خطب الجمع

التفكك الاجتماعي

الخلل الاجتماعي..
إن بعض المسائل لا تخص فئة دون فئة، بل تهم الجميع؛ ومنها مسألة الخلل في العلاقات الاجتماعية، أي الخلل في علاقة الإنسان مع غيره، سواء كان ذلك الغير: زوجةً وذريةً، أو أباً وأماً، أو جاراً، أو زميلاً وصديقاً، أو..الخ.. وهذه الأيام هناك الكثير من العلاقات المتوترة بين هذه الفئات: إما الأب مع أولاده، أو الولد مع أبيه، أو الزوجة مع زوجها.. لذا، فإن الإنسان الذي ينظر إلى من حوله، ولا يرى قلباً منكسراً بسببه؛ فإن هذا الإنسان في درجة عالية من درجات القرب من الله عز وجل!.. فالمسلمون عادة عند الصلاة على الميت يقولون: “اللهم!.. إنا لا نعلم منه إلا خيراً”!.. وهذا من باب حمل المؤمن على الأحسن، ولكن لو أن هذه الجملة قيلت عن إنسانٍ حي: اللهم!.. إنا لا نعلم من فلان إلا خيراً؛ لكان هذا وساماً مباركاً على صدر ذلك المؤمن!..

المحاور..
إن الناس في حياتهم على مسالك وعلى مذاهب، والإنسان يفكر فيما يُقال، يقول تعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾!.. فمنهم من له:

أولاً: محورية الذات.. وهذه تختلف عن محورية الهوى، فمن له هذه المحورية هو إنسان يريد أن ينمي ذاته، وأن يكون إنساناً كبيراً وعظيماً!.. والناس هنا قسمان:

1. أهل البحث عن الكرامات: إن بعض الذين يواظبون على: العبادات، والطاعات، والختومات، والأذكار؛ هم لا يريدون بذلك وجه الله عز وجل، إنما لهم هدف آخر: كتسخير الجن، أو ليعلموا ما في نفوس الناس، أو لتظهر منهم بعض الكرامات.. وقسم من هؤلاء يتعامل بهذه الكرامات، ليستفيد منها مالاً؛ فهناك من يفتح محلاً تجارياً ليكتسب المال، وهناك من يتكهن بالغيب؛ كسباً للمال أيضاً كأي عمل تجاري!.. وعليه، فإن هذه الفترة من عمره التي قضاها في العبادة، عادت عليه بمكاسب دنيوية!..

2. المرتاضون: إن قسماً من عباد الذات كأولئك المرتاضين الذين في بلاد الهند، هؤلاء يعاقبون أنفسهم، بالجلوس تحت الشمس لأيام وليال، وينامون على الشوك؛ هؤلاء لا يعبدون الهوى؛ إنما هم عباد الذات؛ يريدون أن يصلوا إلى درجة -مثلاً- تجعلهم يؤثرون في الشيء بمجرد نظرهم إليه!..

ثانياً: محورية الهوى.. إن بعض الناس لا ينظرون إلى الذات، بل ينظرون إلى الهوى؛ هؤلاء في درجة أسفل؛ لأن همهم: البطن والفرج!.. كأولئك الذين في بلاد الغرب، هؤلاء يصبحون ويمسون، منتظرين نهاية الأسبوع: ليأكلوا، ويشربوا، ويستمتعوا، ويشربوا ما يسلبهم عقولهم، وتكون لهم ليالٍ حمراء؛ هؤلاء عباد الـهـوى، لا عباد الذات!..

ثالثاً: محورية المجتمع.. إن هناك قسماً محوره الناس، وهؤلاء قسمان:

1. الحكام: إن هذه الفئة من الناس همها الحكومة، لذا يحكمون أياماً ويذهبون.

2. الثوار: إن هؤلاء مثلهم الأعلى بعض الزعماء السياسيين في التاريخ، كأصحاب الثورات المعروفة، هؤلاء همهم أن ينقذوا بني جنسهم وقد لا يكونون مسلمين، فمحرر الهند لم يكن مسلماً، ولا على دين صحيح، ولكن بأثوابه البالية كان يحاول أن يحرر شعبة.. فإذن، إن بعض الناس يدور في هذا الفلك الذي هو فلك: المجتمع، والسياسة، وتحرير الأمة، والشعب، ..الخ.

رابعاً: عُبّاد الهدى.. إن هؤلاء في دائرة خارج الدوائر الثلاث السابقة، وهم الذين جعلوا الله عز وجل محور حركتهم في الحياة.. فعندما يذهب الإنسان إلى الحج أو العمرة، فإنه يقوم بحركة رمزية ألا وهي الطواف حول البيت؛ ولكن هذه الحركة لها قيمة في عالم المعاني؛ أي يا رب، أنت محور حياتي، أنا عبد لك!.. وعليه، فإن الذي يجعل هذا هو المحور، من الطبيعي أن حياته مع الناس تختلف!..

موجبات الالتفات في التعامل مع الغير..
أولاً: النظرة الإلهية للغير.. إن هذا الإنسان عندما يعاشر الخلق، ينظر إلى انتسابهم إلى الله عز وجل، ولاسيما الوالدين.. والحال أن هناك -في بعض البيوت- تطاولاً على الأب المؤمن الذي ربى ولده، وإذا به في يوم من الأيام يرى نفسه ضحية بين يدي ذلك الولد.. بينما الآية القرآنية تقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.. انظروا التفصيل!..

أ- أبوان كافران.

ب- أبوان مجاهدان في طريق الكفر؛ أي أنهما على رأس حزب إلحادي.. فـ:﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾؛ تعني أن هناك دعوه حثيثة، كي يجعلوا ولدهما يكفر بالله عز وجل.

ج- إن الآية بكل بساطة تقول: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾؛أي هذا أب كافر يدعوك إلى الكفر والإلحاد؛ فلا تسمع كلامه!..

د- بما أن هذين الأبوين كافران، فإنه من المتوقع أن تقول الآية في المقابل ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وسنعذبهما عذباً أليماً!.. ولكنها قالت: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ أي هذا الأب الملحد، هذا الأب المجاهد في الإلحاد؛ صاحبه في الدنيا معروفاً؛ فكيف إذا كانا مسلمين؟!.. وكيف إذا كان مؤمنين؟!.. وكيف إذا كانا تقيين؟!..

إن المؤمن يجب أن يكون عزيزاً، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وبعض المواقف:

* يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾!..

* عن أبي عبدالله (عليه السلام): (إنّ اللَّهَ فوّضَ إلى المؤمِن أُمورَهُ كلَّها، ولم يفوِّض إليهِ أن يُذِلَّ نفسه، ألم ير قول الله عز وجل ههنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾)!.. فرب العالمين فوّض إلى المؤمن أموره كلها، فهو يستطيع أن: يتزوج من يشاء، ويطلق من يشاء؛ فهذه حياته الشخصية.. ولكن لم يفوّض إليه أن يذل نفسه!..

* عن الإمام العسكري (عليه السلام): (ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تُذله)!.. إن الذّل للمؤمن أمر ممنوع، فبعض الأوقات هناك من يشتهي شيئاً؛ هذا الشيء لا ينال إلا بالمال، وهذا المال لا ينال إلا بالاستقراض أو بالطلب من الغير، والغير لا يعطي الأموال بسهولة، فلماذا يشتهي الإنسان شيئاً يجعله ذليلاً؟.. كأن يذهب إلى المصارف ليطلب قرضاً حتى لو أن هذا القرض ليس ربوياً، ليغيّر سيارته -مثلاً- وهي سليمة؟!.. الذل ممنوع؛ المؤمن لا يذل نفسه!..

* إن المسلمين يوم فتح مكة طافوا حول البيت طواف الشجعان، أظهروا أنفسهم بمظهر القوة، كما جاء في التاريخ: “في العشرين من شهر رمضان عام ثمانية هجرية، يتقدمهم رسول الله (صلی الله عليه) على ناقته القصواء، يحف به كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، حتى بلغ الكعبة، ثم كبر فكبر المسلمون، ثم طاف بالبيت سبعاً، ثم انهال على الأصنام المنصوبة حول الكعبة، وأخذ يكسرها ويحطمها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾”.

* مرت جنازة يهودي والنبي (صلی الله عليه) جالس، فوقف النبي (صلی الله عليه) كي لا تعلو رأسه جنازة اليهودي، تقول الرواية: (كان الحسن بن عليّ (عليه السلام) جالساً ومعه أصحاب له فمرّ بجنازةٍ ، فقام بعض القوم ولم يقم الحسن (عليه السلام)، فلمّا مضوا بها قال بعضهم: ألا قمت عافاك الله، فقد كان رسول الله (صلی الله عليه) يقوم للجنازة إذا مرّوا بها، فقال الحسن (عليه السلام): إنّما قام رسول الله (صلی الله عليه) مرّة واحدة، وذاك أنّه مرّ بجنازة يهوديّ وكان المكان ضيّقاً، فقام رسول الله (صلی الله عليه) وكره أن تعلو رأسَه).. لم يسمح أن يكون جالساً والجنازة عالية، فهذه جنازة إنسان غير مسلم!..

ولكن القرآن الكريم في موضع من المواضع يقول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة﴾؛ أي كن أمام الأبوين ذليلاً، ولكن هذه ذلة الرحمة، لا ذلة الضعف!.. وعليه، فإن الذي ينظر إلى الغير بهذا المنظار؛ من الطبيعي أن تتغير نظرته للحياة!.. فصاحب تفسير الميزان عندما يصل إلى قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يقول: “وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات، كما أن عقوقهما أكبر الكبائر بعد الشرك بالله.. ولذلك ذكره بعد حكم التوحيد، وقدمه على سائر الأحكام المذكورة المعدودة..”.. فالذي يخالف الشق الأول هو إنسان مشرك، والذي يخالف الشق الثاني هو عاق بالوالدين؛ فهذا المفسر الكبير لم يذهب بعيداً حيث يقول: عقوقهما أكبر الكبائر بعد الشرك!.. هناك من الذين لم يفهموا الشريعة حق الفهم من يقول: ما فائدة الدعاء للأموات، ولماذا نقرأ الفاتحة لهم؛ هل له رجحان!.. هناك كلمة جميلة لأحد المفسرين، يقول: نعم له رجحان بنص القرآن الكريم القرآن، فهو يدعونا لأن ندعو للوالدين الأحياء أو الأموات، فالآية لم تقل: ادع للأبوين اللذين على قيد الحياة، بل قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾؛ أي ارحمهما على كل حال!.. ولو أن هذا الدعاء ما كان مستجاباً، لما أُمرنا في كتاب الله عز وجل بطلب الرحمة للوالدين.

الدرس العملي:
1. إن من يريد أن يكون موفقاً في التعامل مع الغير، سواء كان: أباً، أماً، زوجةً، ابناً، جاراً، قريباً، رحماً، أو صديقاً؛ عليه أن ينظر إلى الخلق بهذا المنظار الإلهي.

2. إن ما يقال للزوجين المتزوجين حديثاً هو نفسه ما يقال للزوجين في ساعة الاحتضار: أنـظـر إلى زوجتك على أنها أمانة إلهية!.. فإن كانت معه في خلوة الليل، أو في سفر بعيد، حيث لا ناصر لها هناك؛ لا يختلف الأمر؛ إنها أمانة إلهية!.. يقول تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾؛ ألا يكفي هذا؟!.. أم لابد من العشيرة، ومن الأبوين، ومن الشرطة؟!.. من يعلم أن هذه الزوجة أمانة إلهية عنده، لا يحتاج إلى كل هذه الأمور!..

3. إن يوم القيامة هناك محاكم مختلفة: محكمة الأبوين، ومحكمة الزوجين، ومحكمة الجيران.. فإذا دخل الإنسان المحكمة الإلهية الخاصة بالزوجين؛ ماذا يجيب رب العالمين حول هذه الأمانة؟!..

4. إن الأمر ينطبق أيضاً على الزوجة، فقد روي عن النبي (صلی الله عليه): (جهاد المرأة حسن التبعل لزوجها).. فالزوجة التي تنظر على أن جهادها في حسن تبعلها، أيضاً تصبر على سوء خلق الزوج ولو كان مؤذياً!..

ثانياً: باب التزاحم.. إن من موجبات الدقة في التعامل مع الغير، الالتفات إلى العوارض.. وهذا المعنى موجود في الخلاف بين الزوجين: فبعض النساء تطلب الانفصال عن الزوج لتنعم بالراحة، ولكن ذلك يكون على حساب ذريتها، وعلى حساب كرامتها!.. فكما أن أحب الأبنية إلى الله عز وجل الزواج، فإن أبغض الحلال إليه هو الطلاق!.. لأنه عندما يقع الطلاق الذي يمكن أن يُعبّر عنه بالزلزال العائلي؛ فإن الخاسر الأكبر هم الأولاد.. فهذه الأيام تكون البنت تحت كنف أبوين: صالحين، مؤمنين، مراقبين، وعاطفيين؛ أي كل هذه الأمور مهيأة: أم في قمة الحنان، وأب في غاية الرعاية!.. وإذا بهذه البنت في أول إشارة من أجنبي، تذهب إليه بالحرام لا بالحلال!. فهذه البنت تحت الرعاية، وتحت العاطفة الأبوية، ولم تسلم من عوامل الانحراف؛ فكيف بعائلة مفككة: لا عناية الأب، ولا عاطفة الأم؛ من المؤكد أن البنت تصبح في مهب الرياح!..

الدرس العملي:
إن هناك من لا يلتفت إلى العواقب، فالقضية ليست تخلص من هذا الزوج!.. المؤمن عنده حساب يمكن تسميته “حساب التزاحم”، فمثلاً: لو أن هناك إنساناً لم يصلِّ، وصار في آخر الوقت، وبقي على الأذان عشر دقائق، فإن الصلاة تسقط عنه إلزاماً، ولو صلى كان آثماً عندما يكون على الشاطئ، وهناك غريق يطلب النجدة!.. فلو قال: الله أكبر!.. وغرق ذاك الإنسان؛ فإن دمه في رقبته!.. عليه أن يدع الصلاة ويذهب لإنقاذ ذلك الغريق حتى لو غربت الشمس؛ فإنه في براءة؛ لأنه كان هناك تزاحم!.. فالمؤمن له هذا الميزان، والذي ينظر إلى قانون التزاحم؛ يعيد النظر في حساباته!.. يحاول أن يفكر في عواقب مقاطعته لزوجته وتركها، وعواقب البقاء معها!.. أحدهم له كلمة جميلة يقول: صحيح أن المشكلة الاجتماعية -مشكلة الزوجة- هذا بلاء عظيم، ولكن من ناحية أخرى من أسهل أنواع البلاء؛ فهو بلاء:

أ- عظيم: لأنه من الصعب جداً أن يعيش إنسان مع امرأة لا ينسجم معها!..

ب- سهل: لأن أمرها بيده!.. وهذا أسهل من بلاء الظلم من الغير، فالأمر بيده: متى شاء من الممكن أن ينفصل عنها، أو يصلح أمرها، فهو قوّام عليها كما تقول الآية الكريمة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾.

ثالثاً: التخلق بأخلاق الله.. إن الذي يريد أن يكون موفقاً مع الخلق، ومؤثراً في الغير؛ عليه أن يتخلق بأخلاق الله عز وجل.. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (تخلّقوا بأخلاق الله)!.. فمن كان على صلة بالله عز وجل، رب العالمين يضفي عليه شيئاً من صفاته، ويصير مظهراً لصفات الله عز وجل.. ومن صفات رب العالمين أنه: ودود، رؤوف، رحمن، رحيم.. فالذي يمشي في طريق العبودية؛ رب العالمين يلقي عليه من مودته، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جزاؤهم ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاِ﴾؛ ولكن ما هي هذه المودة؟.. عن علي (عليه السلام) قال: (سألت رسول الله (صلی الله عليه) عن قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاِ﴾ ما هو؟.. قال: المحبة في قلوب المؤمنين، والملائكة المقربين..).. مثال ذلك:

1. العائلة: إن هناك في كل أسرة -تقريباً- ولداً محبباً إلى الوالدين أكثر من الآخرين -عادة يكون هذا الولد تقياً- رغم أنه قد يكون بعيداً، وهناك ولد آخر يخدمهم كثيراً، ويتفانى في خدمتهم؛ ولكنه فاسق.. فعندما يُسأل الأبوان: أي الولدين أحب إلى قلبكما؟.. وإذا بهما يشيران إلى ذاك الولد التقي الذي على طريق الهدى!.. صحيح أن الولد القريب منهما إنسان خدوم، ولكن ذلك الولد البعيد هو من الذين عملوا الصالحات؛ لذا رب العالمين يلقي محبته في قلوب الأبوين!..

2. الزوجان: قد يكون هناك زوجة من عائلة ثرية ومتعلمة، والزوج من عائلة فقيرة، وكبير السن، ومظهره لا يوحي بالجاذبية؛ وكل موجبات النفور موجودة فيه؛ ولكنه عبد صالح.. وإذا بهذه الزوجة تتفانى في حبه؛ هذا معنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاِ﴾؛ فهذا الإنسان المؤمن محبته في قلوب المؤمنين، والملائكة المقربين.. والملائكة إذا أحبت إنساناً؛ فإنها تُؤمّن على دعائه، وإذا مرض قد تعوده!..

3. أمير المؤمنين: إن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية، هي الود الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاِ﴾..

أ- عن البراء قال: قال رسول الله (صلی الله عليه) لعلي: (قل: اللهم!.. إجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك وداً، وإجعل لي في صدور المؤمنين مودة.. فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، قال: فنزلت في علي)..

ب- عن ابن عباس في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاِ﴾، قال: (المحبة في صدور المؤمنين، نزلت في علي بن أبي طالب)..

ج- عن محمد بن الحنفية (ر) في هذه الآية: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، لا تلقى مؤمناً إلاّ وفي قلبه ود لعلي بن أبي طالب)..

إن هناك من ينتعش قلبه لمجرد ذكر علي (عليه السلام)، وهناك من يقول عند ذكر أرض الغري، أو أرض النجف: يا ليتني كنت في هذا الطريق!.. فبعض زوار مشاهد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عندما يصلون مقربة البلدة الطاهرة تجري دموعهم؛ شوقاً للمعصوم، حتى قبل أن يصل إلى كربلاء -مثلاً- وقبل أن تلوح القبة السامية؛ ولكن شوقهم إلى مواليهم تجعلهم في هذه الحالة!.. هذا هو الود الذي يجعله الله عز وجل في قلوب المؤمنين!.. فهنيئاً لمن كان محبوباً: للناس، والملائكة، ورب العالمين!..

محبة الله تعالى للمؤمن..
أولاً: إن بعض المؤمنين كأنه يستثقل الموت، لذا فإن رب العالمين يريه شيئاً من متاع عالم الآخرة لتطيب نفسه وتهدأ؛ أي أن رب العالمين لا يريد أن يجبر عبده على الموت، يقول: إن كنت تريد هذه النعم؛ فتفضل إلينا!.. تقول الرواية: (قلت للصادق (عليه السلام): جعلت فداك يا بن رسول الله!.. هل يُكره المؤمن على قبض روحه؟.. قال: لا والله، إنه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا ولي الله!.. لا تجزع، فوالذي بعث محمداً، لأنا أبرّ بك وأشفق عليك من والدٍ رحيمٍ لو حضرك، افتح عينيك فانظر!.. قال: يتمثّل له رسول الله (صلی الله عليه)، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (عليهم السلام)، فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (عليهم السلام) رفقاؤك، قال: فيفتح عينيه فينظر، فينادي روحه منادٍ من قبل ربّ العزة فيقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ إلى محمد وأهل بيته، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾ بالولاية، ﴿مَّرْضِيَّةً﴾ بالثواب، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾؛ يعني محمداً وأهل بيته، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾؛ فما شيءٌ أحب إليه من استلال روحه، واللحوق بالمنادي).

ثانياً: يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾!.. إن محبة الأمهات لأولادهن هي أشعة من المحبة الإلهية، فرب العالمين هو الذي قذف الأمومة في قلوب الأمهات، فكيف بالرحمة الإلهية!.. إنْ كانت شفقة الأم هكذا؛ فكيف بشفقة من جعل المودة في قلوب الأمهات؟!.. وعليه، فإن رب العالمين أشفق علينا من آبائنا وأمهاتنا!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى