زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة الزلزلة

إن سورة الزلزلة، من السور المتعلقة بالقيامة.. بعض السور موضوعها أساساً القيامة: كالقارعة، والزلزلة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.

{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا}.. المعنى: إذا زلزلت الأرض زلزلتها الخاصة بها، فتفيد التعظيم والتفخيم؛ أي أنها منتهية في الشدة والهول.

{وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا}.. المراد بأثقالها التي تخرجها: الموتى، أو الكنوز والمعادن التي في بطنها، أو الجميع.. فكل هذه الأثقال، الأرض تخرجها يوم القيامة.

{وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا}.. أي يخرج الإنسان من قبره مدهوشاً متعجباً من تلك الزلزلة الشديدة الهائلة قائلاً: ما للأرض تتزلزل هذا الزلزال؟.. فالقيامة تأتي فجأة، والإنسان الذي في عالم البرزخ يفاجأ، وإذا به يخرج من القبر.. ليس بناء رب العالمين على الإعجاز، فهذه الأكفان تبلى في القبور، إلا ما ندر تبقى الأكفان ساترة لأبدان الموتى؛ وهذه كرامة من الله -عز وجل-، وإلا عامة الموتى تبلى أكفانهم في فترة قصيرة، فيخرجون من القبور كما في المناجاة: (اَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري: عُرْياناً، ذَليلاً، حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري).. لذا ينبغي للمؤمن دائماً أن يتصور هذه المراحل كما في الراويات: (كان رسول الله (ص) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت، فيقول: أكثروا ذكر الموت، فإنّه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات).. الإنسان الذي يكون في حال فرح شديد، ويخاف على نفسه من الغفلة، فليذكر هذه الآيات: {وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}.

{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}.. أي تشهد على أعمال بني آدم، كما تشهد بها أعضاؤهم، وكتاب الأعمال من الملائكة، وشهداء الأعمال من البشر وغيرهم.. ولكن الأرض لا لسان لها، ولا عقل لها، ولا شعور لها؛ فكيف تحدث؟.. هناك ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: وهو الظاهر، أن الأرض تتكلم.. نعم، في القرآن الكريم يقول عن الجلود: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.. الذي أنطق النمل، وأنطق الهدهد لسليمان (ع)؛ ينطق التراب لا مانع من ذلك.

الاحتمال الثاني: أن رب العالمين يخلق الكلام، أي ظاهر الكلام من الأرض، ولكن المتكلم هو رب العالمين، كما أن الله -عز وجل- خاطب موسى (ع) من خلال الشجرة.. الشجرة بحسب الظاهر خرج منها الصوت، ولكن الخالق لهذا الصوت هو رب العالمين.

الاحتمال الثالث: لسان الحال.. مثلاً: الإنسان عندما يمر على البيوت الخربة القديمة، يقول: هذه البيوت تقول: أين الذين سكنوني مثلاً؟.. أين الذين ارتحلوا عني؟.. هذا لسان حال الديار الخالية.

ولكن العلماء يقولون: أن الأقوى هو الأول؛ لأنها في مقام الشهادة.. فكيف يشهد الجلد على صاحبه، والصوت ليس بصوت الجلد، صوت خلقه الله، أو لسان حال الجلد؟.. إذن، هذه ليست بشهادة، شهادة الجلد أن تتكلم عن وعي وعن شعور.

{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}.. الآية صريحة بأن الله -عز وجل- يوحي للأرض أن تتكلم.. فيؤذن لها يوم القيامة بالوحي، أن تحدث أخبارها، وتشهد بما تحملت.

{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}.. يوم القيامة يرى الإنسان جزاء عمله، ولو فتحت عين البصيرة للإنسان في الدنيا، لرأى جزاء عمله أيضاً: فالذين يأكلون أموال اليتامى، إنما يأكلون في بطونهم ناراً، وهو في الدنيا يرى أنه يبتلع النار.. والمغتاب هو آكل للحم الميتة، أيضاً في الدنيا تتجلى له هذه الحقيقة وليس في القيامة.

{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}.. المثقال ما يوزن به الأثقال، والذرة ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، هذه الذرات العالقة تسمى ذرة.. يا لها من شيء بسيط!.. هذا الغبار بدرجة من الخفة، أنه لا يستقر على الأرض، بل يطير في الجو.. بعض الأوقات الإنسان في المسجد، يرى قشة -هذه القشة ليست بأمر قبيح- فيأخذها ويخرجها من المسجد، أتعلم أن هذا له أجر عظيم؟.. وذلك لأنه وقر بيتاً من بيوت الله عز وجل.. وأيضاً من يرى على وجه أخيه المؤمن شعرة شكلها غير لطيف، فينزعها؛ هذا مثقال ذرة!.. وعليه، ينبغي للمؤمن أن يتزود لذلك اليوم، ولا يستهين بقليل العمل.

{وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.. هذه الرواية تدل على أن الإنسان يحاسب على أدق الأعمال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (عذبت امرأة في هرة أوثقتها، فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض).. فإذن، إن القضية موحشة!.. في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله: ({فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} يقول: إن كان من أهل النار قد عمل مثقال ذرة في الدنيا خيراً، كان عليه يوم القيامة حسرة، إن كان عمله لغير الله.. {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} يقول: (إن كان من أهل الجنة رأى ذلك الشر يوم القيامة.. ثم غفر له).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى