زادك في دقائقزادك في دقائق

وجوب جهاد النفس

إن الحر العاملي له بحث حول جهاد النفس، وأول ما يلفت في هذا البحث كلمة “وجوبه”؛ فالقضية أعظم من أن يكون الأمر في دائرة الاستحباب المجرد.. عن الصادق (ع): (مَنْ لم يكن له واعظ من قلبه، وزاجر من نفسه، ولم يكن له قرين مرشد؛ استمكن عدوّه من عنقه).

إن هذه الرواية رواية إستراتيجية؛ فهي تجزم أن المؤمن يحتاج إلى جبهتين داخليتين معه.. إذ أن البعض، ينتظر دائما الواعظ الخارجي.. مثلا: هو في الوطن حالته جيدة، أما إذا سافر يتقاعس ويتقهقر.. أمام الناس في حالة، وفي بيته في حالة أخرى.. قال الباقر (ع): (أما إنّ أصحاب محمد (ص) قالوا: يا رسول الله!.. نخاف علينا النفاق، فقال: ولِمَ تخافون ذلك؟.. قالوا: إذا كنا عندك فذكّرتنا ورغّبتنا؛ وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأننا نعاين الآخرة والجنّة والنار ونحن عندك.. فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل، يكاد أن نحوّل عن الحالة التي كنا عليها عندك، حتى كأنّا لم نكن على شيء.. أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟.. فقال لهم رسول الله (ص): كلا إنّ هذه خطوات الشيطان، فيرغّبكم في الدنيا، والله لو تدوموا على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله، لخلق الله خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفروا لله؛ فيغفر لهم).

أولاً: واعظ من قلبه، وزاجر من نفسه: إن المشكلة تكمن في ارتباط الإنسان بواعظ خارجي.. تصوروا إنسانا رئته تالفة، ويعيش على كبسولة الأوكسجين؛ هذا الإنسان حياته في خطر، إذا انتهى الأوكسجين، وانقطع عنه المدد.. والحل الصحيح هو في وضع جهاز داخله بشكل دائم، يعطيه الأوكسجين.. المؤمن كذلك يحتاج إلى رئة باطنية، تذكره بما ينبغي تذكيره به!.. وهذا ممكن {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}؛ فرب العالمين جعل في الإنسان هذا النداء، ولكن بسوء الفعل، هذا الجهاز يموت مع الأيام.

ثانياً: ولم يكن له قرين مرشد: الأخ المؤمن الصالح، نعم العون على سبيل الآخرة!.. فنحن قد نستمتع بمزايا آخر الزمان، ولكن هناك آفات لهذا الزمان، لدرجة أن البعض يتمنى لو أنه خلق في القرون الماضية، حيث الناس يعيشون البساطة في الحياة.. عن رسول الله (ص): (‏قل ما يوجد في أمتي في آخر الزمان: درهم حلال، وأخ يوثق به‏).. فإذا ظفر الإنسان بقرين مرشد، فليعرف قدره.. الرواية ما قالت: من لم يكن له واعظ أو قرين؛ بل قالت: (واعظ وقرين)؛ أي كلاهما لازمان.

ثالثاً: استمكن عدوه من عنقه.. يحق للإنسان أن ينتابه الخوف الشديد من هذه الآية: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ}!.. فالإنسان يدخل في دورة تدريبية لمدة سنة، يصبح ماهرا في مجال عمله.. فكيف بالشيطان الذي تمرن على إغواء الناس، منذ آلاف السنين، منذ خلق أبينا آدم (ع)، {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا}.. الخ من المضامين المخيفة، التي تحتاج إلى استعاذة، {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}.. فالشيطان عندما يتحكم في البعض، يجره من عنقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى