زادك في دقائقزادك في دقائق

لزوم محاسبة النفس

إن هناك بابا في كتاب الوسائل بعنوان “محاسبة النفس” والروايات فيها كثيرة جدا، والتعابير أيضا قوية.. منها: عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم: فإن عمل حسناً استزاد الله منها، وإن عمل سيئاً استغفر الله وتاب منها)؛ أي ليس من زمرتنا، وليس هذا الذي يدعي الانتساب إلينا.. إنّ ادعاء الانتساب إلى جهة شيء، وأن تقبله تلك الجهة شيء آخر.. عادة في البيع والشراء هناك إيجاب وقبول، وفي الزواج هناك إيجاب وقبول.. ونحن أيضا في علاقتنا بأهل البيت (ع) لابد من إيجاب وقبول، إذ لابد من قبولهم لنا.

كيف نحاسب أنفسنا؟..

أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ذر فقال: (يا أبا ذر!.. حاسب نفسك قبل أن تحاسب، فإنه أهون لحسابك غداً، وزن نفسك قبل أن تُوزن، وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على الله خافية).. وقال (صلى الله عليه وآله): (يا أبا ذر!.. لا يكون الرجل من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام.. يا أبا ذر!.. من لم يُبال من أين اكتسب المال؛ لم يبال الله من أين أدخله النار).. الحساب في الدنيا قابل للتدارك!.. فالإنسان من الممكن أن يوفر على نفسه عقبات طويلة جدا في المحشر باتصال هاتفي، مثلا: إنسان ظلم مؤمنا في الحياة الدنيا، من السهل أن يعتذر ممن أساء إليه.. هناك أناس لهم نفس سمحة في الدنيا، بإمكان الإنسان أن يرضيهم بكلمة واحدة.

أحدهم يقول: بعد سنواتٍ طويلة من الاستئجار، جمعت مبلغا من المال لأشتري به بيتاً، وضعت هذا المال في مكانٍ ما في المنزل، يقول: جاءنا ضيف محترم، وإذا بهذا الضيف يعرف أن هناك مالا، فأخذ المال كله وذهب.. يقول: اتفقنا على ألا نكشف سره لأحد، والسبب أن هذا إنسان من عائلة وجيهة، فلو ذهب ماء وجهه لذهب ماء وجه العائلة.. ومرت الأيام، يقول: كنت في حرم الرضا -عليه السلام- وإذا بهذا السارق أمام عيني، وكأنه كان يريد أن يذهب إلى الحج، قال: يا فلان!.. أتبرئني الذمة وأشار إلى الحادثة، قلت له: اذهب، لا أريد أن أراك، لماذا؟.. يقول: لا أريد أن أراك وفي وجهك ذل الاعتذار، سامحتك، وأنا لا أتحمل أن أراك بهذا الشكل، وأنت خجل مني.. عبد من عباد الله، لا يتحمل خجل سارق سرق كل ما عنده، فكيف برأفته جل جلاله وعم نواله؟!.. فإذن، لو بقي الأمر إلى عرصات القيامة، كم كان سيأخذ من حسنات هذا السارق؟!.. ولكن بموقف بسيط أبراه الذمة وانتهى الأمر!..

ثم قال (صلى الله عليه وآله): (يا أبا ذر!.. لا يكون الرجل من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام.. يا أبا ذر!.. من لم يُبال من أين اكتسب المال؛ لم يبال الله من أين أدخله النار).. هذه الأيام المطاعم التي تبيع السحت ولحم الخنزير، والسوائل التي تحتوي على بعض المواد الكحولية كثيرة جدا وفي سوق المسلمين، فالمؤمن دقيق جدا في كل تصرفاته، ويعلم ماذا يأكل وماذا يشرب!..

آلية عملية للمحاسبة: هناك محاسبة، ومشارطة، ومعاقبة: المحاسبة تكون آخر الليل، أو بعد كل فريضة يحاسب الإنسان نفسه: من الظهر إلى المغرب، ومن المغرب إلى الصباح.. ثم المشارطة أول الصباح، يخرج من المنزل ثم يشترط على نفسه: أن لا يغتاب، وأن لا يهذر، وأن لا ينظر.. وإذا خالف الأوامر؛ يعاقب نفسه بتكاليف الشريعة.. مثلا: هو ليس من أهل الليل، إذا أكل أكل مشتبها يقول: لابد أن أقوم الليل هذه الليلة، أو يؤدب نفسه بحضور صلاة الجماعة شهرا صباحا، فيهجر لذيذ الفراش.. يا لها من معاقبة جميلة!.. هذه معاقبة حسنة، وفي طريق التكامل، وليست معاقبة توجب له انهيارا عصبيا كأن يترك الطعام مثلا.. أو يعاقب نفسه شهرا كاملا، فيؤدي كل المستحبات والنوافل اليومية.. هذه عقوبة جيدة للنفس!.. أو يقضي ما في ذمته من الصوم الواجب، أو يصوم صوما مستحبا.. فإذن، هناك مشارطة أول الصباح، ومحاسبة آخر الليل، ومعاقبة إن رأى في نفسه خللا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى