خطب الجمع

التزود من بركات الرضا (عليه السلام)

غريب الغرباء..
إن السبيل إلى زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) -بحَمد الله تعالى- مُيسرةٌ في كُل القرون، فما جرى على مقام الحُسين (عليهِ السلام) لم يجرِ مثلهِ بالنسبةِ إلى مَدفَنِ الإمام الرِضا (عليه السلام)!.. كما أن وسائل السَفر مُيسرةٌ وسريعة هذه الأيام، أما في الأزمنة الغابرة فقد كان الذهابُ إلى أرضِ طُوس يحتاجُ إلى معاملة، ومن يَذهب قد لا يرجع، فالحَج بالنسبةِ إلى أهل العراق تقريباً كالذهابِ إلى بَلد الإمام (عليه السلام).. ومن هُنا سُميَّ بـ”غريبِ الغُرباء”، لا مِن حَيث الزائرين، وإنّما من جِهةِ بُعدِهِ عَن موطنِ آبائه، فالإمام كانَ في المَدينة بجوارِ قَبرِ جَده، وأُخرجَ قَسرَاً إلى أرضِ خُراسان إلى أن ماتَ في أرض الغُربَة، ويكفيه أذىً وإيذاءً أنّهُ تَركَ فَلذةِ كَبدِه الإمام الجَواد (عليهِ السلام) في المَدينة وهو صَغير.. وبما أن رَب العالمين بناؤهُ على التعويض، ففي مُقابل هذا الابتلاء وهذهِ المِحنَة نرى أنَّ أرض طُوس من أكثَر البُلدان زيارَةً وقَصدَاً، فالمُؤمنون يقصدونَ هذا البَلَد على مر العصور.

أنواع الزيارة..
أولاً: عدم التغيير.. إنّ البَعض يَذهَب للزيارة ويَرجِع إلى وطنهِ كما هو، لا يرى في باطنهِ تَغييراً جوهريّاً.. فالإنسان المسافر يصرف المال والوقت؛ لذا عليه أن يستثمِر هذهِ الزيارة. فالإنسان عندما يَذهَبُ إلى الحَمام أو يَذهَبُ إلى البحَر، لابد أن يُحدث تغييراً، أي هناك فرق بين حالتي قبَلَ الذَهاب وبَعدَ الذِهاب: فمن يكون على بَدنِهِ غُبار، ورائحة غَير طيبة، فإنه عندما يستَحِم يرى آثارَ الطهارَةِ والنظافة.. وزيارة المعصومين (عليهم السلام) بمثابة الذِهابِ إلى النَهر الجاري، بل إلى المُحيط الواسع؛ أي منَ المفروض عندما يرجع مِنَ الزيارة، أن يرى في باطنهِ شيئاً ما.

ثانياً: التغيير المؤقت.. إن البعض عندما يذهَبُ للزيارة، يكتفي بحالاته الإيجابية في الحَرم الشَريف، فيفرح بالليالي والأيام الجميلة التي قضاها؛ لأنه أقام صلاة الليل بتوجه، وبكى عِندَ الضريح، وتوسل به إلى اللهِ عَزَّ وجل، بينما لا ينبَغي أن يُغَشَ بهذهِ الحالات؛ لأن هذهِ ضيافَةُ المعصوم!.. فمن يَذهَب لزيارةِ المعصوم؛ ذلك المعصوم يلتفتُ إليه، وإذا التفتَ إليه يتصرفُ في باطنه، فهذه النفحات القُدسيّة التي تحتَ قُبة الحُسينِ (عليهِ السلام) وأبنائهِ المعصومين هي مِن لوازم هذهِ الأماكن الطاهرة.. إذن، هو لم يتغيّر، إنما الجَو هو الذي تَغيّر، والمكان هو الذي تَغيّر.. وبالتالي، فإن هذه الحالات هي حالات مقطعيّة. يقول العلماء: أن هناك فرقا بينَ الحال والمقام، فهذهِ الحالات الطارئة التي يشعر بها الإنسان في يوم عَرفَة، أو في الطَواف، أو أيامَ الحَج؛ هذه تُسمى حالة لا مقامَاً، هو لم يصل إلى مقام الخَشيَة. وهذهِ الخَشية الموسمية، والإقبال الموسمي لا يعوَلُ عليهما؛ لأنه يَرجِع إلى أرض الوطَن كما كان.. إذن، لابُدَ من تحويل الحال إلى مقام.

ثالثاً: التغيير الجوهري.. إن تحويل الحال إلى مقام أمر يحتاجُ إلى عَمَل؛ فالإنسان الذي يَذهَبُ إلى النَهر ليستحم: لابُدَّ أن يخلِعَ ملابسه، ويدخُل النَهر، وعليه أن يتحمَل برودته، ويتحَمَل المخاطِر التي قد يصادفها: كوجود تيار مائي، أو حيوانات مفترسة؛ أي لابُدَ أن يتحرَك، وإلا فإن جلس تحت الشمس بجوار النهر؛ هذا ليس استحماما.. البَعضُ يَذهَب لمشاهِد المعصومين (عليهم السلام) ويعيش بعضَ الأجواء الروحيّة، ولكنَهُ لا يدخُل النَهر، من مصاديق ذلك هذه الرواية عن النَبي الأعظم (صلی الله عليه) حولَ الصلاة حيث يقول فيها: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء)؟!.. أي لو كانَ هناك نَهر، ولكن الإنسان لم ينزل إليه ولم يدخل فيه، بل جلس إلى جانبه وأخذ ينظر إليه وهو يأكُل ويشرَب؛ فإنه لن يصل إلى النتيجة المرجوة، بل عليه أن يغتسل فيه كما قال النَبي (صلی الله عليه).. إذن، دِخول النَهر من موجبات الطهارة. ولحدوث هذا التغيير الجوهري لابد من:

1. الاعتكاف الروحي: إن الزيارة قَطعة مِن العُمر، لذا ينبغي للإنسان أن يجعلها مُميزَة، ويجعلها اعتِكافاً روحيّاً، فالمُراقَبة المُشددة في هذهِ الأيام القصيرة أسهَل من المُراقبة طوال العام، يحاول أن يكون مِثاليّاً، ويجعل كُلَّ شَيءِ في أفضلِ حال كالالتزام: بقلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المُعاشرة، والتَفَكُر، والتَدبُر، والذكر الدائم، فهذه الأمور من الممكن الالتزام بها في أربعةِ أيام.. بينما البَعضُ في السَفَر: يأكُل كَثيرا، وينامُ كَثيراً، ويتكلمُ كَثيراً معَ رفقة السَفَر، ويمزَحُ صباحاً ومساءً؛ أي أنه لم يحوّل سَفرهُ هذا إلى اعتكافٍ روحي، فالزيارة تبدأ مِنَ المنزل إلى المَنزِل: فهو في المطار زائِر، وفي الطائرة زائر، وفي الحَرمِ زائِر، في هذهِ الفترة ذِهاباً وإياباً عليه أن يكون على أحسَنِ حال!..

2. الزيارة الروحية: أي يجب مواجهة المعصوم بروحه، فنحن عادَةً نَدخُل الحَرَم ونخرجُ منه، في هذه الحالة الأبدانُ تزورُ قَطعَاً، ولكن كزيارة الجنائز؛ فالجنازة تدخُلُ الحَرم وتخرج، ولكن لا يقال: فُلان زارَ المعصوم (عليهِ السلام) بَعدَ موته، بل يقال: جنازتهُ أُدخلت الحَرم، فدخول الحَرم كان دِخولاً مادّياً، والجِسم أيضاً عندما يَدخل ويَخرُج هذا أشبَهُ بالجنازَة؛ لذا لابُدَ مِن المواجهة الروحيّة!.. إذ إنه ينبغي للإنسان في مشاهِدِهِم الشريفة أن يوجِد شُعاعاً نوريّاً بينَ القَلب وبينَ روح المعصوم. ليسَ الكلام في تقبيل الضريح ولا مُلامسته، بل في أن تُلامس روح الزائر روحَ المعصوم؛ ولكن هذهِ المُلامسة كَيف تتم؟.. الإنسان أدرى بنفسه، فكما أن بعض الناس يغمضُ عينيه في الصلاة حتى لا يرى شيئاً، وينتقل ويتوجه إلى عالمٍ عِلوي، عِندَ زيارة المعصومين (عليهم السلام) يمكن أن يكون الأمر هكذا!.. فالمعصومُ غائبٌ، وهذا الضَريح لا يُمثَل المعصوم، هو جسمهُ في التُراب، وعلى التُراب صندوقِ قَبرٍ، وعلى الصندوق ضَريح، فالزائر لا يرى جِسمَ الإمام؛ لأن حقيقة الإمام حَقيقة نوريّة ملكوتيّة في المَحل الأعلى.

فإذن، إن الوقوف أمام المعصوم أمر يحتاج إلى بلوغٍ باطني!.. هذا كلامٌ سَهلٌ على اللِسان، ولكن في مقام العَمَل الأمر يحتاج إلى ترقٍّ، إذ ليسَ كُلُ إنسان بإمكانهِ أن يُخاطب المعصوم بروحه، ولهذا بَعض كِبارَ القَوم يقفُ أمامَ قَبر المعصوم من مَدخَل الحَرم، لا يتكلف الدخول في الازدحامِ، بل يجلس في زاوية ويطرق بعينيه إلى الأرض، ساعات وهو في حالِ ذِهول، كأنه يُكلِمُ أحداً، هو في حالِ جِلوس ولكنه في عالم آخر!.. هذا الإنسان وصلَ إلى مرتبة مِنَ الكَمال، تخولهُ أن يُحدث المعصوم بباطنه، ولهذا فجأةً يجهَشُ في البُكاء، رغم أنه لم يدخل الحَرم، ولم يلمس الضريح، ولم ير شيئاً، ولكن تراهُ في حالة تفاعلية!.. وأكثر الناس المرشحين لهذا الأمر، هم الذين يصلون صلاة خاشعة، هؤلاء بإمكانهم التفاعل مَعَ الإمام هكذا تفاعُل؛ فبعض الأمور تحتاج إلى إعدادٍ مُسبَق.

3. التشبه بالمزور: إن أفضل هَديّة في زيارة المعصومين (عليهم السلام) هي معاهدة اللهَ عَزَ وجل في محضرهم، على الإقلاع عن: مُنكرٍ، أو سَيئة، أو صِفةٍ قَبيحة.. البَعضُ مشكلتهُ في الجوارح، والبَعضُ مشكلتهُ في الجوانِح، وخطأُ الجوارح أيضاً يعودُ إلى الجوانح. فمن عندَهُ زلة النَظر، أو الإكثار من القَول؛ يحاول أن يترك هذا العَمَل ببركة الزيارة.. والبَعضُ لَهُ قِبحٌ باطني، فإن كان يعاني من صفة: الحسد، أو الكبر، أو الحقد، أو البخل؛ يرجِع مِنَ السَفَر وقد غيّر هذهِ المَلَكَة.. فالزائر المثالي هو الذي لو زارَ الإمام موسى بنِ جَعفَر (عليهِ السلام) المُلَقَب بالكاظِمِ (عليه السلام)، يرجع وهو متحلٍّ بصفةِ كَظم الغَيظ، وكذك بصفة الكرم؛ تأسياً بالإمام الجواد (عليه السلام) -فالجَدُ والحَفيد في ضَريحٍ واحد- عندئذ تكون هذه الزيارة مِن أفضَل الزيارات، ولو لم يقرأ زيارة واحدة، أو لم يُصلّ ركعتين في ذلكَ الحَرم الشَريف؛ فإنه يُعدّ من أفضلِ زواره!..

التأسي بالإمام الرضا..
إن أباه موسى بن جعفر (عليه السلام) مُشتَهرٌ بصفة كَظم الغَيظ، ووَلَدهُ الجواد (عليه السلام) مُشتَهرٌ بصفة الجُود، أما الإمام الرِضا (عليهِ السلام) فقد لَقَب بالرِضا، وبالتسليم لأمر اللهِ عًزَّ وجل.. فالمحنة التي مرت على الإمام الرٍضا (عليهِ السلام) لم تَمر على آبائهِ ولا على أبنائه، والبَلاءُ الذي وقعَ فيهِ الإمام (عليه السلام) لم يَمُر حتى على جَدهِ الحُسين (عليه السلام): إمام يٌفرض عليه أن يكون ولي عَهدٍ لطاغوتٍ من طواغيت العَصر؛ ألا وهو المأمون العباسي!.. الإمام حُجة اللهِ على الخَلق، الحَبل المُتصِل بينَ الأرضِ والسماء، يُجبَر على الجلوس إلى جانب المأمون هذا الظالم المستهتر بعنوانِ “ولي العَهد” يا لَهُ مِن بلاء!.. وهذه الرواية تكشف عظم محنته وبلائه: (كان الرضا (عليه السلام) إذا رجع يوم الجمعة من الجامع، وقد أصابه العرق والغبار، رفع يديه وقال: «اللهم إن كان فرجي ممّا أنا فيه بالموت، فعجله إلى الساعة»)، ولكن الإمام (عليه السلام) كان مُستسلماً لما جرى عليه، ولهذا قَبِلَ بولاية العَهد على أن لا يُحرِكَ ساكِناًـ

وعليه، فإن من يريد أن يكون على خَطِ الإمام الرضا (عليه السلام) وعلى نَهجه، ويستفيد من حياةِ هذا الإمام العَظيم الهُمام، لينظُر إلى قَلبهِ في المِحنِ والحوادث!.. فهذه الدنيا لم تُخلق ليكون الإنسان مرتاحاً فيها، وإن كان مَلك المِلوك: فالفَقيرُ يشكو فقره، والمريضُ يشكو مَرضَه، والمَلكُ يشكو خَوفَهُ مِن زوالَ مُلكه.. فإذن، إن الإنسان لا ينفك عَن بَلاء في حياته، فلو نظر إلى من حوله في جَولَة سريعة، واستحضر الأرحام والأصدقاء، فإنه لا يرى واحداً منهم خالياً من مُشكلةٍ تؤرقه: إما في بَدنه، إما في ماله، أو في أمنه، أو في عائلته، أو في ذُريته، أو في عمله، لن يرى مَن ثُنيت لَهُ الوِسادة في كُل الأمور، ولو أنه في فترة من الفترات كانت الدنيا له مستوسقة، ولكن بَعدَ أيام يصبح عاليهُ سافلَه، لذا لابُد أن يتعود على مواجهة البلاء!..

أحوال الناس..
الصنف الأول: المتبرم.. إن البَعض أمامَ البلاء يتبرَم، والمتبرم من البلاء كأنّهُ يقول: يا رَب، ما أحسنتَ الاختيار –أنت لستَ بحكيم– أنا مِن المفروض أن أكون مُعافى، ثَريّاً، كُل الأمور بيدي، ولكنّكَ بغيرِ حِكمةٍ أمرضتني!.. هذا لسانُ الحال لا لسان المَقال، فلو قالها كانَ كافِراً.. والبعض يقول: يا ليت لم يَقع هذا البلاء، و(لو) لم يحدث ذلك، روي عن رَسُول اللَّهِ (صلی الله عليه) أنه قال: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ!.. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).

الصنف الثاني: الصابر.. البَعضُ لا يتبَرَم، ولكنَهُ يتحَمّل، ولا يُظهِر تبرمهُ، بَل يصبِر!.. هذهِ درجة طيبة؛ ولكن ليس هذا هو الكَمال، فالصابر في منتصف الطريق هو ناجحٌ نسبياً، ليس كالمُتبرم فذاك ساقِط، ولكن هُناكَ مرحلة أرقى مِنَ الصَبر!..

الصنف الثالث: الراضي.. إن الأرقى مِنَ الصَبر، هو أن يرى الإنسان أن ما هو فيه أفضل الحال، فيرى البلاء نعمة إلهية، ولُطفَاً ربانياً.. فالإنسان الذي في قَدمِهِ ورَمٌ خَبيث، هذا الورم لو تُرك، يصل إلى القَلب ويرديه قتيلاً؛ لذا فإنه يذهَب إلى المُستشفى، وقد يقترضُ مَبلَغاً مِنَ المال، ويطلب من الطبيب أن يقطع رجله، وإن أمهله الطبيب لبعض الوقت لأنه مشغول، فإنه يُقبل يَدَه، ويُعطيهِ المالَ الوَفير ليقوم بقطع رجله!.. فهو مستسلمٌ لعلمهِ بأمرين:

الأول: حكمته: إن المريض يستسلم للطبيب عندم يعلم أنه حاذق عالم، ولا مُشكلةَ لَهُ مَعه، فلو كانَ عدواً مِن المُمكن أن يبتر رجلهُ عِدواناً.
الثاني: رأفته: إذا كانَ الطبيب هو والده، وفي غاية الشَفَقة والحِكمةِ والعِلم؛ فإنه يستسلم أمامه!..

فإذن، إذا وَثِقَ الإنسان بحكمة اللهِ عَزَّ وجل وبرأفته؛ عندئذ لا يخاف من البلاء.. فالمؤمن المُصلي، الذي يُقيم الليل، ويحمل في قلبِه حُبّ أوليائه، وحُبَّ مُحمدٍ (صلی الله عليه) وآله؛ فإن علاقته برَب العالمين هي علاقة الحِكمةِ والرأفة!.. ومعرفة هذه الأمور، تجعل المؤمن يقف أمام البلاء كالجبل الأشم.

الدعاء..
إن العبد يَومَ القيامة ينظُر إلى دعواته، يرى أنّهُ في حياتهِ الدُنيا دعا ألفَ دعوة -مَثلاً- مِن بلوغهِ إلى المَوت، وقد أُستجيب له خمسمائة فقط من أصل ألف: طَلِبَ زَوجة صالحة أُعطي، طَلِبَ منصباً أُعطي، طَلِبَ ذُريةً أُعطي، ..الخ، رَب العالمين يعوضهُ على الخمسمائة التي لم تُستَجَب تعويضاً لم يخطُر بباله؛ روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إنّ الربّ ليلي حساب المؤمن فيقول: تعرف هذا الحساب؟.. فيقول: لا يا رب!.. فيقول: دعوتني في ليلة كذا وكذا في كذا وكذا، فذخرتها لك، قال: فممّا يرى من عظمة ثواب الله يقول: يا ربّ!.. ليت أنّك لم تكن عجّلت لي شيئاً وادّخرته لي).

فإذن، إذا نزلَ البَلاء بالمؤمن، عليه أن يدعو بكَشف هذا البَلاء، ويدعو بإلحاح؛ ولكن لا يستعجل الاستجابة!.. عليه أن يقدّم الطَلَب، وينام قريرَ العَين، فمُقلّب القلوب يعلَم أينَ المصلَحة!..

الخلاصة:
إن الدَرس العَملي من حياةِ الإمام الرضا (عليهِ السلام)، هو أن نتأسى بِهِ في صفة “الرضا”؛ لذا عند زيارته (عليهِ السلام) أو زيارة أحد آبائه (عليهم السلام)، في ساعة الوداع ينبغي للزائر أن يقول: يا مولاي، يا أبا الحَسَن، -أو يا مولاي يا أبا عَبد الله، أو يا أبا القاسم يا رَسولَ الله- ما أعطيتني في هذا السفر مِنَ المِنحةِ والعَطاء، سَل اللهَ عَزَّ وجل أن لا يسلبُها مني، لا أُريد جوهرةً تؤخذ على باب المَدينة.. فالكريم إن أعطى الإنسان جَوهرة، وهو يعلم أن هذهِ الجوهرة سوف تُسرَق على الباب، فإنه يجعل له حماية، هكذا الكَريم!.. لذا الزائر يقول: يا مولاي، أشكركَ على حُسن الضيافة، ولكن ما أُعطيت في هذهِ الزيارة، أتمنى أن يبقى مَعي إلى أبَدَ الآبدين!.. ما عليه إلا أن يذرف دمعةً في ساعة الوداع، ويسأل المولى أن يستجيبَ له هذا الطَلب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى