زادك في دقائقزادك في دقائق

موقف أصحاب الحسين عليه السلام

إن من الذين بينوا وقائع عاشوراء، وما جرى على سيد الشهداء في ذلك اليوم العصيب؛ ولده علي بن الحسين، زين العابدين (ع).. هذه الرواية عن الإمام السجاد (ع): (لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسين (ع) رفع يديه وقال: “اللهم!.. أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقةٌ وعدة.. كم مِنْ هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو.. أنزلته بك وشكوته اليك؛ رغبةً منيّ إليك عمّن سواك، ففرجته عني وكشفته.. فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة”).

انظروا إلى امتزاج الدعاء، في لحم ودم ذرية الرسول (ص)!.. الإمام في كل موقف من مواقف عاشوراء، كان له مناجاة مع ربه، وختام هذه المناجاة عندما كان في مقتله، وهو يجود بنفسه قائلا: (إلهي!.. رضا بقضائك، وتسليما لأمرك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين)!.. وافتتح نهاره كما نفهم من رواية الإمام السجاد (ع)، بمناجاة ربه أيضا قائلا: (اللهم!.. أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقةٌ وعدة…الخ).

إن المضامين التوحيدية، تطفح بها هذه الكلمات الطاهرة من سيد الشهداء (ع)، هاجسهم الأول والأخير هو التوحيد.. الذي كان يدعو في يوم عرفة، وعيناه تجري كأفواه القرب، هو أيضا الذي كان في يوم عاشوراء يناجي ربه.. والمضامين متقاربة ومتشابهة.. وجو الدعاء الذي افتتح به يوم عاشوراء، كأجواء دعاء يوم عرفة.. شاء الله -عز وجل- أن يرى الحسين قتيلا وشهيدا، ومن هنا كلما اشتدد عليه البلاء أشرق لونه؛ ليس من أجل الجزاء فقط، وأنه سيلتقي بجده وأمه وأبيه وأخيه.. وإنما لأنه كان يرى أيضا أنه في مقام امتثال الأمر الإلهي.. كان يتلذذ بما يجري عليه في يوم عاشوراء؛ لأن كل ذلك كان في عين الله عز وجل، عندما ذبح ابن الرضيع بين يديه قال: (هوّن ما نزل بي أنه بعين الله).. وهو صاحب البكاء في يوم عاشوراء على أعدائه، سيد الشهداء له ثلاثة أنواع من البكاء:

أولاً: بكاء مع ربه..
ثانياً: وبكاء حول أهل بيته، كبكائه على جسد ولده علي الأكبر..
ثالثاً: وبكاء على القوم الذين غرتهم الدنيا، وباعوا آخرتهم بالثمن الأوكس.

إن الغريب هو مسألة الختم على القلوب!.. الإمام سيد شباب أهل الجنة، وريحانة المصطفى، الذي طالما قبّل النبي (ص) ثغره، وتربى شاباً على يد أمير المؤمنين (ع).. وهذه حالته في هذا السن، حيث شيبته خضبت بدم رأسه، وهو يتكلم بهذه الكلمات النورانية.. وإذا بشمر بن ذي الجوشن، هذا الذي ختم على قلبه، تنزّل إلى مرتبة دون البهائم بل أضلّ.. انظروا إلى قوسي الصعود والنزول!.. الحسين يسير في أي واد من وديان القرب إلى الله -عز وجل- والفناء، وهذا إلى أين يسير!..

ولما أضرم الحسين (ع) القصب في الخندق الذي عمله خلف البيوت، مرّ الشمر، فنادى: يا حسين، تعجلت بالنار قبل يوم القيامة.. بدل أن يستسلم إلى منطق الحسين، ويدخل في زمرة أصحابه: كالحر، وإذا به يتكلم بهذا الكلام، الذي لا يتحمل في حق ابن رسول الله.. فقال (ع): (يا بن راعية المعزى، أنت أولى بها مني صلياً).. ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فمنعه (ع) وقال: (أكره أن أبدأهم بقتال)!.. فسيد الشهداء وهو ابن النبي الذي بعث رحمة للعالمين، تتجلى المرحمة المحمدية على لسانه.

وهكذا جسد أعظم المبادئ: تارة في توحيد الله عز وجل، وتارة في مناجاة رب العزة والجلال، وتارة في إبداء الشفقة على هؤلاء القوم.. النبي (ص) أبرز شفقته على عتاة قريش، عندما طلب من ربه أن لا يعاجلهم بالعقوبة: (ربِّ!.. اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون).. والحسين أيضا أشفق هذه الشفقة المحمدية!.. لئن كانت هذه شفقته مع أعدائه الذين قاتلوه وقتلوه؛ فكيف بالمحبين الذين يحيون ذكراه في شرق الأرض وغربها؟!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى