خطب الجمع

مراتب الذكر الكثير

تميز سيد الشهداء..
إن هناك دروساً يمكن أن نستفيدها من سيرة الحُسينِ (عليهِ السلام) وأصحابهِ الميامين، فما قامَ بهِ الحُسين (عليهِ السلام) نَحنُ غَير قادرين عليه؛ لأنه مختصٌ به!.. فصبرُ أختهِ الحوراء زينب (عليها السلام) على عظيم المُصيبة صَبرٌ لا يمكن احتماله؛ ولكن هُناكَ بعض الأمور من الممكن أن نصل إلى الجو العام لها، لا إلى ذاتها!..

درجات الذكر..
أولاً: الذِكر في الضراء.. إنه لأمر طبيعي أن يذكر الإنسان الله عز وجل في الضراء، ولكن هذا الذكر لا يُعدُ مزية؛ لأنه لقضاء الحاجة!.. فذِكرُ الله عز وجل في الشدائد أمرٌ قهري، مثلاً: عند ركوب الطائرة قد يكون هناك جو من اللهو ولعل البعض يشرب المُسكر، ولكن بمُجرد أن تبدأ الطائرة بالتقلب يميناً وشمالاً، وإذا بالجميع يصيح وينادي رَبه!..

ثانياً: الذِكر في السراء.. إن الذكر في الراحة والرخاء درجة أرقى من الذكر في الضراء!.. فمثلاً: الصلاةُ بشكل عام مطلوبة في كُلِ الأحوال، ولكن لا أحد يُصلي عند فقد عزيز، أما الصلاة في ليلة الزفاف فإنها موجودة في كُتب الدُعاء، تلكَ الليلة التي يعيشُ فيها الشاب لَذَتَهُ، وإذا بالأمر الإلهي يأتي لكسر هذا الجَو من خلال صلاة ركعتين، يسأل اللهَ عزَّ وجل فيها الذرية الصالحة!.. والمعروف في أوساط الخاصة، أنَّ مَن ذَكرَ الله عزَّ وجل ذِكراً بَليغاً في تِلكَ الليلة؛ يُرجى أن يُعطى ذُرية مُميزة؛ لأنَّهُ كان من الذاكرين في موطن الغَفلة!..

وعليه، فإن الذكر في الضراء أمر مُمكن وميسور، ولكن الأصعَب منه ذُكرُ اللهِ عزَ وجل في السراء!.. ووجه الاختلاف بينهما أن:

1. الذكر في الضراء فيه: التجاء، وانقطاع إلى اللهِ عَزَّ وجل.
2. الذكر في السراء فيه: جَو الشُكر والحَمد، والخَجَل؛ حيث يرى الإنسان النِعم الإلهيّة تَصبُ عليه من كُلِّ حدب وصَوب، وهو لا يرى في ديوان عملهِ شيئاً مميزاً: ففي شَهر رمضان تمر عليه ليالي قَدر مُميزة، وفي موسم الحَج يتشرف بحَجِ بيت اللهِ الحرام، وفي زيارة الأربعين يوِفقَ للسفر إلى المشاهد المشرفة، ويوفق لقيام الليل، والصلاة في المساجد، ..الخ، فرب العالمين يخصه بالنِعم رغم أنه لم يقم بشَيءٍ يُعتَدُ به؛ فيخجل من ربه!.. وخَير مناجاة في مثل هذا الوقت؛ مُناجاة الشاكرين للإمام السجاد (عليه السلام) التي يقول فيها: (إلهِي!.. أَذْهَلَنِي عَنْ إقامَةِ شُكْرِكَ تَتابُعُ طَوْلِكَ… فَكُلَّما قُلْتُ: لَكَ الْحَمْدُ، وَجَبَ عَلَيَّ لِذلِكَ أَنْ أَقُولَ: لَكَ الْحَمْدُ)؛ لأنَّ هذا الشكر توفيقٌ، فهو أيضاً يحتاجُ إلى شُكر!..

فإذن، يجب على المؤمن أن يذكر الله عز وجل في مختلف الأحوال!..

ثالثاً: الذكر الكثير.. إن درجة الذكر المستوعب هيَّ الأرقى!.. ولكن ينبغي الالتفات إلى حقيقة أن الذِكر ليسَ من صفات اللسانِ أبداً، فاللسان يتحرك يميناً وشمالاً أعلى وأسفَل، والفَك يتحرك؛ فهذا الذي في الوجه هو حركة لا ذِكر، بينما الذِكر محلهُ القلب، يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا

أي أن الإنسان عندما يمدح أحداً، فهذا ليس عمل اللسان؛ إنما القلب هو الذي يمدح وهو الذي يذم، واللسان يكشِفُ عن الباطن!.. ولهذا يمكن للإنسان أن يعلم منْ يعرض عنه دون أن يبدر من ذلك الشخص أي كلمة، ولكنه يعلم ذلك من خلال حركات وجهه!.. فإذا عَلِمَ الإنسان ما في القَلب؛ فإنه لا يحتاجُ إلى لفظ. نحنُ مشكلتنا أننا بعنا الذكر الحقيقي، واشترينا حركة اللسان التي لا تقدم ولا تؤخر!.. فلو أنَّ إنساناً قرأ دُعاء الجوشن -مَثلاً- وهو نائم؛ فإنه لا يعتبر دعاء!.. بعض المؤمنين يوصي أن تذهب جنازتهُ إلى مقام أمير المؤمنين (عليهِ السلام) هذهِ حركة طيبة؛ ولكن الجنازة هي التي تدخل الحَرم، وليس الشخص!..

فإذن، إن الزيارة هي زيارة القلوب، والذِكر هو ذِكر القلوب، وخَيرُ دليل على ذلك الآية المعروفة ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾!.. فالذكر المطمئن للقلب من جنس القلب لا من جنس اللسان، فالإنسان لا يضع -مثلا- طعاماً في يده لتشبع معدته، الطعامُ في اليَد لا يؤثر؛ إنما الذي في المعدة هو الذي يؤثر!..

آثار الوصول إلى مرحلة الذِكر الكثير..
يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.

أولاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾..
-﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الآية ما قالت: يا أيها الذين اتقوا!.. يا أيها الورعون!.. يا أيها المميزون!.. مع الأسف البعضُ منا يجعل هذهِ المقامات للغَير، يقول: نحنُ أين وهذا المقام أين؟.. هذهِ: للحوزات، وللعُلماء، ولأئمة المساجد، ولأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أنا معفيٌ عَن هذهِ المُهمة!.. ولكن ليعلم أن هذا أول مَدخل للشيطان، فهو مثل إنسان يدخل الابتدائية قائلاً: أنا خُلقت لأدرسَ في الابتدائية فقط، أما المتوسطة والثانوية والجامعة فهي لأهلها وليست لي!.. هذا آلا يُقالُ عنه: أنه مريض يحتاجُ إلى عِلاج!.. فالآية تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾!.. أي الكُل مَدعوٌ ليصل إلى هذا المقام.

-﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: كما أصبح معلوماً، فليس المقصود بالذكر الكثير هو الذكر اللساني.. ولنلتفت جيداً إلى مايلي:
1. يُقال في الحوزات العلمية: أن التكليف لغَير المقدور لا يُناسب الحكيم، لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾!.. فلو جاءت آية في القرآن تقول: يا أيها الذينَ آمنوا طيروا في السماء!.. يقال: هذهِ ليست من القرآن قطعاً، فرَبُ العالمين لا يأمرنا بما لا يُمكن.. وعليه، فإن الذِكر الكَثير إذا كانَ أمراً غَيرَ مقدور؛ لما أُمرنا بذلك في نص القرآن الكريم، كما في ورد في هذه الآية، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فهل هُناكَ أحد يقول: كُتبَ الصيام على العلماء -مثلاً- ونحنُ عامة الناس معفيون من الصلاة والصيام والحج؟.. وعليه، فإن الذِكر الكثير مقامٌ مُتاحٌ لكُلِ مؤمن!..

2. إن الذكر الكثير متاح لكل إنسان، ولكن بحسب الشِدّةِ والضعف!.. فأميرُ المؤمنين (عليه السلام) لَهُ ذِكرٌ كثير ولكنه متصل، والمؤمن أيضاً من الممكن أن يصل إلى مرحلة الذِكر الكثير، ولكنْ هُناكَ فَرقٌ بينَ الذكر المُتصل الذي هو مقامُ المعصوم، وبين الذكر الكثير: فالذكر المتصل الذي لا يخلو منه آن من حياتنا؛ هذا المعنى تقريباً غَير مستطاع، إذ ليس هناك إنسان: يأكل ويذكر الله عز وجل ذِكراً حقيقياً، ينام ويذكر الله عز وجل ذكرا حقيقياً، أول ما يستيقظ من النوم بلا تأخير يذكر الله عز وجل؛ هذا أمر غَير ممكن تقريباً!.. هذا المعنى من مقامات المعصومين (عليهم السلام) هم وصلوا إلى هذهِ المرتبة، فمن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما رأيت شيئا؛ إلا ورأيت اللّه: قبله، وفيه، وبعده).. يقول بعض العلماء: إن استغفار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) -والله العالم- هو بسبب أنَّ هذا الخَط المتصل قَد يَضعف في حلقة معينة، لا ينقطع، وإنما في ثانية قَد يَقلُ الذكر قليلاً؛ هذا الأمر عند الإمام يُعدُ معصية يستحقُ الاستغفار؛ هكذا هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

3. إن الذكر الكثير يُقصد به الذكر الكثير عُرفاً؛ أي: يأكُل فيذكر الله عز وجل، ينتهي فيشكر الله عز وجل، يخرج من المنزل فيقرأ دعاء الخروج، يركب سيارته فيقرأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، يدخل المسجد فيقرأ دُعاء الدخول: (إلهي!.. ضيفك ببابك، يا محسن!.. قد أتاك المسيئ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم)!.. يخرج من المسجد فيقرأ دعاء الخروج: (اللهم!.. اغفر ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك)؛ فهو لا يترك مناسبة من المناسبات إلا ويذكر الله عز وجل فيها، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾، فبني آدم: إما واقف، أو جالس، أو نائم، هؤلاء يذكرون اللهَ عز وجل في كُلِّ هذهِ التقلبات!..

ثانياً: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾..
إن من دواعي يقظة المؤمنين بين الطلوعين العمل بهذهِ الآية، فقبل الغروب ذكر الله عز وجل متاحٌ للجميع، ولكن المشكلة هي الذكر قبل طلوع الشمس: فالذي لا يُصلي صلاة الفجر، ولا يستيقظ بين الطلوعين؛ هذا الإنسان لا يعمل بهذهِ الآية!.. وفي آيةٍ أخرى يأمرنا أن نُسبحَ بحمدِ رَبنا قَبلَ طلوع الشَمسِ وقَبلَ غِروبِها، يقول تعالى في سورة “طه”: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.

ثالثاً: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾..
-﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾: إن رَب العالمين الذي يُصلي على النبي (صلی الله عليه) ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يُصلي على الذاكرين؛ يا لها من رُتبة!.. يقول الإمام الهادي (عليه السلام): (الدُّنْيَا سُوقٌ: رَبِحَ فِيهَا قَوْمٌ، وَخَسِرَ آخَرُونَ)، بإمكان المؤمن في هذهِ الذُنيا أن يكون كالنبي (صلی الله عليه) إجمالاً، فرَبُ العالمين يُصلي على النبي (صلی الله عليه)، ويُصلي على المؤمن الذاكر، ومن آثار تلك الصلاة أنه:

1. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فأعطاهُ الكوثر الزهراء (عليها السلام).
2. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فأعطاهُ وصياً كأمير المؤمنين (عليه السلام).
3. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فأعطاهُ سبطين كالحسنين (عليهما السلام).
4. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فجعل ذكرهُ معهُ في الأذانِ والإقامة.
5. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فجعل ذكرهُ علامة الإسلام.
6. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فأسرى به إلى أن صار قابَ قوسينِ أو أدنى.
7. صلى على النبي (صلی الله عليه)؛ فجعل ذكرهُ في الذاكرين.

وعليه، فبما أن الرَب المُصلي هذهِ قُدراته، وهذهِ عطاياه؛ لمَ لا يطرق المؤمن هذا الباب قائلاً: يا رَب!.. يا مَن خَصَ نفسَهُ بالسِمو والرفعة (فأولياؤه بعزّه يعتزّون)، يا من أعطيت النبي (صلی الله عليه) هذهِ الدرجات!.. يا رب!.. مُنَّ عَليَّ بشَيءٍ من هذهِ الدرجات!..

-﴿لِيُخْرِجَكُم﴾: هذهِ بُشرى للناس جميعاً، فبعض المقامات تُعطى مُجاهدةً، إذ إن هناك من يُصلي صلاة الليل أربعين ليلة، أو سَنة كاملة، ليُعطى المقام المحمود؛ ولكن البعض في دقيقة واحدة يُعطى هذا المقام!.. فنظرة إلهيّة إلى إنسان تغير مسار حياته؛ ومثاله: الحُر بن يزيد، هل هذا الإنسان جاهدَ نفسهُ عُمراً؟.. لا، بل كانَ في ركاب الظالمين، ولكن في يوم عاشوراء رب العالمين أخرجهُ من الظلمات إلى النور!..

وعليه: فإن الذي يترك المجاهدة؛ لأن طريقها مُتعب ومُكلِف، ولأنه هو إنسان ضعيف، وصاحب هوى؛ ينبغي له أن لا يخاف ولا يحزن، فالذِكرُ الكَثير يُغني عَن المُجاهدة!.. إن أحدنا عندما يأكل وجبة دسمة قد يشبعُ وقد لا يشبع، بينما -هذهِ الأيام- رواد الفضاء يتناولون كُل يَوم حَبة صغيرة، هذهِ الحبة تُغنيهم عن الطعام، ويمكن أن يستمروا على ذلك لمدة ستة أشهر!.. فالذِكرُ الكَثير بمثابة هذا الطعام المُركَز الذي هو غِذاءٌ للأولياء والصالحين.

-﴿مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: الظُلماتُ مُتعددة، ولكن النور واحد، فنورُ اللهِ عز وجل لا يتعدد ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾!.. من لم يَكن على الطريق المستقيم؛ فهو منحرف يميناً وشِمالاً، لذا المؤمن يبحث عن هذا الطريق الواحد!..

عوامل الوصول إلى مرحلة الذكر الكثير..
أولاً: المعرفة.. نحنُ معرفتنا باللهِ عز وجل معرفة ساذجة وبسيطة، فعلاقتنا معهُ علاقة نظرية؛ لأننا آمنا به، ولكننا لم نرَ شيئاً!.. فالمعرفة درجات:

1. علم اليقين: عندما يأتي إنسان ثقة عادل فيقول: هُناكَ نار خارج المسجد، فإننا نصدق ذلك، ويصبح لدينا علم.
2. عين اليقين: عندما نخرج ونرى النار بعيوننا؛ فهذا العلم ترتفع نسبته، العلمُ عِلم ولكنه أصبح الآن عَين اليقين.
3. حق اليقين: عندما نقترب من النار نشعر بها؛ هذا العلم يزدادُ عُمقاً.

فإذن، إن الذي أخبركَ بالنار أورثك العِلم، وعندما رأيتَ النار ازداد يقينك، وعندما لمست النار تحققت من ذلك العلم.. أنت في كل المراحل كنت عالماً، ولكن أثر العِلم في النفس اختلفَ من مرحلة إلى مرحلة!.. الأنبياء قالوا: رَبُ العالمين لَهُ وجود، والفطرة تقول: رَبُ العالمين لَهُ وجود، وقانون العليّة يقول: رَبُ العالمين لَهُ وجود؛ ولكن هل هذا يكفي؟.. إن الأمر يحتاج إلى عالمٍ آخر:

أ- إن الإمام زينُ العابدين (عليه السلام) يُبين علاقة الإنسان المميزة مع ربه من خلالِ مُناجاة المُحبين، حيث يقول: (يا نعيمي وجنتي!.. ويا دنياي وآخرتي!.. يا أرحم الراحمين)!.. أي أن الإمام يوم القيامة إذا لم يدخل الجنّة فلا ضَير، هو في صحراء القيامة سيقول أيضاً: يا رَب، أنتَ نعيمي وجنتي!..

ب- إن الزهراء (عليها السلام) في الرواية المعروفة عندما تدخل الجَنّة يأتيها الخطاب من الله عَزَّ وجل: (يا فاطمة!.. سليني أُعطكِ، وتمنّي عليّ أُرضك)!.. في هذهِ الدُنيا عِشتِ ما عِشتِ من الآلام؛ الآن ماذا تُريدين؟.. فإذا بها تقولُ كلمة لا يَصلُ إليها كِبارُ العارفين طِوالَ التأريخ، ألا وهي: (إلهي!.. أنتَ المُنى وفَوقَ المُنى)، أنا لا أريدُ شيئأً، يا رَب أنتَ مُناي وفَوقَ المُنى؛ هذا منطقهم!..

فإذن، إن المعرفة المُعمقة التي تأتي من خلال المُجاهدة والعبادة؛ هي التي تورث الذِكرَ الكثير!.. فالإنسان أيام الخطوبة يعيش الذكر الكثير لزوجته: يذهب إلى العمل ولكن فكره معها، ويأكل وهو يفكر فيها، وعندما ينام يراها في المنام.. فبني آدم في مرحلة من المراحل من الممكن أن يعيش الذكر الكثير لمخلوقٍ مثله، ولجَمالٍ فانِ!.. فإذا وصل العَبد إلى هذهِ المعرفة المُعمّقة؛ كيفَ يغفل عَن ذكرِ ربهِ؟.. فكما أن الأنبياء والأئمة لا ينسون ربّهم طرفة عين، المؤمن بإمكانه الوصول إلى هذهِ المرحلة من الذِكر الكَثير من خلال معرفة اللهِ عَزَّ وجل.

ثانياً: الطَلب الحثيث.. هكذا يعلمنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مناجاة المحبين: (أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُوصِلُنِي إِلى قُرْبِكَ)، ويستعينُ باللهِ عَزَّ وجل على كُلِّ شَيءٍ يقطعهُ عنه، حيث يقول في مناجاة له: (اللهم!.. اقطع عنا كل قاطع يقطعنا عنك)، ويقول في مناجاة المريديدن: (يا نعيمي وجنّتي!.. ويا دنياي وآخرتي!.. يا أرحم الراحمين).. ويقول في دعاء مكارم الأخلاق: (وَعَمِّرْنِي مَا كَانَ عُمْرِيْ بِذْلَةً فِي طَاعَتِكَ، فَإذَا كَانَ عُمْرِي مَرْتَعَاً لِلشَّيْطَانِ فَـاقْبِضْنِي إلَيْـكَ)؛ أي أنا لا أُريدُ الحياة للحياة، إذا كانت حياتي مرتعاً للشيطان يا رَب عَجِل موتي!. المؤمن يَصل إلى درجة يطلب من الله عز وجل الموت بإلحاح، إن لم يَكن عمرهُ في طاعة ربه، وكان مرتعاً للشيطان.

الخلاصة:
إن الإنسان المؤمن يسأل ربه في الخلوات، وفي قيام الليل، وفي المشاهد، وبشكل مُلّح: أن يعطيه من هذا الأمر الذي لا يُعطى إلا لخاصة أوليائه؛ فهنيئاً لمن دَخلَ دائرة الجَذب الإلهي؛ لأن رَب العالمين هو الذي جذبه، أحبهُ الله؛ فأحبَ اللهَ عَزَّ وجل!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى