زادك في دقائقزادك في دقائق

القلوب أوعية

إن هذه الرواية من الروايات البديعة عنوانها: وصايا أمير المؤمنين (ع) لكميل بن زياد، الذي كان من خواص الإمام (ع).. يقول كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن طالب (ع)، وأخرجني إلى الجبان.. فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال: (يا كميل!.. إنّ هذه القلوب أوعية، وخيرها أوعاها!.. فاحفظ عنـّي ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم ربـّاني، ومتعلـّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع: أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق).

أولاً: قال كميل: (أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن طالب (ع))؛ أي لولا أن الإمام بادر، لما وصل هذا الحديث إلينا.. فالإنسان المؤمن عليه أن يبادر هو لاغتنام الفرص، لا ينتظر أن يأتيه الآخرون.. فرق بين عالم بابه مفتوح للناس، وبين عالم هو يبحث عن الناس.. هناك تعبير رائع في وصف أمير المؤمنين (ع) للمصطفى (ص)، حيث يقول: (طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه.. يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم.. متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة…).

ثانياً: قال كميل: (وأخرجني إلى الجبان)؛ لم يأخذه إلى مائدة من الموائد ليعظه، أو إلى بستان فيه أزهار وورود؛ بل أخذه إلى المقبرة.. وهنا درس عملي، لمن يخاف من انحراف ولده، فليأخذه إلى المقبرة، ويقول له: انظر إلى هذه القبور، فالبعض منهم مات وهو في ريعان شبابه، لذا اعتبر بما آل إليه أمرهم!.. فالمكان مؤثر في زرع الحكمة في القلب.

(فلما أصحر تنفس الصعداء).. أخّر أمير المؤمنين (ع) النصيحة إلى أن خرج من المقبرة؛ وذهب إلى الصحراء، ربما لأن القبور تشغل الإنسان.. فهيأه نفسياً، وعندما وصل إلى الصحراء، تنفس الصعداء وكأنه متألم.. فالإنسان عندما يرى إمام زمانه وهو بهذه الحالة؛ يرق قلبه.. فإذن، إن أحدنا إذا أراد أن ينصح ابنه، عليه أن يقوم بهذه الحركة التي توجب الرقة.

(يا كميل!.. إنّ هذه القلوب أوعية).. لماذا قال: القلوب أوعية، رغم أن الأذن هي التي تسمع الحكمة؟.. من الواضح أن الأذن هي وسيلة خير، ولكن المهم هو أن تصل الرسالة إلى القلب.

(وخيرها أوعاها).. متى يكون القلب وعاءً مناسباً؟.. يكون وعاءً مناسباً عندما يستوعب النصيحة بكل حدودها.. البعض يأخذ جزءاً من الحكمة فقط، مثلاً: يذهب إلى عالم، فيسمع بركات الاعتزال، فيتأسى بأهل الكهف، ويترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتحول إلى إنسان: كئيب، معقد، -عكس الحديث الشريف- لا يألف ولا يؤلف (المؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس).. ولا يسمع الروايات الأخرى، التي تتحدث عن أن المؤمن وجود اجتماعي، له تأثيره في الناس.. (كن نفاعاً ولا تكن ضراراً، كن بشاشاً ولا تكن غضبان).. (المؤمن هو الكيس الفطن، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه.. أوسع شيء صدراً).. فإذن، إن القلب الكبير يستوعب كل المعاني ويخلطها، ويعمل منها معجوناً صالحاً لكل أمراضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى