بأنه رب كريم: هو ربك أولاً، وكريم ثانياً.. لذا الحجة أبلغ، والجريمة أعظم!.. وليس للإنسان أن يجيب فيقول: أي رب، غرني كرمك!.. من يضمن أن يكون واعياً يوم القيامة؟.. فقد قضى الله -سبحانه- فيما قضى، وبلغه بلسان أنبيائه: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.. هذه آية نقرأها كثيراً في القرآن، ولكن لا نستوعب معناها: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}؛ ولكن هناك قيد، يجب ألا ننسى هذا القيد وهو: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.. إلى غير ذلك من الآيات الناصة، في أن لا مخلص للمعاندين من العذاب، وأن الكرم لا يشملهم يوم القيامة.. نعم، الرحمة واسعة، ولكن لمن يستحق الرحمة.. فالقضية ليست جزافية!.. فإذن، لا ينبغي الغرور والاطمئنان أبداً!..

{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}.. بيان لربوبيته المتلبسة بالكرم، فإن من تدبيره خلق الإنسان بجمع أجزاء وجوده، ثم تسويته بوضع كل عضو فيما يناسبه من الموضع، على ما تقتضيه الحكمة.. ثم عدله بعدل بعض أعضائه وقواه ببعض، بجعل التوازن والتعادل بينها.. فرب العالمين عندما نحت المضغة، هذه القطعة اللحمية، أخرجها بهذا الشكل المتكامل!..

{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ}.. والمعنى: في أي صورة شاء أن يركبك -ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة- ركبك من: ذكر وأنثى، وأبيض وأسود، وطويل وقصير، ووسيم ودميم، وقوي وضعيف، إلى غير ذلك.. وكذا الأعضاء المشتركة بين أفراد الإنسان المميزة لها من غيرها.. فكل ذلك من عدل بعض الأجزاء ببعض في التركيب، الجميع ينتهي إلى تدبير الرب الكريم لا صنع للإنسان في شيء من ذلك.. {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} لعله في هذه المرحلة يتشكل، والروح تقذف فيه.. هناك أدب لطيف في الشهر الرابع، الإنسان يقف باتجاه القبلة ويقول: اللهم!.. إني سميته محمداً، إن كان بنتاً يغير الاسم.. وبرجاء المطلوبية يقول: يا رب، ركبه في أحسن خلقة، اجعله ولداً سوياً: جميلاً في ظاهره، جميلاً في باطنه، معافىً من كل سوء.. رب العالمين يقرّ عين البعض بولد صالح.. فالولد صدقة جارية، وفي بعض الحالات أفضل من مسجد.. لأن المسجد قد يهدم، بينما من خلال هذا الولد، قد يأتي يوم القيامة ووراءه ملايين البشر، لعل فيهم عشرة أو عشرين أو مائة أو ألف إنسان صالح، أليس هذا صدقة جارية لذاك الذي سماه في الشهر الرابع، ودعا له أن يكون من الصالحين!.. كإبراهيم الخليل (ع)، فإبراهيم هو جد النبي (ص)، وجد الأئمة.. هنيئاً لمن كتب الله -تعالى- له مثل هذا الخلود!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى