زادك في دقائقزادك في دقائق

نصيحة المؤمن

إن هناك باباً في كتاب “الوسائل” للحر العاملي بعنوان: “وجوب نصيحة المؤمن”.. عن النبي (ص): (أعظم الناس منزلةً يوم القيامة، أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه)!.. إنه تعبير مغرٍّ جداً!.. من منا لا يحب أن يكون يوم القيامة من أعظم الناس منزلة؟.. النبي (ص) لم يقل: أن أعظم الناس منزلة؛ العباد الزهاد، أو أصحاب: الصوم، والصلاة، والنوافل.. إنما هو الإنسان الناصح الذي أينما يذهب، يبعث الهدى في قلوب المؤمنين.

شروط النصيحة المؤثرة:

إن هناك شروطاً في الناصح، لابد من مراعاتها.. وهذا الكلام يدخل في علم النفس، والبرمجة اللغوية العصبية، وفن التأثير على الغير.. فالأسلوب القديم الذي يعتمد على إصدار الأوامر: اعمل كذا، ولا تعمل كذا!.. أسلوب الآباء والأجداد، لا ينفع في هذا الزمان.

أولاً: عدم التعالي.. ينبغي أن نُشعر الإنسان الذي ننصحه، أننا في مقام النصيحة، لا في مقام التعالي.. فعادة الناصح الواعظ، مستواه أرقى من المتعظ!.. وهذا إحساس غير طيب!.. إن كان عند الناصح الآن فكرة طيبة، كي ينهى عن المنكر، ولكن لعل فيه منكراً أعظم من هذا المنكر!.. فلماذا يتعالى ويتبختر، وكأنه أصبح خطيباً في المسجد؟..

ثانياً: اختيار الوقت المناسب.. علينا اختيار المؤثرات الجيدة!.. فهذه الأيام بعض الآباء، يذهب مع عائلته لتناول وجبة طعام على البحر، أو في المطاعم.. فيدفع أموالاً طائلة، ولا يستثمر هذه الزيارة.. أي إذا كان عنده بعض الملاحظات على: الأسرة، أو الزوجة، أو الأولاد؛ فهذا أفضل وقت لتقديم الموعظة.. ولكن -مع الأسف- البعض قد يلعب بألعاب القمار المحرمة بعد الانتهاء من الطعام، بدل أن يقدم نصيحة أو موعظة.

ثالثاً: الموعظة بالسر.. البعض قد ينصح نصيحة، ليس من أجل التأثير في الطرف المقابل، بل لتبريد ما في الجوف من غضب.. قال علي (ع): (من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه).. من يريد أن ينصح زوجته، لا ينصحها أمام الأولاد، لأن هذه النصيحة لن تكون مؤثرة!.. فالنصيحة لابد أن تكون في الخلوة؛ لأن من وعظ أخاه وهتكه وأذله بهذه النصيحة؛ فإنه مأزور وليس بمأجور.

رابعاً: عدم المبالغة.. أي أن الإنسان الواعظ، يجب أن يتفاعل مع النصيحة بحجم الموعظة.. فقضية تافهة في المنزل، لا تحتاج إلى مواعظ كثيرة، وإلى جهد جهيد، وإلى غضب كبير.. حيث أن الذي يغضب لكل صغيرة وكبيرة، حتى لو غضب للكبيرة؛ فإن كلامه لا يؤثر.

خامساً: نقل المعلومة.. إن البعض قد يكون لديه معلومات بسيطة، ولكنه يقول: أنا لست بمستوى النصيحة، أنا إنسان جاهل.. هذا الكلام مجوز؛ لئلا يكون خطيب جمعة، أما عندما يجتمع بالعائلة، فليغتنم الفرصة، ولينقل لهم هذه المعلومات البسيطة.. فزكاة العلم إنفاقه، كل بحسبه.

سادساً: ابتكار الأساليب.. بحمد الله هذه الأيام الفضائيات الهادفة كثيرة، والمواقع النافعة متعددة.. والإنسان الذي عنده قدرة على الموعظة، أو إذا كان بإمكانه أن يتحدث بكلام طيب، أو يمكنه أن يكتب كتابة مفيدة؛ فليعمم النفع.. هذا ليس من التواضع!.. فالإنسان الذي له قابلية لأن يظهر في فضائية -مثلاً- ويتواضع، أو يخاف من الرياء؛ فإن العلاج ليس في الفرار من الزحف.. بل عليه أن يطور نفسه، يقول: يا رب، أنا أشارك، ولكن أعذني من الرياء.. إذن ليس الحل في الانسحاب، بل في الاقتحام؛ ولكن بشرطه وشروطه.

سابعاً: دعم النصيحة.. يفضل أن يدعم الناصح نصيحته بآية من القرآن الكريم، أو بحديث من أحاديث أهل البيت (ع)؛ فهذا أوقع في النفوس!.. يجعل كلامه في جملة مختصرة من كلاماتهم الحكمية، وما أكثرها!.. مثلاً: إذا أراد أن ينصح ابنه بعدم العقوق، فعليه بهذه الآية: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}.. يقول النبي (ص): (لو علم الله من العقوق شيئاً أقل من أُف؛ لذكره)؛ فكيف برفع الصوت؟.. وكيف بالتطاول؟.. وكيف بالإهانة؟.. هذا الإنسان يسقط من الثريا إلى الأرض، لأنه يرتكب خلاف ما في هذه الآية الكريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى