زادك في دقائقزادك في دقائق

آداب التوبة

البعض يتمنى لو عاش في عصر أمير المؤمنين (ع)، والحال بأن من يطلع على خطبه، كأنه عاش معه، وكأنه تحت منبره.. يقول (ع) في قصار كلماته في آخر النهج: (ما أهمّني ذنب، أمهلت بعده؛ حتى أصلي ركعتين).

انظروا إلى دعاء كميل، كم يضج فيه إلى الله عز وجل: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ)!.. وفي دعاء الصباح يقول: (فَواهاً لَها لِما سَوَّلَتْ لَها ظُنُونُها وَمُناها، وَتَبّاً لَها لِجُرْاَتِها عَلى سَيِّدِها وَمَوْلاها… اِلهي!.. قَلْبي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلي مَغْلُوبٌ، وَهَوائي غالِبٌ، وَطاعَتي قَليلٌ، وَمَعْصِيَتي كَثيرٌ، وَلِساني مُقِرٌّ بِالذُّنُوبِ…).. وكذلك الصحيفة السجادية، ودعاء عرفة.. أهل البيت (ع) كلهم ضجة واحدة في التوبة إلى الله عز وجل.. ولكن كيف نجمع بين هذه العبارات، التي تنم عن التوبة والإنابة، وبين اعتقادنا بعصمتهم؟..

هناك عدة توجيهات:

أولاً: لغة التمثيل.. التكلم بلسان حال الأمة، الإمام عندما يناجي ربه، يتكلم بلسان الأمة، عندما يقول: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ)؛ الإمام (ع) يتكلم بما أنه يمثل الأمة في الخطاب.

ثانياً: التعليم.. الإمام (ع) يعلمنا أن نتكلم مع الله عز وجل، في هذه الصيغة من الدعاء.

ثالثاً: تبدل الحالات.. عندما نقول: المعصوم؛ أي من آدم (ع)، إلى الإمام الحجة (عج)؛ هؤلاء لهم حالات مختلفة.. أي حالة أعلى، ثم يتنزل إلى حالة عالية.. حالاتهم من فوق إلى ما هو أرقى.. النبي (ص) في المعراج كيف كان حاله: {وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}؟!.. هناك أسرار بين النبي وربه، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}؛ مجمل ما أوحاه، هذا سر لا ينكشف إلى الأبد.. وكيف كان حاله في معركة بدر، وهو يقاتل مع أبي جهل وأبي لهب؟.. من الطبيعي أن الحالات مختلفة!.. {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}، النبي (ص) من مكة -حيث كان يواجه عتاة قريش- ذهب إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السموات.

فإذن، إن الاستغفار من المعصوم، هو لتبدل الحالات عنده.. هو ما عصى ربه، ولكنه حالات مختلفة، يقول: يا رب، هذا التنزل من الأعلى للعالي، يستوجب شيئا من الاستغفار.

(ما أهمني ذنب، أمهلت بعده؛ حتى أصلي ركعتين).. تارة يأتي ملك الموت، ويقبض الروح بعد المعصية.. وتارة هناك مهلة، على الإنسان أن يغتنم الفرصة، ويصلي ركعتين؛ توبة بين يدي الله عز وجل.

وهنا بشرى للعاصين: الإنسان عندما يعصي، ثم يندم، ويتوب، ويستغفر، ويصلي.. فإنه يحقق في صلاته درجة من القرب، لم يكن ليحققها في طاعته.. أي لو أنه لم يعص الله عز وجل، لكان يدعو دعاءً عادياً.. أما عندما يكون عاصياً؛ فإنه يدعو ودموعه على خديه: خجل وجل، يطأطئ رأسه إلى الأرض، لا يدري ماذا يصنع، تضيق به الأرض على سعتها.. رب العالمين عندما ينظر إلى التائب على هذه الحالة، يعطيه منحة لا تُعطى للطائعين.. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}؛ يحب التائب، ليس فقط يغفر له.. يحبه، ولكن بشرط واحد: أن لا يعود إلى المعصية مرة أخرى.

الخلاصة: أن الإنسان كلما أذنب ذنباً؛ عليه أن يبادر مباشرة لصلاة ركعتين.. وما المانع أن يصلي في موطن المعصية، يا له من موقف جميل، أن يتحول المكان من مكان للمعصية إلى مكان للطاعة مباشرة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى