زادك في دقائقزادك في دقائق

البلاء رفع درجات

إن البلاءات في هذه الحياة الدنيا على قسمين:
القسم الأول: بلاء تفضلي.. رب العالمين يرفع بهذا البلاء درجة العبد، ومثاله بلاء الأنبياء والأوصياء والصالحين: ورد في الحديث عن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله- أنه قال: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت).. وأئمة أهل البيت (ع) ما من إمام إلا وكان مبتلى بطاغوت من طواغيت عصره.. فإذن، هذا البلاء رفع لدرجات العبد.

القسم الثاني: بلاء رفع الأوزار.. هذا البلاء الذي هو كفارة للسيئات، وهناك الكثير من مصاديق هذا البلاء في حياتنا.. ولكن هناك مجموعة روايات في هذا المجال، ينبغي أن نستوعبها جيداً، فهي عبارة عن قوانين ومعادلات:

المعادلة الأولى: مثلاً: لو أن أحدهم رأى كريماً، فأعطاه قلماً فاخراً هدية، ووضعه في جيبه.. وبعد يوم أو يومين رآه، فنزع منه القلم وجعله في جيبه!.. فإذا لم يكن هناك حكمة من وراء هذا التصرف، فمن المؤكد أن هناك بخلاً، بل أكثر من البخل!.. إنسان يعطي إنساناً هدية ثم يسترجعها، فأقل ما يقال عنه: أنه لئيم!.. كذلك الإنسان المنعم عليه: بالعافية، والتوفيق، وسلامة القلب، والكثير من النعم، ثم تسلب فجأة.. وبما أن الله -عز وجل- أكرم الأكرمين؛ فلا أن يكون هناك تفسير لهذا السلب!..

قال الإمام الباقر (ع): (إن الله قضى قضاء حتما: ألا ينعم على العبد بنعمة، فيسلبها إياه؛ حتى يحدث العبد ذنبا، يستحق بذلك النقمة).. رب العالمين كريم، عندما أعطاه هذه المزية ثم سلبها منه، فلينظر من أين أُكل؟.. وما هو الذنب الذي جعله مسلوب النعمة؟..

وهناك عبارة أخرى عن الصادق (ع) بنفس المضمون: (ما أنعم الله على عبد نعمة، فسلبها إياه، حتى يذنب ذنبا يستحق بذلك السلب).. والإمام زين العابدين (ع) في مناجاته، في دعاء أبي حمزة، يذكر عينات من السلب: (أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء؛ فخذلتني.. أو لعلّك رأيتني في الغافلين؛ فمن رحمتك آيستني.. أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطّالين؛ فبيني وبينهم خلّيتني).. الإمام (ع) ذكر بعض الأسباب السالبة للنعم؛ لأنه في مقام المناجاة، وليس في مقام ذكر كل الأسباب.

المعادلة الثانية: إن الحياة قبل خمسين سنة، كانت قاسية في مظهرها المادي، ولكن كان هناك جو من الألفة والتآلف.. والأمراض الجديدة كالإيدز وغيره، لم تكن موجودة سابقاً.. والرواية التالية تبين السبب في ذلك، يقول الرضا (ع): (كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون).. فهذه الأيام هناك ذنوب مبتكرة: كالمعاصي التي ترتكب من خلال النت، والتلفاز، وغيرها.. وبما أن هناك معاصي مستحدثة؛ فإن الجزاء أيضاً مستحدث: بلاءات وأمراض جديدة، وأمراض نفسية لم تكن موجودة.

فإذن، إن الإنسان المؤمن بمجرد أن تسلب منه النعمة، بدل أن يقرأ الفنجان والأبراج والكف، ويسب الزمان؛ فلينظر إلى نفسه ما الذي فعله؟.. ومن أسوأ صور المعاصي: أن يعصي الإنسان ربه وهو مرتاح.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أذنب ذنبا وهو ضاحك؛ دخل النار وهو باك).. مثلاً: ينظر إلى فيلم حرام وهو يضحك، أو يقامر وهو يضحك؛ هذا الإنسان في منتهى السوء؛ لأنه يعصي ولا يعيش حالة الخجل من الله عز وجل.. لذا فإنه يدخل النار مقابل ذنبه، وباكياً مقابل ضحكه في الحياة الدنيا، وهو يرتكب المعاصي.

الدرس العملي: يجب أن لا ننسى الاستغفار من غير ذنب.. البعض منا إذا أذنب يستغفر، وقد يبكي بكاء مريراً.. ولكن هناك معاصي لا يلتفت إليها الإنسان، معاصي صغيرة تتراكم؛ فتسلبه النعم.. لذا احتياطاً فليلتزم بالاستغفار في اليوم مرتين: مرة في النهار بعد صلاة العصر، ومرة في الليل في نافلة الليل.. موقف في الليل، وموقف في النهار، حتى لو كان هناك هفوات، هو لا يعرفها؛ رب العالمين بهذا الاستغفار يغفر الذنب.. عن المفضل، قال: قال أبو عبد الله (ع): (يا فضل، إياك والذنوب!.. وحذرها شيعتنا، فوالله ما هي إلى أحد أسرع منها إليكم: إنّ أحدكم لتصيبه المعرّة من السلطان؛ وما ذاك إلا بذنوبه.. وإنه ليحبس عليه الرزق؛ وما هو إلا بذنوبه.. وإنه ليشدد عليه عند الموت؛ وما هو إلا بذنوبه).. فلما رأى ما قد دخلني قال: (أتدري لم ذاك يا مفضل)؟.. قال: قلت: لا أدري جعلت فداك!.. قال: (ذاك والله إنكم لا تؤاخذون بها في الآخرة، وعجلت لكم في الدنيا).. فإذن، إن رب العالمين يسلط الظالمين على الإنسان عندما يذنب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى