زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة الفجر – 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.

{وَالْفَجْرِ}.. الفجر: الصبح.. ولا يبعد أيضاً أن يراد به فجر يوم النحر، وهو عاشر ذي الحجة.. وقيل: فجر المحرم أول السنة.. وقيل: فجر يوم الجمعة.. وقيل: المراد به صلاة الفجر، وقيل: النهار كله.

{وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.. لعل المراد بها الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى عاشرها، وعلى هذا التفسير يبدو أن المنطقة مهمة جداً، وقد فُسر {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} في سورة “البلد” بإبراهيم وولده إسماعيل (ع).. وكذلك فسر {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ}؛ بالكعبة.. وقيل: المراد بالليالي العشر: الليالي العشر من آخر شهر رمضان.. وقيل: الليالي العشر من أوله.. وقيل: الليالي العشر من أول المحرم.

{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}.. يقبل الانطباق على يوم التروية، ويوم عرفة؛ وهو الأنسب على تقدير أن يراد من {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} فجر ذي الحجة، والعشر الأول من لياليها.. وقيل: المراد صلاتا الشفع والوتر في آخر الليل.. وقيل: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}.. سري الليل: مضيه وإدباره، والمراد به مطلق آخر الليل.. حيث أن ساعة السحر، ساعة مباركة!.. فعباد الله الصالحون لهم: قصص، ووقفات، ومناجاة، وحديث مع رب العالمين في أواخر الليل.. إذن، من الممكن أن نربط {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} بـ{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}.. وقيل: المراد به ليلة المزدلفة، وهي ليلة النحر التي يسري فيها الحاج من عرفات إلى المزدلفة، فيجتمع فيها على طاعة الله عز وجل، ثم يغدو منها إلى منى.

{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ}.. أي لذي عقل؛ لأن الذي له عقل، يعلم معنى هذه الأقسام.. والمعنى: أن في ذلك الذي قدمناه قسما كافياً لمن له عقل يفقه به القول، ويميز الحق من الباطل.. فالعاقل عندما يسمع هذه الأقسام، يلتفت إلى أمرين:
أولاً: لماذا رب العالمين يقسم؟.. فإذن، العاقل يتأمل!..
ثانياً: يبحث في المقسم عليه!.. أي يهيئ نفسه لتلقي المعاني السامية بعد ذلك.

إن المقسم عليه في بعض السور يكون صريحاً، مثلاً: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}؛ كل هذه مقدمات لـ{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}.. ولكن في سورة الفجر، ليس هنالك شيء واضح جداً، يقسم عليه القرآن الكريم.. فجواب الأقسام المذكورة محذوف، يدل عليه ما سيذكر من عذاب أهل الطغيان والكفران في الدنيا والآخرة، وثواب النفوس المطمئنة.. وأن إنعامه -تعالى- على من أنعم عليه، وإمساكه عنه فيمن أمسك؛ إنما هو ابتلاء وامتحان.

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}.. هم عاد الأولى، قوم هود.. وأشير إلى أنهم كانوا بالأحقاف.

{إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}.. {إِرَمَ}: قوم عاد، وهو في الأصل اسم أبيهم، فسموا باسم أبيهم.. {ذَاتِ الْعِمَادِ}: العماد؛ جمعه عمد، وهو ما يعتمد عليه الأبنية.. إن البعض يظن أن أصحاب العقول التي اخترعت التكنولوجيا اليوم، هم أرقى البشرية!.. ولكن لا ننسى أن الناس في العصور السابقة، كانوا يعملون ويعقلون، ولهم مؤلفات مهمة.. أمثال: أرسطو، وأفلاطون، وسقراط، وغيرهم من فلاسفة اليونان.. وكان هناك المصريون القدماء الذين بنوا أهرامات مصر، هذه الأبنية التي تعتبر من عجائب الدنيا!.. وكذلك قوم عاد، الذين كان لهم تقدم ورقي في المدنية، والحضارة.. وظاهر الآيتين أن إرم كانت مدينة لهم معمورة عديمة النظير، ذات قصور عالية، وعمد ممددة.

{الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ}.. أي لم يخلق مثلهم في بسطة الجسم، والقوة، والبطش في البلاد، أو في أقطار الأرض.

{وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}.. الجوب: القطع؛ أي قطعوا صخر الجبال، بنحتها بيوتاً.. وقد قاموا بنحت البيوت في الصخر، بلا أدوات كهربائية!..

{وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ}.. هو فرعون موسى، وسمي بذي الأوتاد -على ما في بعض الروايات- لأنه كان إذا أراد أن يعذب رجلاً بسطه على الأرض، ووتد يديه ورجليه بأربعة أوتاد في الأرض.. وربما بسطه على خشب وفعل به ذلك، ويؤيده ما حكاه الله من قوله يهدد السحرة إذ آمنوا بموسى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}.. فإنهم كانوا يوتدون يدي المصلوب ورجليه على خشبة الصليب.. وفي العلل، بإسناده إلى أبان الأحمر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ}.. لأي شيء سمي ذا الأوتاد؟.. فقال: (لأنه كان إذا عذب رجلاً بسطه على الأرض على وجهه، ومد يديه ورجليه، فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض.. وربما بسطه على خشب منبسط، فوتد رجليه ويديه بأربعة أوتاد، ثم تركه على حاله حتى يموت؛ فسماه الله -عز وجل- فرعون ذا الأوتاد).

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.. المرصاد: المكان الذي يراقب منه.. شبه فيها حفظه -تعالى- لأعمال عباده، بمن يقعد على المرصاد، يرقب من يراد مراقبته.. فيأخذه حين يمر به، وهو لا يشعر.. فالله -سبحانه- رقيب، يرقب أعمال عباده، حتى إذا طغوا وأكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب.. فهؤلاء بنوا ما بنوا، وعملوا ما عملوا.. ولكن رب العالمين ينظر إلى سير الحضارات، وسير الظالمين، وفي الفرصة المناسبة، ينتقم أيما انتقام!..

الخلاصة: إن المؤمن لا ييأس، عندما يرى ظلم الظالمين.. عن الصادق (ع): (الله لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه؛ أهون من إزالة ملك لم ينقض أجله).. فالدول، والحضارات، والسلاطين؛ لهم آجال.. بعض الطواغيت حكموا آلاف السنين، ولكن رب العالمين له صبر، وفي ليلة وضحاها، هدم ملكهم!.. لذا لا ينبغي اليأس من رحمة الله -تعالى- أبداً!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى