زادك في دقائقزادك في دقائق

الإنسان الكامل

لازلنا على مائدة علي (ع)، ذلك الإمام الذي جهل قدره في حياته، وكذلك بعد استشهاده.. من منا أعطى عليا حقه؛ سواء في معرفة منزلته، أو في إتباعه حق الإتباع؟.. ومن موارد ظلامته أن الذي يدّعي الانتساب إليه ويواليه؛ لا يطلع على تراثه المدون.. إن قلنا أن هذا الكتاب من الكتب الخالدة، لما كان الأمر خارج دائرة الصدق والحقيقة.. فرسالته وعهده في السياسة، هذا العهد الذي أرسله علي (ع) لإدارة المجتمع البشري، هذه الأيام اعتمدت هذه الوثيقة كوثيقة عالمية في الأمم المتحدة.. رغم أن هذه الكلمات لعلي (ع)، ولكن لا بعنوان: “إمام المسلمين”، بل بعنوان: شخصية فكرية، قدمت أطروحة لإدارة المدن، وتنظيم العلاقة مع العباد.. نعم، حتى غير المسلمين اعترفوا له بذلك.

من كلمات علي (ع) في نهج البلاغة:

(كان لي فيما مضى أخ في الله: كان يعظّمه في عيني؛ صغر الدنيا في عينه.. وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد.. وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال بذ القائلين، ونقع غليل السائلين.. وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإن جاء الجد فهو ليث عاد، وصل واد، لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضياً.. وكان لا يلوم أحدا على ما لا يجد العذر في مثله، حتى يسمع اعتذاره.. وكان لا يشكو وجعاً، إلا عند برئه.. وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما يفعل.. وكان إن غلب على الكلام، لم يغلب على السكوت.. وكان على أن يسمع، أحرص منه على أن يتكلم.. وكان إذا بدهه أمران: نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه.. فعليكم بهذه الخلائق فالزموها، وتنافسوا فيها).

(كان لي فيما مضى أخ في الله).. قد يراد به النبي (ص)، ولكن من سياق الكلام يبدو أن القضية قضية ما سوى النبي (ص).. هناك من أصحاب علي (ع) من بلغ هذه الرتبة، ولو كان المراد هو النبي (ص) لذكره علي (ع).. فذكر النبي ذكر مبارك، لماذا الإخفاء والإبهام (كان لي فيما مضى أخ في الله)؟.. يبدو أنه كان من عامة الناس، البعض قد يطبق ذلك على ابنه الحسن (ع)، ولكن ذلك لا ينسجم مع كلمة: (كان لي فيما مضى).. الواضح من هذه العبارات، أنه من أصحابه.. وهذا الصاحب إما أنه مات، أو بعيد عنه.

(كان يعظّمه في عيني؛ صغر الدنيا في عينه).. علي (ع) وهو صاحب الملكات العظمى، كيف يعظم هذا في عينه؟.. كلامه جامع ومانع، يقول: صغر الدنيا في عين ذلك الأخ؛ جعله عظيما في عين الإمام (ع).

(وكان خارجاً من سلطان بطنه).. بعض الناس أسير بطنه، يذهب إلى مكان بعيد ليأكل طعاما شهيا، فيصطحب زوجته وأولاده.. وقد يكون في ذلك المكان مناظر محرمة، وأصوات محرمة.. فيرجع بوزر السمع والنظر وغير ذلك.. هذا الإنسان أسير بطنه، وما أكثر الأسراء هذه الأيام!.. بل ما أكثر الذين يأسرون البطون!.. هذه المطاعم التي تقدم الطعام الحرام، يلقون القبض على هؤلاء الأسراء المساكين!..

(فلا يشتهي ما لا يجد).. يجعل من مصاديق السلطنة على البطن في مقابل الأسر، أنه لا يشتهي ما لا يجد.. ما دام لم يجد طعاما شهيا، لماذا يتمنى المعدوم؟.. بل من آداب المائدة: أن المؤمن إذا جلس على مائدة، وهناك طبق شهي، ولكنه بعيد عنه، لا يمد يده إليه؛ لأن هذا نوع من أنواع الأسر للطعام وللشهوات.. قال النبي (ص): (إذا وضعت المائدة، فليأكل أحدكم مما يليه).

(وكان أكثر دهره صامتاً).. لا يتكلم كثيرا، بعض الناس صمته: إما للمرض، وإما للخواء الباطني.. ولكنّ هناك قسما ثالثا: وهو صمت انشغالي.. هذا الإنسان مشغول بحديث باطني مع الله عز وجل، فلماذا يتنزل ليتكلم مع زيد وعمرو؟.. نعم يتكلم بأمر الله: نهيا عن منكر، أو أمرا بمعروف، أو إرشادا، أو موعظة، أو نصيحة.

(فإن قال بذ القائلين).. يتفوق على الأقران في كلامه، الذين هم في المجلس يسكتون أمامه، كأن على رؤوسهم الطير؛ لما يرون من الحكمة البالغة، الجارية على لسان هذا العبد الساكت.

(ونقع غليل السائلين).. في كلماته الحكمية، يروي عطش الموجودين في مجلسه.

(وكان ضعيفاً مستضعفاً)، الناس يرونه ضعيفا، وإلا فهو ليس بضعيف.

(فإن جاء الجد فهو: ليث عاد، وصل واد).. هذا الإنسان عندما يثأر لله عز وجل، لا يقف أمامه شيء.. إذن هذا حال من كان متصلا بحبل الله عز وجل.

(وكان لا يلوم أحدا على ما لا يجد العذر في مثله، حتى يسمع اعتذاره).. بعض الناس يصب اللائمة والشكوى والعتاب على الغائب.. والحال أن الغائب له عذره، مادام هذا الشخص لم يحضر، ولم يواجه، ولم يدافع عن نفسه.. لماذا يشغل نفسه في صب اللوم عليه؟..

(وكان لا يشكو وجعاً، إلا عند برئه).. إن كان ولابد من ذكر المرض، يذكره بعد الشفاء منه.. يقول: أنا قبل سنة، أو قبل شهر، أو قبل أسبوع؛ أصابني كذا؛ والآن -بحمد الله- في عافية.

إن الشكوى على قسمن: عن الإمام علي (ع): (مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ؛ فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللهِ.. وَمَنْ شَكَاهَا إلَى كَافِرٍ؛ فَكَأَنَّمَا شَكَا اللهَ).. كأنما عاتب ربه، عندما يذهب إلى إنسان ليس بأهل أن يشتكى عنده.. ومن شكا للمؤمن فكأنما شكا لله عز وجل، يشكو للمؤمن ليدعو له، وليستفيد من فراسته: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)!..

(وكان على أن يسمع، أحرص منه على أن يتكلم).. بعض الناس عندما يأتي إلى مجلس، كل همه أن يتكلم.. إن الخالق -سبحانه وتعالى- قد خلق للإنسان أذنين ولسانا واحدا!.. أليس في عالم الخلقة دلالة وإشارة على أن يكون الإنسان مستمعاً، أكثر من أن يكون متكلماً؟!..

(وكان إذا بدهه أمران: نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه).. عندما يقف أمام طريقين، ينظر ما يخالف الهوى فيتبعه.

(فعليكم بهذه الخلائق فالزموها، وتنافسوا فيها)!.. هذه مواصفات قياسية، إن لم يمكنك الأخذ ببعضها خذ ما أمكنك، ولا تقل: (أنا الغريق فما خوفي من البلل)!.. لأن (الميسورُ لا يَسْقُطُ بالمَعْسورِ).. المأمور الذي إذا لم يتمكن المكلف من فعله كله، فعل ما يستطيعه منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى