خطب الجمع

نفحات من سورة محمد (ص) 4

التدبر..
إنَّ المُراد من المؤمن أن يُدرب نفسه على التأملِ في كتاب اللهِ عَز وجل، لا تلاوةً بل تدبراً!.. فمن أرادَ أن يُصبح قُرآنياً هذه الأيام -مع الأسف- فإن تفكيرهُ يكون في حُفظ القرآن وتلاوته: تجويداً وترتيلاً!.. فيتحول الكتاب المحفوظ من ألفاظٍ مطبوعة إلى كلماتٍ في الذِهن، فما على الورق ينتقلُ إلى الذِهن.. وهذه العملية ليست بتلكَ القُدسية العالية جِداً، صحيح أنه لأمر طيب أن يجعلَ الإنسان كِتابَ اللهِ عز وجل في صدره، ولكن ما الفائدة من جعل القُرآن في أذهاننا وأعمالنا تُنافي الكتابَ الكريم؟!.. فهذه الأيام بعضَ صِغارَ السِن يحفظ القرآن حِفظاً غَريباً، وبإمكانه أن يقرأ الآيات حَسَب ما يُعطى من اسم أو رقم للصفحة مثلاً، ويستطيع أن يقرأ الآيات بشكل عكسي، وبعدَ أن ينتهي من تلاوة القرآن حِفظاً يلعَبُ مع الصبية كباقي الأطفال؛ هذا الطِفل رُزقَ حِفظ القرآن، ولكن سلوكهُ سِلوكٌ طفولي!.. البعضُ من الكبار أيضاً قَد يحفَظ كتابَ اللهِ عَزَّ وجل، ويرى أنّهُ وَصَلَ إلى دَرجَةٍ عالية، والحال أنَّ الأمر ليسَ كما يظن، إذ يقول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾!.. فكم عدد الآيات التي فيها طلبٌ للتدبُر؟.. وكَم آية فيها طلب للحفظ؟.. البعضُ يَدعي أن القرآن ليست فيهِ آية واحدة، تتناول حِفظ القرآن بهذا المعنى المتعارف.. ولكن ليسَ معنى هذا الكلام أنَّ الحِفظ لا مزيةَ له، إنما القرآن الكريم ركَزَ على التدبُر والتأمل ورفع الأقفال!..

-﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾.. لو تأملنا في هذه الآية التي يعقد القرآن الكريم من خلالها مقارنة بين المؤمن وغير المؤمن؛ لتَغيّرت نظرتنا إلى الحياةِ برمتها.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار﴾ُ: إن عبارة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار﴾ مُكررة في القرآن الكريم كثيراً، فوصف الجَنّة تقريباً مُقترن بالأنهار الجاريّة، وفي سورة “الرحمن” هُناكَ آيات لوصف الحورياتِ في الجَنّة ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾؛ هذه كلها متع حسية.. فالمؤمنون في الحياة الدُنيا لَهم ألوان من المُتع، منها المعنويّة ومنها الحسية؛ ولكن المُتع المعنوية تَغلِبُ المُتع الحِسيّة!.. فبعض الشباب المؤمن مِمّن لَهُ حالة سلوكيّة جَيدة، عندما يتزوج -وقَد تكون هذهِ الزوجة في أعلى درجات الجَمالِ- فإنه يقول: إنَّ مُتعتي بصلاة الليل، ومُتعتي في الخلوة مع رَب العالمين من سِنخٍ آخر لا قياسَ بينهما!.. مثله مثل المرأة التي تلد في المستشفى، ثم يؤتى لها بطعام شهي، وبَعدَ قليل يجعلونَ في أحضانِها مولودها الجَديد، إذا سئلت: أيهما ألذ؛ هذا الطعام، أو هذا المولود الذي بينَ يديكِ؟.. فإنها تقول: هذا السؤال لا معنى لَهُ، إذ شتان ما بين اللذتين!.. الطعام عالم، والأمومة عالمٌ آخر!.. فإذن، إن المُتع المعنويّة في الدُنيا لا تُقاس بالمُتع الحِسيّة!..

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾: ينبغي للمؤمن أن لا ينبهر عند ذهابه إلى بلاد الغَرب، ولا يأنس بهم كَثيراً!.. يجب أن لا ينظر إلى الكافر على أنّه إنسان، فهؤلاء يُلحقهم القرآن الكريم بالأنعامِ والبهائم، إذا لا قيمة للإنسان الذي لا يعترف بالرَب والخالق؛ فهذا أضل من البهيمة!.. فمن يرجع من بِلاد الغَرب عليه أن لا يمدح ما رآه من نِظام وغيره؛ ولا يأخذ عُنصراً بسيطاً ويغلب هذا العنصر على باقي العناصر!.. عليه أن يقول: ذَهبتُ إلى غابةٍ مُنظمة وجميلة؛ ما له والمَدح الكبير لمن خَرَجَ عَن طاعة اللهِ عَزَّ وجل؟!.. هذا ليسَ تعصباً، القرآن الكريم يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.. فإن أي دين هو دِينٌ ممسوخٌ في هذهِ الشريعة الخاتمة.

-﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾.. إن القرآن الكريم في سورة النَبي (صلی الله عليه) يبعثُ الأملَ والقوة في نفوس المؤمنين، يقولُ: يا رسول الله، ما وزن قُريش أمامَ القياصرة والأكاسِرة والفراعنة؟..

1. فأبرهة جاءَ بالفيلة -وقريش يخافونَ من منظر الفِيل فَضلاً عن مواجهته- ولكن رَب العالمين أهلكهم، وهُم أقوى من قُريش!..

2. وفرعون على جَبروته، استدرجَهُ رَب العالمين إلى البَحر، فدخله ليُهاجم موسى (عليهِ السلام) وإذا بالبحر يُطبِقُ عليه؛ إنها حركة بسيطة من رب العالمين؛ بهذهِ الحركة البَحرُ ابتلَعَ فرعون ومن معه!..

يا رسولَ الله!.. السُنة هِيَّ السُنّة، في كُلِّ عَصر هُناكَ طواغيت، يُعبر عنها هذهِ الأيام بالقوى الكبرى؛ هذهِ القوى الكُبرى بينَ يَدي اللهِ عَزَّ وجل هِيَّ قوى قزميّة!.. فالذي هزم جيش أبرهة عندما هجم على الكعبة؛ بإرسال الطير الأبابيل، القرآن لم يقل: الصقور والنسور، بل طير، ولعله كانَ بحجم العصفور مثلاً، هذا الطير بهذهِ الحبات جعلهم كعصفٍ مأكول!.. والذي أهلك فرعون بما له من جبروت؛ قادر على نصرك يا رسولَ الله، فلا تقلَق، مهما كان العَدو كَبيراً وقَويّاً؛ لأن هذهِ القُوة هي فيما بينكم، ولكن أمامَ رَب العالمين لا معنى للقوةِ أبداً!..

-﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.. هُناكَ تفصيلٌ لأنهار الجنة في هذه الآية:
﴿أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾: في دار الدُنيا بعض المياه طعمها يتغير، وأسن الماء؛ أي: فَسَد، تغيَّر طعمًا ورائحةً ولونًا؛ فلا يُشرب.
﴿وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: اللَبَن إذا بَقيَ فترة، يُصبح طعمهُ حامضاً.
﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾: هذا الخَمر لا يسلبُ العَقل بل يزيده.
﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾: ليسَ فيهِ هذا الشَمع المُزعج.

إن بعض المفسرين لَهُ تعليقة جميلة يقول فيها: الماء لرفع العَطَش، واللبن للتغذيّة، والخَمر للاستمتاع، والعسل لجلب القوة.

﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي ثمرات الدُنيا وزيادة.

﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾: إن القرآن الكريم يُركز على النعم الحِسيّة؛ لأن عامة الناس لا تُغريهم إلا هذهِ النِعم، أما الذين يستذوقون الرضوانَ الإلهي؛ فهؤلاءِ في الدُنيا عددهم قليل!.. لذا فإننا نرى أن الآية التي تصف الأنهار في هذهِ السورة، هي تقريباً ثلاثة سطور؛ ولكن عندما تصل إلى وصف المُتع المعنوية؛ فإنها تختصرها في كلمتين ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾، هذهِ المغفرة تعني الرضوان الإلهي.. وبما أن مُعظَم أهل الجَنّة في دار الدُنيا ليسوا من الخواص، فإن الجنة تحتوي على مُتَع لا يمكنُ أن توصف ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾، هذهِ لعامة المؤمنين، المؤمن العادي هذا جزاءه.. ولكن كُلما تَميّزَ المؤمن في الدُنيا؛ رأى النعيم المتميز في الجَنّة الذي لا يكون لكُلِ أحدٍ. فكما أن هناك متعاً للخواص مثل: قيام الليل، وأخرى للعوام ومنها: مُتعة النِساء المحللة، في الجَنّةِ أيضاً مُتعةُ الخواص تختلفُ عن مُتعة العوام، فمتعة الخَواص هي: أن يكونوا في درجة النَبي محمدٍ (صلی الله عليه).

وعليه، فإن المؤمن يحاول في هذهِ الدُنيا أن يُفكر في التفوق والتميُز!.. فالإنسان الذي يتميز في دار الدُنيا من خلال درجته الجامعيّة: فإنه يصير صاحبِ أكبرَ اختصاصٍ في البَلَد، واللَقب يُصبح مُميزاً، والراتب يتميز، والسُمعة االاجتماعيّة تتميز؛ ولكن كل هذه الامتيازات هي لفترة مؤقتة، ألا وهي المدة التي يعيشها في الدنيا، أما بعد موته فكأن شيئاً لم يكن.. إذ ليسَ من المتعارف أن يُكتب على قبور الموتى التخصص العلمي لأصحابها؛ لذا فإنه لا فائدة من هذهِ الألقاب!.. أما التميز في دار الآخرة؛ فإنه يبقى خالداً إلى الأبد بخلود صاحبه ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، لذا المؤمن يجعل الأبديّة مُقترنَةً بالتميز.

-﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾..
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾: هو الآخذ بأزمة الأمور طُرّاً.

﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾: هناك سورة بَعدَ سورة النَبي (صلی الله عليه) هي سورَةُ “الفَتح” أيضاً ذُكر فيها الاستغفار: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾؛ فما المُراد بهذا الاستغفار؟.. ولماذا يستغفر أمير المؤمنين (عليه السلام) رَبَهُ هذا الاستغفار البَليغ عندما يقول في دعاء كميل: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ)؟.. ولماذا يذكر الإمام زَين العابدين (عليهِ السلام) في مُناجاة التائبين هذهِ الصِيغ من التوبة؟.. فحتى النَبي الأكرم (صلی الله عليه) كانَ يلهَجُ بالاستغفار، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال : (كان رسول الله (صلی الله عليه) يستغفر الله عزّ وجلّ كلّ يوم سبعين مرة، ويتوب إلى الله سبعين مرة)!..

التفسير الأول: إن استغفار النَبي (صلی الله عليه) هو لتبدُل الحالات، فالنَبي (صلی الله عليه) على ذِكرٍ دائم لا شَكَ فيه، ولكن تَمرُ عليهِ لحظات هذا الذِكر قَد يَقلُ عَن المستوى المتعارف!.. فالنَبيُ (صلی الله عليه) في المعراج لَهُ حالة مَعَ اللهِ عَزَّ وجل ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، وفي قيام الليل لَهُ حركةٌ سبوحيّة قدوسيّة؛ ولكن الحالة قد تختلف عندما يجلس مَعَ جُفاة الجاهليّة أو مع نسائه، فالتأريخ ينقل صوراً من الاحتكاك والمُنازعة بينَ نِساء النَبي (صلی الله عليه)، وكانت تصدر من بعضِ أصحابه تصرفات وكلمات لا تَليقُ به (صلی الله عليه)، وهاتان الروايتان خير مثال على ذلك:

1. (أدرك أعرابيُّ النبيَّ (صلی الله عليه) فأخذ بردائه، فجبذه جبذةً شديدةً حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله (صلی الله عليه)، وقد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال له: يا محمد!.. مْر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله (صلی الله عليه) فضحك وأمر له بعطاء).

2. (بينا نحن عند رسول الله وهو يقسّم، إذ أتاه ذو الخويصرة -رجل من بني تميم- فقال : يا رسول الله!.. اعدل، فقال رسول الله (صلی الله عليه): “ويلك!.. من يعدل إن أنا لم أعدل؟.. وقد خبتَ أو خسرتَ إن أنا لم أعدل…”.

فإذن، إن النَبي (صلی الله عليه) في الخَلوَة ذاكر، ومَعَ الأصحابِ ذاكِر، ومع النِساءِ ذاكِر؛ ولكن هذا الذِكر يشتد تارة وتقلُ شدته تارة، فالنَبيُ (صلی الله عليه) يرى أنَّ هذا المقدار يحتاجُ إلى استغفار.

التفسيرُ الثاني: إن البَعض يقول: إن النَبي (صلی الله عليه) هو لسانُ الأُمّة، والمسلمون هم أُمة النَبي (صلی الله عليه)، لذا عندما يعصي المسلم؛ فإن النبي (صلی الله عليه) ينسب الأمرَ إلى نفسه.. وهذا المعنى يقعُ في بعض الأوقات، عندما يخرج الولد الصغير من المنزل وبيدهِ حَجَر يكسِرُ بِها زُجاجَ بيت الجار أو سيارتهِ مَثَلاً، فإن الوالد هو مَنْ يبادر إلى الاعتذار الشديد من صاحب المنزل؛ لأن هذا الوَلَد من شؤونه، وبما أنه أخطأ، وجب على ولي الأمر أن يعتذر، ويكون في حالِ خَجَل.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى النَبي (صلی الله عليه) والوصي (عليه السلام) اللذين هما أبوا هذه الأمة، كما قال الرسول الأعظم (صلی الله عليه): (أنا وعليٌ أبوا هذهِ الأُمّة)، وهذا ينطبق على المعصومين جميعاً؛ لذا فإنهم يعيشون حالة من حالات الخجل عندما يُخطئ المؤمن!.. وعندما يؤتى يَومَ القيامة بالعاصي من أُمة النَبي (صلی الله عليه) من المُمكن أن تنتاب النَبي (صلی الله عليه) حالة من الخَجَل أمامَ الأنبياء (عليهم السلام)!.. ولهذا فإن من موجبات الردع عن المعاصي، أن لا يدخل المؤمن الحُزن على قَلبِ إمامِ زمانه بالمعصية.

التفسير الثالث: هذا التفسيرُ لَهُ شاهد من سورة “الفَتح”، يقول تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾؛ فما هي العلاقة بينَ فتحِ مكة وبينَ غُفران الذَنب؟.. وكأنّ المُراد بالذنبِ هُنا الذَنبُ في نظر الآخرين لا الذَنب في الواقع، ويشبهون الأمر بإنسان يملك بِناء قديماً، فيقدم على هدمه ولا يعيد بناءه سريعاً، في هذه الحالة الأعداء يشمتون به؛ لأنه هَدَم بيته القديم، ولم يبنِ بيتاً جديداً، فهو يصبح بلا مأوى.. ولكن عندما يبني بناءً مُميّزاً؛ فإن هذهِ التُهمة ترتفع عنه: هو كان مُتهَماً بأنّهُ لم يكن مُصيباً، فهو أخطأ في هَدم المنزل، وبعدم بناءِ مَنزل أخر؛ ولكن عندما يرتفعُ البناء؛ هذا الكلام وهذهِ الشماتة تنتفي.. النَبي (صلی الله عليه) في أول دعوته، الأعداء كانوا يشمتونَ به؛ لأن أصحابه كانوا ما بين مُعذب، ومهجر، ومقتول، ومحاصر: فجعفر سُفِرَ إلى الحَبَشَة، وسُميّة ماتت تحتَ التعذيب، والنبي (صلی الله عليه) حبس في شَعب أبي طالب.. فهم يقولون: ما الفائدة من دعوتك هذه؛ التي لم تجلب إلا المتاعب عليك وعلى من اتبعك، والمتمثلة بـ: المُقاطعة، والتسفير، والتعذيب والقتل؟!.. ولكن عندما فَتَحَ اللهُ عز وجل لَهُ مَكة المكرمة، كأنّهُ غَفَرَ لَهُ هذا الذَنب، الذنب الذي في نظر الأعداء لا عِندَ اللهِ عَزَّ وجل.

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: إن المؤمن عندما يذهب إلى زيارة الحبيب المصطفى (صلی الله عليه) بَعدَ الزيارة المأثورة، بإمكانه التكلم مَعَ النَبي (صلی الله عليه) كلاماً عاطفياً، كلامُ الولدِ معَ أبيه، قائلاً: يا رسول الله!.. أنتَ مأمورٌ بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وهأنذا جئتكَ زائراً، ولكُلِ زائرٍ كرامة.. يا رسول الله!.. استغفر لي، أنا عندي ذنوب وقد استغفرتُ رَبي كَثيراً في ليلة القَدر، وذَهبتُ إلى حائر الحُسين (عليهِ السلام) واستغفرت رَبي هناك؛ ولكنَي أحتمل أنَّ بَعضَ الذنوب لم تُغفر.. يا رسولَ الله!.. أنتَ صاحب الشفاعة الكُبرى، استغفر لي ما بَقيَ من ذنب!.. ألا يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾!.. المؤمن في كل يوم يقول: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، أخوةُ يوسف (عليه السلام) هموا بقتله، ولكن عندما اعتذروا، قَبِلَ اعتذارهم، فيا رسولَ الله!.. أنتَ خَيرٌ من يوسف، جئناكَ اليَوم معتذرين، ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى