زادك في دقائقزادك في دقائق

سورة القارعة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ}.

{الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ}.. إن هذه السورة من السور المتعلقة بيوم القيامة.. بعض الأوقات الإنسان يعيش حالة السهو والغفلة، فإذا قرأ في صلاته سورة “القارعة” بعد الحمد؛ فإنها تقرع رأسه؛ لأن القارعة من القرع، وهو الضرب باعتماد شديد، وهي من أسماء القيامة.. وقرع فلان الطبل؛ أي ضربه بقوة.. فالقيامة كأنها تقرع الإنسان قرعاً، أي تضربه بشدة.. وقيل: سميت بها؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء الله بالعذاب.. ولكن ما هي هذه القارعة؟..

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}.. أي أنت لا تعلم ما هي القارعة؟.. الطفل -بعض الأوقات- يسأل أباه قضية فوق مستواه، يقول له مثلاً: ما معنى القمر الصناعي؟.. فيجيبه الأب: وما أدراك ما القمر الصناعي!.. أي أنت يجب أن تسأل عن لعبة، أما هذا الأمر؛ فإن عقلك لا يستوعبه.. كذلك نحن فإن عقولنا في الدنيا، لا تستوعب حقائق القيامة!..

{يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ}.. {الْفَرَاشِ}: الجراد الذي ينفرش، ويركب بعضه بعضاً.. الوصف غريب!.. فالناس فيهم الملوك، وفيهم الجبابرة، وفيهم الشخصيات المعتبرة؛ كل أولئك يشبههم بالجراد.. والجراد يختلف عن الطير: فالطير عندما يطير يطير في أسراب، وفي جهة محددة، ليبحث عن طعام، وعن شراب، وعن وكر.. أما الجراد؛ فإنه يقفز قفزات عشوائية.. شبه الناس عند البعث بالفراش؛ لأن الفراش إذا ثار لم يتجه إلى جهة واحدة، كسائر الطير.. وكذلك الناس إذا خرجوا من قبورهم، أحاط بهم الفزع.. فتوجهوا جهات شتى، أو توجهوا إلى منازلهم المختلفة: سعادة، وشقاء.. و{الْمَبْثُوثِ}: من البث؛ أي التفريق.

{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}.. {الْعِهْنِ}: الصوف ذو ألوان مختلفة.. و{الْمَنفُوشِ}: من النفش، وهو نشر الصوف بندف ونحوه.. فالعهن المنفوش: الصوف المنتشر، ذو ألوان مختلفة؛ إشارة إلى تلاشي الجبال على اختلاف ألوانها بزلزلة الساعة.. هذه الجبال الشاهقة، تكون كالصوف المتناثر.. هذه لمحة من لمحات ذلك العالم؛ عالم القيامة!..

{فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}.. العمل الصالح له وزن، وله ثقل.. وكأن غير العمل الصالح، لا وزن له.. فالأعمال منها ما هو ثقيل في الميزان، وهو ما له قدر ومنزلة عند الله عز وجل؛ وهو الإيمان وأنواع الطاعات.. ومنها ما ليس كذلك، وهو الكفر وأنواع المعاصي.. فالإنسان من الصباح إلى الليل، يعمل أعمالاً، ليس فيها خاصية، مثلاً: البعض يذهب إلى أعماق البحار، أو إلى الصحراء؛ ليصطاد عصفوراً أو سمكة.. العمل جائز، ولكن ما وزن هذا العمل؟.. هل له ثقل في ميزان الأعمال؟.. أم أنه لا قيمة له؟.. هناك أعمال ليس لها وزن، وخاصة مع تقدم العمر، الإنسان كلما تقدم به العمر؛ أصبح أكثر جدية في الحياة!.. والحركات الشبابية، لا تناسب الإنسان في سن الأربعين.. فالأربعون سن يعتد به، لأن ثلثي العمر قد ذهب، وبقي الثلث الآخر؛ فهل يصرفه في صيد السمك والطيور؟.. هذا العمل لا يناسب المؤمن، وإن كان حلالاً!.. إذا كان عنده أزمة نفسية، وبهذا هو يفرغ أزمته؛ لا بأس!.. أما الإنسان الذي لا يحتاج إلى ذلك، يكفي أن تفوته صلاة جماعة في المسجد، فهذه الصلاة تعادل بحار العالم بما فيها من كنوز!..

{فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}..
التفسير الأول: {فَأُمُّهُ}: الأم هي الجهة التي نلجأ إليها.. يقول: هذا الإنسان أمه نار جهنم؛ أي الجهة التي يلجأ، ويذهب إليها، وتحتضنه.. والمراد بـ{هَاوِيَةٌ}: جهنم، وتسميتها بهاوية، لهوي من ألقي فيها؛ أي سقوطه إلى أسفل سافلين.

التفسير الثاني: {فَأُمُّهُ}: أي أم رأسه؛ والمعنى فأم رأسه هاوية؛ أي ساقطة فيها؛ لأنهم يلقون في النار على أم رأسهم.. بني آدم عندما يلقى في نار جهنم، لا ينزل في مقعد بل يرمى، ولكن كيف يرمى؟.. إذا رمي من رجله، فإن الوهن فيه أقل!.. ولكن يلقى على رأسه، بأم رأسه يهوي إلى نار جهنم.

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}.. في أول السورة يقول: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}؟.. والآن يقول: هذه الهاوية، ما هي مواصفاتها؟.. سورة القارعة، مخيفة ومبكية!.. فالجملة تفيد تعظيم أمر النار وتفخيمه!..

{نَارٌ حَامِيَةٌ}.. أي حارة شديدة الحرارة، عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إن نفس المؤمن إذا قبضت، يلقاها أهل الرحمة من عباد الله، كما يلقون البشير من أهل الدنيا، فيقولون: أنظروا صاحبكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد.. ثم يسألونه: ما فعل فلان، وفلانة؟.. هل تزوجت؟.. فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول: هيهات!.. قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية؛ فبئست الأم!.. وبئست المربية)!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى