خطب الجمع

رقة القلب وقسوته

صناديق العمر..
تمرُ على الإنسان مواسم يحتاجُ فيها إلى رِقة القَلب، فالذي لا يَرقُ قلبه في تِلكَ المواسم يُمنى بخسارة فادحة. هناك رواية مُذهِلَة عن النبي (صلی الله عليه) يقول فيها: (إنه يُفتح للعبد يوم القيامة على كلّ يوم من أيام عمره، أربعة وعشرون خزانة – عدد ساعات الليل والنهار-.. فخزانة يجدها مملوءة نوراً وسروراً؛ فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور، ما لو وُزّع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه.. ثم يفتح له خزانة أخرى، فيراها مظلمة منتنة مفزعة؛ فيناله عند مشاهدتها من الفزع والجزع، ما لو قُسّم على أهل الجنة لنغّص عليهم نعيمها، وهي الساعة التي عصى فيها ربه.. ثم يُفتح له خزانةٌ أخرى، فيراها فارغة، ليس فيها ما يسّره ولا ما يسوؤه، وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا؛ فيناله من الغبن والأسف على فواتها حيث كان متمكّنا من أن يملأها حسنات ما لا يوصف، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾). فيوم القيامة تُفتح للإنسان صناديق العُمر، إذ إن كل ثانية أو كل دقيقة أو كل ساعة من الزمان في هذه الدنيا يوازيها صناديق يَومَ القيامة، فتُفتح هذه الصناديق واحدا تلو الآخر، وإذا بها تحتوي الأشياء السلبية والإيجابية، فـ:

1. صناديق الجواهر: هي الساعات التي فيها حسنات، هذه لو وزعت على أهل النار لخَففَ عنهم.

2. الصناديق المظلمة: وهيَّ التي توازي ساعات المعصية، وفيها ما فيها من النتن الذي لو وزعَ على أهل الجنّة لساءت أحوالهم، ونَغصت معيشتهم.

3. الصناديق الفارغة: وهي ساعات النوم والأكل والانشغال بالمُباحات. فالذي ينامُ الليل إلى الصباح ولم تكن له وقفة مع رَب العالمين؛ فهذا صندوق ليلته فارغ. ولكنه لو ملأه بهذا العَمَل؛ فإن هذا القيام في جوف الليل يتحول يَومَ القيامة إلى نُورٍ يمشي أمامه إلى أبد الآبدين!.. وبما أن المؤمن من صفاته أنه كيس فطن، فإنه ينام في كل ليلة على أمل الاستيقاظ ولو لم يستعمل مُنبهاً، ما عليه إلا أن يقول: يا رب، إن أيقظتني هذهِ الليلة أُصلي لَك، وإن غَلبَ عَليَّ النَوم الذي هو السُلطان الأكبر فأنا مُعذور!.. فمن ينم على هذه النية؛ فإنه يؤجر. أما الذي يبني على عَدم الاستيقاظ، بل ويوصي الآخرين بعدم إيقاظه؛ فهل يعلم حجم الخسارة التي مُني بها؟!..

المواسم..
إن الإنسان قَد لا يحتاجُ إلى رقة القلب كثيراً؛ ولكن ماذا يصنع في:

1. عرفة: عندما يذهب إلى الحج على أمل العمل في عصرِ عَرفة، وإذا بهذا القَلب كالحجر اليابس؟..

2. ليلة القدر: إن الإنسان يعيش على أمل إحياء ليلة القدر، لذا في كُل فريضة يقرأ سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ في الركعة الأولى طوال السنة. فهو في كُلُ فريضة يَلهجُ بسورة “القَدر” على أملِ أن يُحيي ليلةَ قَدرٍ مُميزة، وإذا بتلكَ الليلة هو طوال النهارِ نائم، وطوال الليل يخفقُ برأسه وكأنّهُ شَربَ مُسكراً أو مُخدراً، أليست هذهِ بكارثة!..

3. محرم: إن الذي يعيش قساوة القلب في أيام مُحرم بشكل عام، والعَشرة الأولى منه وليلةِ عاشوراء خصوصاً؛ فإنه يعيش حالة الإحباط واليأس يقول: لو كُنتُ حُسينياً وموالياً لما كانت أحوالي هكذا!..

4. المشاهد المشرفة: هناك من يذهب إلى كربلاء، وقد تكون السفرة الأولى له، فيتوقع من نفسه في حرم الإمام حالة شبيهة بالغشوة -مثلاً- من التفاعل، فيتفاجأ أنّهُ دخل حَرم الحُسين (عليه السلام) وقلبه كالخشبة اليابسة؛ هذهِ حالة كارثية أيضاً!..

موجبات رِقة القلب وقسوته..
القاعدة الأولى: مراقبة القلب.. إن الناس بالنسبة إلى هذه النقطة صنفان:

الصنف الأول: هم الذين يعيشون هَمَّ الأجوفين!.. هؤلاء غَيرُ معنين بهذا البحث؛ لأن حياتهم حياة بهيميّة: فلو وضع حيوان في الأسطبل أو في القفص أو في حديقة الحيوان ومعهُ الأنُثى؛ هذا الحيوان يعيش السعادة العُظمى؛ فـ: الطعام بجانبه، والأُنثى بجانبه، والمكانُ هادئ مُبرد؛ ما بقيَّ شيء!.. بينما رَب العالمين كَرّمَ بني آدم وجعله خليفةً في الأرض، هذهِ الأيام الدول عندما تختارُ السفير أو وزير الخارجيّة، فإنها تختار أنسبَ الأشخاص لمقام السفارة؛ لأن هذا يمثلها في الخارج.. ورَبُ العالمين جَعلَ الإنسان سفيراً في الأرض، لذا عليه أن ينظر كَيفَ يكون خليفة، علماً أن تعبير “الخليفة” أرقى من السفير؛ لأن السفير وكيل مبعوث، أما الخليفة فإنه يُمثل الآخر أينما تمثيل!..

الصنف الثاني: هم المؤمنون، إذ إن المؤمن عينهُ على قلبه، ينظر إلى حالات القلب، فقد ورد عَن النبي الأكرم (صلی الله عليه) قوله: (إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة، تعلقت في أصل شجرة، يقلبها الريح ظهرا لبطن). ولهذا المؤمن عينهُ على الباطن: إقبالاً وإدباراً، قبضاً وبسطاً، وذلك من خلال:

1. البحث عن السبب: البعض عندما يُبتلى بقسوة القلب يبحث عن السبب، ولكل إنسان مقياسه لقسوته وإدباره، فمثلاً: أحد كبار التجار مقياسه هو تكرراه لكلمة “العفو” في صلاة الليل: إن رأى في حاله إقبالاً وهناك دمعة، وليس فقط لقلقة لسان؛ يرى أنه على خَير!.. والليلة التي ليست فيها دَمعة يعلم أنه ليس على خَير، فيبحث عن السبب!.. ومن تلك الأسباب التي رأى أنها قد تكون سبباً في عدم الإقبال هي تكلمه فيما لا يعنيه!.. لم يقل حراما، إنما قال كلاما زائداً، فسُلبت منه الدمعة في قيام الليل عند تكراره لكلمة “العفو”.. هذهِ مُعادلات دقيقة في عالم الوجود، والذي ينظر بعين الباطن يكتشف الأسباب.

2. التوسل: إن الإنسان الذي يفكر في سَبب الإدبار ولا يرى سَبباً وجيهاً، عليه أن يطلب من الله عز وجل أن يُبين له السبب، فبعد التوسل قد يقع في قلبه من أينَ أُكل!..

3. الشكر: إن المؤمن لا يستوحش من العقوبة عِندَ المعصية، بل يقول: يا رَب لَكَ الحَمدُ والشُكر على هذا الصُداع الذي جاءني بَعدَ النظر إلى الأجنبية -مثلاً- أنت تُحبني، لذا أردتَ أن تلفتَ نظري إلى هذا الأمر!..

فإذن، إذا لم يجد الإنسان سبباً فلا يُغمض عينيه، ولا يدفن رأسه في الرمال بل عليه أن يقول: يا رَب علمني من أينَ أُكلت؟.. قد يكون بسبب نَظرة أو ابتسامة في غَيرِ محلها، أو مُفاكهة مع أجنبية، المُهم هُناكَ سَببٌ من الأسباب. وهُنا كُلما رَقَّ قلب الإنسان؛ صَفت نفسه، وعُجلت له العقوبة!..

القاعدة الثانية: عمارة القلب.. إن هُناكَ تركيبة في مملكة الباطن، لذا ينبغي للمؤمن أن يكتشف خارطته الباطنية فلعله يعرف المزيد!.. إذ إن هُنالكَ فِكرة لا يعلم موقعها، فالدِماغ والمُخ والمُخيخ ليسَ مَحلاً بل هيَّ واسطة. فالأفكار لها علاقة بعالم المُخ، ولهذا الإنسان الذي يُفكر كثيراً، ويكون مُبتلى بالوسواس القهري؛ يُعطى عِقاراً مُعيناً فيجعله هذا الدواء لا يُفكِر. فهذا المُخ المادي حالة برزخية بينَ عالم الروح وعالم البَدن، حيث إن أعجب ما في الإنسان هو مُخه، وإلا فالقلب هو عبارة عن عضلات ودَم، وهو مُقابل المُخ لا شَيء!.. وعليه، هُناكَ جِهاز يُفكِر وهُناكَ جِهازٌ يُصمم: فالقَلب هو جِهازُ التصميم، ولهذا عندما تكون الفِكرة واضحة ولكنَ القَلب لا يُصمم؛ فلا فائدةَ في البَين!.. الإنسانُ يمشي على هوى قلبه، وأمثلتهُ في الحياة كثيرة: فالشاب الذي يهوى فتاةً، مهما قيل لَهُ: هذهِ فتاة سافرة، أو هذهِ فتاة من أبوين فاسقين، ومهما هددته أمهُ؛ فإن كل هذا لا ينفع، حتى إن البعض يسأل: هل يجوز لي أن أتزوج أختَ زوجتي؟.. رغم أنه يعرف موقف الشرع من هذه المسألة، حيث يقول تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾؛ ولكن في مقام العَمل لا ينفع معهُ شَيء. فإذن، إن المُصيبة كُل المُصيبة والنعمة كُل النعمة في القلب، هذا القلب هو الذي يأخذ القرار، فهو:

1. الملك: روي عن النبي (صلی الله عليه) أنه قال: (الْقَلْبُ مَلِكٌ وَلَهُ جُنُودٌ، فَإِذَا صَلُحَ الْمَلِكُ صَلُحَتْ جُنودُهُ، وَإِذَا فَسَدَ الْمَلِكُ فَسَدَتْ جُنودُهُ)، فالأعضاء التي هي: العَين والأُذن؛ هذهِ جنود لا تعقل تنفذ ما يُطلب منها، والقَلبُ هنا هو أميرُ البَدَن الذي يصدر الأوامر. وكما هو الحال في المُعسكرات حيث يقول القائد للجنود: نفّذ ثم اعترض!..

2. الإمام: لقد ورد في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إعلم: أن منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أن جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدية عنه)، بما أن القلب هو الحاكم وهو أمير الإنسان؛ فإنه إذا لم يصلح فليس هناك أي فائدة من قراءة كتب الأخلاق والعرفان والسَير والسلوك!.. وإن قرأ المكتبة فإنه يتحول إلى حاسوب، فالحاسوب فيهِ كُتب ولكنه جِهازٌ لا يَعقِل!..

فإذن، إن أراد الإنسان أن يبني مملكة الباطن؛ عليه بعمارة القَلب، وذلك من خلال:

أولاً: تقوية الفكرة: إن المُطالعة تدعم الإمام والمَلِك، فالملوك عادَةً لهم مستشارون، فإذا قال المُستشار الأول كلاماً، والمُستشار الثاني قال كلاما، والثالث قال كلاماً؛ فإن الأمير يقتنع، فهو في مقام العمل يتأثر بكلام المستشار.. فالفِكر، والكتاب، والموعظة، والمحاضرة، والخُطبة، والمنبر؛ هذهِ الأمور كالمستشارين، قَد يؤخذ بكلامهم وقَد لا يؤخَذ، ولكن كثرتهم تجعل القَلب يتأثر؛ ولهذا مَن يُدمن مجالس العُلماء، وقراءة الكُتب؛ فإن قَلبهُ يلين ويتأثر بما يقرأ!.. فإذن، إن مملكة البدن هي عبارة عن: الجوارح التي هي جنود، والقلب وهو الأمير، والفكر هو المستشار.

ثانياً: تطويع الجوارح: إن هُنالكَ عوامل أخرى خارجيّة لها دَورٌ في هذا القَلب، فالحركات الجوارحية أيضاً لها تأثير، فمثلاً: الأكل عملية عضويّة، فهو عبارة عن طعام يدخل إلى الفَم، وهُناكَ الفكان، واللسان، والأسنان، فيمضغ الطعام، وينزلُ في المعدة من خلال المريء، وينتشرُ في الأمعاء، ويمتص!.. فالقضية مادية بحتة، ولكن الأخبار والروايات والتجارب، تثبت أن العلاقة وطيدة بين هذا العالم وبينَ عالم الروح. فـ:

1. الأكل الحرام: إن الروح لا تأكل، ولا تمتصُ الطعام؛ ولكن الطعامُ الحرام يؤثرُ فيها، ولهذا عزا سيد الشهداء (عليه السلام) خروج القوم عليه في يوم عاشوراء، إلى امتلاء بطونهم من الحرام، تقول الرواية: (أحاطوا بالحسين من كل جانب، حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج (عليه السلام) حتى أتى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم!.. ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشَدين، ومن عصاني كان من المهلَكين، وكلكم عاص لأمري، غير مستمع قولي، فقد مُلئت بطونكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟!.. ألا تسمعون..)؟!.. فإذن، الأكل الحلال لَهُ دوره.

2. مُعاشرةُ الغافلين: إن الإنسان الذي يذهب إلى المجلس يعيش مع الخطيب بعضَ المشاعر الطيبة ببركة المسجديّة، فالإنسان في المسجد أثناءَ الخُطبة يأخذ القرار، ولكن الشيطان على باب المسجد ينقضُ هذا القرار ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، قلبه يعقد النية الطيبة؛ ولكن هذهِ النية سُرعانَ ما تتلاشى ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾. فإذن، إن مُعاشرة الغافلين لَها دورها، لذا من يحرص على سلامة قلبه لا يعاشر الغافلين من أهل الدُنيا.

ثالثاً: المناجاة: إن المُناجاة بين يَدي اللهِ عَزَ وجل من أهم روافد رقة القلب، لذا يجب عدم الاستسلام لوسوسة الشيطان، عندما يقول للإنسان: ما الفائدة من قيام الليل والقلب ساهٍ!.. ينبغي للإنسان أن يقوم الليل وإن كان متناعساً، ولو أدركه النوم في السجود فلينم على بركة الله، فرَبُ العالمين يُباهي به الملائكة، روي عن رسول الله (صلی الله عليه) أنه قال: (إنّ ربّك يباهي الملائكة بثلاثة نفر: رجلٌ يصبح في أرضٍ قفرٍ، فيؤذّن ويقيم ثم يصلّي، فيقول ربّك عزَّ وجلَّ للملائكة: انظروا إلى عبدي يصلّي ولا يراه أحدٌ غيري، فينزل سبعون ألف ملك يصلّون وراءه، ويستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم. ورجلٌ قام من الليل يصلّي وحده، فسجد ونام وهو ساجدٌ، فيقول: انظروا إلى عبدي!.. روحه عندي وجسده ساجدٌ لي. ورجلٌ في زحفٍ، فيفرُّ أصحابه ويثبت هو يقاتل حتى قتل). فليقل: يا رَب أنا أتشبهُ بالصالحين من عُبادِك، والبَقيّة إليك!.. أنا دوري أن أتجافى عَن المضاجع، وآتي إلى المسجد مُطرقاً برأسي. فالذي يأتي إلى المسجد كي يُصلي صلاة الفجر جماعة، وفي الطريق يقف كي لا يصطدم بالحواجز لغلبة النوم، فيرتاح قليلاً ثُمَّ يكمل الطريق؛ هذا الإنسان ملائكة السموات ماذا تقولُ عَنه؟.. فإذن، إن الإنسان الذي يُريد رقة القَلب؛ لابُدَ أن تَكونَ لَهُ وقفة استجدائية بينَ يَدي اللهِ عَزَ وجل.

صفات القلب..
قال رسول الله (صلی الله عليه): (إنَّ للهِ آنية في الأرْضِ، فأحَبُّها إلى اللهِ مَا صَفَا مِنْهَا وَرَقَّ وصَلبَ، وهيَ القُلوب، فأمَّا مَا رقَّ: فَالرِّقَّة عَلَى الإخوان، وأمَّا مَا صَلبَ منها: فَقولُ الرَّجُل في الحقِّ لا يَخَافُ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ، وأمَّا مَا صَفَا: مَا صَفَتْ مِن الذُّنوبِ).

-(إنَّ للهِ آنية في الأرْضِ): آنية الله عز وجل ليست آنية الذَهبِ والفضة.

-(فأحَبُّها إلى اللهِ مَا صَفَا مِنْهَا وَرَقَّ وصَلبَ): إنه تعبير دقيق، هناك معان مُختلفة مُتضادة في هذه الرواية النبوية، فالصَلابة عكسُ الرِقّة والصفاء، ولكن النَبيُ الأكرم (صلی الله عليه) يشرحُ ذلك:

-(فأمَّا مَا رقَّ: فَالرِّقَّة عَلَى الإخوان): إن القلب الرقيق على الأخوان هذا إناءٌ طَيب، فأمير المؤمنين (عليه السلام) عندما سَمِعَ بخَبر الاعتداءِ على الذميّة ما قَرَّ لَهُ قرار، هكذا قَلبُ المؤمن!.. يقول: (ولقد بلغني أن الرجل منهم، كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة؛ فينتزع حجلها وقلائدها ورعاثها.. فلو أن الرجل مات بعد ذلك آسفا، لما كان عندي ملوما، بل كان عندي جديرا)!.. فإذن، إن الرِّقَّة تكون عَلَى الإخوان، ومن يسمع خبراً مُزعجاً ولم يتأثر؛ هذا قَلبهُ قَلبٌ قاس!..

-(وأمَّا مَا صَلبَ منها: فَقولُ الرَّجُل في الحقِّ لا يَخَافُ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ): إن بعضَ ضِعاف المؤمنين ممن لا وزنَ لهم اجتماعيّاً، إذا استلزم الأمر فإنه يَقفُ أمامَ كِبار رجال العَسكَر -إذ في كُل بَلَد عساكرها وضباطها لهم هيبةٌ بشرية، إذا خلعوا ملابسهم زالت الهَيبة- وكأنّهُ أميره، يقول: يا رَب أقذف هيبتي في قلبه، هذا ظلمني فيرفع صوتهُ عَليه كالأسد الهزبر!.. المؤمن هكذا ثقتهُ بالله عز وجل، فموسى (عليه السلام) تربى في قصرِ فرعون ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ولكنه يَقفُ أمامَ فرعون وكأنه رئيس الفراعنة، ومَلك الملوك!..

-(وأمَّا مَا صَفَا: مَا صَفَتْ مِن الذُّنوبِ): يجب عدم الاستهانة بالمعصية، فإن نظر الإنسان نظرة محرمة -مثلاً- فإن هذه النظرة لا تنتهي في وقتها، بل أوجدت نُكتة سوداء في القلب!.. فالحاسوب الذي هو عبارة عن جِهاز بآلاف الدنانير، إن دخلت فيهِ جرثومة الكترونية، يتعطل وينتهي الأمر!.. هكذا الأمر بالنسبة إلى القلب الذي يُبتلى بعض الأوقات بمثلِ هذهِ الظُلمة فيقلب أسفلهُ أعلاه، فهذه النظرة المحرمة تحرمه من رقة القلب أثناء الصلاة بينَ يَدي اللهِ عَزَ وجل، ليس فقط ليوم أو يومين أو أسبوعين أو أسبوعين!.. وذلك لأن القَلب قد تَلوّث، وفي عالم الفقه: الحوض المائي إذا سكبتَ فيهِ قَطرةَ دَمٍ أو بَول صارَ نجساً، وإذا لم يأت الكُر هذا الحوضُ حكمه النجاسة. وعليه، فإن المعاصي لا تنجس الإنسان في حالة كان كراً؛ ولكن مَن يضمِن كُريةَ قلبه؟!..

الدرس العملي:
1. إن قلوبنا إما أحواضٌ فارغة أو فيها ماءٌ قليل، يقول الإمام علي (عليه السلام): (عِظَمُ الجَسَدِ وطُولُهُ لا يَنفَعُ إذا كانَ القَلبُ خاوِيًا)، بعض القلوب لا ماءَ فيها، وبعض القلوب فيها ماءٌ قليل، والقاعدة تقول: إن القليل يتنجسُ بمُلاقاة النجاسة، ومتى يأتي المُطَهِر؟.. الأمرُ إلى اللهِ عَزَ وجل!..

2. إن المؤمن إذا وجد قساوة في قلبه، عليه أن لا يسكت، فليقل: يا رَب ترى حالي، ترى قلبي، ترى قسوتي!.. فيجأر إلى اللهِ عَزَ وجل كي يفتَحُ له الأبواب.

3. إن هناك دعاءين يجب أن يجعلهما الإنسان الذي يجد قساوة في قلبه بنحو الذِكرى والتذكار، فيمزج هذين الدعاءين ويستعملهما -كما هو الحال بالنسبة إلى بعض العقاقير التي تكون عبارة عن دواءين ممزوجين معاً- يخلط “مُناجاة التائبين” معَ “مُناجاة الشاكين” فـ: هذهِ شكوى وهذهِ توبة، ويستعملهما معاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى