Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

إن في كتاب “الوسائل” باباً تحت عنوان: “باب وجوب الحذر من عرض العمل على الله ورسوله والأئمة (عليهم السلام)”.. طبعاً رب العالمين هو الرقيب، والملائكة الكاتبة: ملك اليمين، وملك الشمال؛ يكتبون الأعمال، فالقرآن الكريم يصرّح بذلك: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}؟.. عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: (تعرض الأعمال على رسول الله -صلى الله عليه وآله- أعمال العباد كل صباح، أبرارها وفجارها؛ فاحذروها!.. وهو قول الله عزّ وجلّ: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ})، وسكت.. لماذا سكت الإمام (ع)؟.. لعله من باب إحالة القارئ للقرآن؛ كي يقرأ ويتدبر في باقي الآية.

أولاً: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.. عادة السياق يحكم على معنى المفردات، عندما نقول: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، يفترض أن يكون أولو الأمر هنا متناسباً مع الله ورسوله.. وكذلك المؤمن في الآية الأولى، لابد أن يكون مؤمناً متميزاً!.. قال رسول الله (ص): (إن الله جعل علياً وزوجته وأبناءه حجج الله على خلقه، وهم أبواب العلم في أمتي، من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم).. عن الإمام العسكري (ع): (نحن حجج الله على خلقه، وجدتنا فاطمة حجة الله علينا).. وليس هؤلاء إلا حجج الله -عز وجل- على الخلق: فالنبي (ص) حجة الله -عز وجل- على العباد، بثوب الرسالة.. والإمام في كل زمان، حجة الله -عز وجل- على العباد، بثوب الوصاية.. وفي زماننا هذا، صاحب الأمر والزمان أيضاً هو الحجة على العباد، والحبل المتصل بين الأرض والسماء.

ثانياً: إن النبي (ص) حقيقة موجودة، ووفاة النبي (ص) هي عبارة عن انتقال روح النبي (ص) من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ؛ أي ليس هناك شيء عُدم.. البدن دفن في التراب، وإلا روح النبي (ص) على خصوصيتها.. لذا عندما يوفق الإنسان لزيارة النبي المصطفى (ص)، فمع الزيارة والسلام، ليعتذر من رسول الله (ص)، لما سبب له من أذية.. عن سماعة، عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: (ما لكم تسوءون رسول الله -صلى الله عليه وآله-)؟.. فقال له رجل: كيف نسوءه؟.. فقال: (أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية؛ ساءه ذلك.. فلا تسوءوا رسول الله -صلى الله عليه وآله- وسروه).

ثالثاً: إن الذي يرتكب المعصية في كل زمان: بعد النبي الأكرم (ص)، وفي زمن النبي (ص)؛ رب العالمين طرف في الحساب؛ لأنه: تجاوز حد الله -عز وجل- أولاً، وآذى رسول الله (ص) بفعله ثانياً، وآذى إمام زمانه ثالثاً.. ففي روايات أهل البيت (ع) إشارة إلى أن الإمام في كل زمان، يتأذى أيضاً وهو يراقب أعمال الأمة.. عن عبد الله بن أبان الزيات -وكان مكينا عند الرضا (ع)- قال: قلت للرضا -عليه السلام-: ادع الله لي ولأهل بيتي!.. فقال: (أوَ لست أفعل؟.. والله إن أعمالكم لتعرض عليّ في كل يوم وليلة).. قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: (أما تقرأ كتاب الله عز وجل: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}؟.. قال: هو والله علي بن أبي طالب عليه السلام).

فإذن هذه حقيقة ينبغي أن نلتفت إليها: أن المعصية لها أطراف، وهي: رب العالمين، والنبي، والوصي، وكذلك النفس.. فظلم الإنسان لنفسه من أقبح أنواع الظلم!.. والمعصية من مصاديق هذا الظلم.

رابعاً: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم.. فأما حياتي: فإن الله هداكم بي من الضلالة، وأنقذكم من شفا حفرة من النار.. وأما مماتي: فإن أعمالكم تعرض علي، فما كان من حسن استزدت الله لكم، وما كان من قبيح استغفرت الله لكم).. فقال له رجل من المنافقين: وكيف ذاك يا رسول الله وقد رممت؟.. يعنى صرت رميما، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وآله-: (كلا إن الله حرم لحومنا على الأرض، فلا تطعم منها شيئا).

(حياتي خير لكم)!.. أي وهو حيٌّ؛ لأن الناس تراجع النبي (ص)، ويستفتونه ويسألونه في أمورهم.. والنبي (ص) يخطب فيهم، ويعلمهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.. هنيئاً لمن كان في زمان النبي (ص) مستفيداً منه!.. بعض الناس كانوا مع النبي (ص) وما استفادوا تلك الاستفادة المطلوبة.

(ومماتي خير لكم)!.. أي مفارقته؛ لأن الأعمال تعرض عليه كل يوم: فما كان من حسنة، يطلب من الله -عز وجل- المزيد من الخير لهذا الإنسان.. لذا عندما يوفق الإنسان للخيرات، يجب أن يشكر الله -عز وجل- على التوفيق، ويشكر الرسول (ص) لأنه دعا له.

خامساً: هذا بالنسبة إلى من عمل في بلاد بعيدة، فكيف بمن زار النبي (ص) وقطع آلاف الكيلومترات، وتشرف بزيارته.. وقال: السلام عليك يا رسول!.. وطلب منه أن يستغفر له؟.. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}؛ هذه آية في القرآن الكريم، تؤكد على أن رب العالمين جعل توبته منوطة باستغفار النبي الأعظم (ص).. وآيات القرآن تجري مجرى الليل والنهار، فهذه الآية ليست مخصوصة بزمان النبي (ص)، بل كل من توفق لزيارته (ص) في الروضة الشريفة، تنطبق عليه هذه الآية الكريمة.

سادساً: يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.. النبي الأكرم (ص) دعا لقومه المشركين، فكيف لأمته العاصين؟.. النبي (ص) يقول: (وما كان من قبيح استغفرت الله لكم).. انظروا إلى رأفة النبي المصطفى (ص)!.. العلماء الأبرار يجعلون الصلاة على النبي وآله، كأنها دواء لكل داء: فمن يريد العلم؛ فليصلّ على النبي وآله.. ومن يريد المال؛ فليصلّ على النبي وآله.. ومن يريد المغفرة؛ فليصلّّ على النبي وآله.. ولكن لماذا عندما يكثر الإنسان من الصلاة على النبي وآله؛ يوفق لترك المعاصي؟.. ذلك لأن الصلاة على النبي وآله، فعل طاعة تعرض على النبي (ص).. فلو أن الإنسان يلتزم أن يصلي في كل يوم على النبي وآله مائة مرة بتوجه؛ فإن النبي (ص) يلتفت إليه، ويدعو له بالقبول.. وبلا شك أن الذي يلتفت إليه رسول الله (ص)، ويلتفت إليه إمام زمانه (ع)؛ فهذا الإنسان بألف خير.. وإن كان متورطاً ببعض الهفوات؛ فإنه يوفق لتركها بتوفيق من الله عز وجل.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.