خطب الجمع

الفراغ الباطني

البطالة..
إن موضوع البطالة من الأمور الإستراتيجية في الحياة، فبعض الموضوعات قد لا تعني كثيراً من الناس، كالحديث عن الكرم -مثلاً- لأن همهم أن يؤدوا ما عليهم من الحقوق الواجبة، ويعتبرون أنفسهم غير ملزمين بالإنفاق المستحب.. لذا، فإنهم مهما سمعوا أحاديث عن الكرم والإنفاق والسخاء، لن يبدل ذلك في الأمر شيئاً؛ لأن الموضوع لا يعنيهم كثيراً؛ رغم أن الكرم صفة عظيمة!.. أما حديث البطالة؛ فإنه يعني كل إنسان مكلف.. ولكن مشكلة هذا الحديث -حديث الفراغ والبطالة، وضعف الهمة، وقلة الإنتاجية، والحياة الرتيبة التي لا فائدة فيها كثيراً- أنه لا يُعلم فائدته وعظمته وضرورته، إلا في أول ساعة خروج الأرواح من هذه الدنيا، أي عندما تبلغ الحلقوم، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾؛ يبدو أن هذه هي آخر منطقة خروج الروح من البدن.. وهذا العذاب يبتلى به الجميع، حتى كبار القوم من المراجع وغيرهم -فالمرجع هو أعلى درجة في علم الآخرة- لأن هذا المرجع قد يكون له ساعات أعطاها زيادة عن حقها، فلعله ما بعد البلوغ نام ساعة زيادة عن حاجته مثلاً!.. وهكذا كل إنسان عندما يموت يعض على يديه، أو يضرب على رأسه، أو يبكي؛ ندامة وحسرة، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾؛ فعض اليد هي علامة الحسرة!.. والحسرة أمر لازم، ولكن بإمكان الإنسان تقليل هذه الحسرة في الدنيا، ليقلّ التألم في عالم البرزخ.

أنواع البطالة..
إن الناس عادة يكونون على إحدى حالتين: حالة الجدية، وحالة البطالة.

الحالة الأولى: الجدية..
أولاً: إن المؤمن إنسان جاد، يحوّل ساعات العمل إلى عبادة.. فالموظف المثالي -هذه الأيام- يعمل ثماني ساعات أو ست ساعات، فإنْ جعل هذه الساعات: لكسب المعاش، والإنفاق على أهله، والزائد منه ينفقه في سبيل الخير؛ يكون بذلك قد تحوّل ثلث العمر إلى عبادة قهرية.

ثانياً: إن الإنسان الذي ينام في اليوم ثماني ساعات -وهو المطلوب طبياً- يكون قد نام ثلث اليوم.. فمن نام للتقوّي على العمل والعبادة؛ تحوّل نومه إلى عبادة.

ثالثاً: إن الثلث الباقي، هذا قسم منه عبادة واجبة، وقسم منه عبادة مستحبة كقيام الليل، وزيارة الأرحام.

وعليه، فإن كل العمر تقريباً صار في عبادة؛ فهنيئاً لهؤلاء!.. ومنهم من يجدد النية كل صباح، ويتلفظ بها؛ علماً أن العلماء يقولون: أن النية في الصلاة وفي كل العبادات أمر قلبي؛ أي أنه لا يجب على الإنسان أن يقول: أصلي الظهرين قربة إلى الله تعالى؛ لأن مجيئه إلى المسجد هذا نية.. ولكنهم يقولون: في الحج ليحاول الإنسان أن يرسخ النية؛ لأنه قد يدخل المسجد الحرام بذهول، ويطوف وهو ذاهل، وقد يرمي الجمرات رمياً عشوائياً!.. أما في الصلاة وغيرها؛ فإن الإنسان لا يذهل.. لذا، فإن بعض المؤمنين قبل الذهاب إلى العمل يتعمد التلفظ بالنية؛ لأنه قد يكون ذاهلاً، فعندما يدخل المكتب، أو المتجر، أو الجامعة، أو..الخ يقول: “اللهم!.. إني أعمل هذا اليوم؛ قربة إليك: كداً لعيالي، وكسباً للمعاش الحلال.. وأنت تعلم ما في نفسي، فما زاد عن الإنفاق الواجب، أصرفه في سبيلك، وفي آخر العام أخمس الزائد عن مصرفي”.

فإذن، إن بعض الناس يعيش الجدية: يقظةً، ونوماً!..

الحالة الثانية: البطالة..
إن هنالك بطالة نسبية، وهنالك بطالة مستمرة..

أولاً: البطالة النسبية.. إن بعض الناس يعيش البطالة النسبية؛ أي هو في العمل إنسان جاد، ولكن عندما يرجع إلى المنزل؛ فإنه يعيش جو اللهو والسهو.. فبعض الرجال بمجرد أن يدخل إلى المنزل، يستلم بيده جهاز التحكم عن بعد، ويسترخي على سريره، وإلى أن ينام لا يكلم أحداً، إنما ينتقل من قناةٍ إلى قناة.. فهذا الإنسان خارج العمل؛ إنسان بطّال لا فائدة في عمره، وإن كانت تلك البطالة في الحلال؛ فكيف إذا كانت في الحرام؟!..

ثانياً: البطالة المستمرة.. إن هناك من يعيش البطالة المستمرة، كأولئك الذين يصلون إلى ما يُسمى -هذه الأيام- بـ”سن التقاعد” هذه المرحلة التي يترقبها بعض الناس من سنوات.. ولكن هذا التقاعد قد لا يكون نعمة للبعض؛ لأنه أيام العمل كان يستيقظ صباحاً مبكراً، ويذهب إلى الوظيفة، وقد يقوم ببعض الأعمال الشاقة؛ فذلك العمل والتعب كان فيه أجر؛ لأنه يتكسب لعياله!.. أما بعد التقاعد، فحتى هذه الساعات الجدية أيضاً تتحول: إلى نوم طويل، وإلى سهرات باطلة، وإلى زيارات لا هادفة.. فبعض الناس من سن الستين إلى أن يتوفاه الله عز وجل، لا يوجد في حياته خير أبداً: لا دنيا، ولا آخرة.. فبالنسبة إلى الدنيا: لم يقم بمشروع تجاري، يدر على أهله وأولاده.. وبالنسبة إلى الآخرة: لم يبنِ مسجداً، ولم يساهم في أمر خيري.. أي أنه عاش تقريباً عشرين سنة من البطالة المستمرة، ليس فيه خير لا للدنيا ولا للآخرة.. بينما بعض المؤمنين في سنوات التقاعد، ممن تنطبق عليهم تلك الصفات -أي ليس لهم عمل لا للدنيا ولا للآخرة- يقومون بسفرات مباركة: إلى بيت الله الحرام، وإلى مشاهد الأئمة؛ فهذا الأمر يهّون الخطب.. والحال أن هناك من ليس له حتى هذا المقدار من الطاعة؛ وهذا أمر كارثي!.. لذا، فإنه بمجرد أن يموت، يضرب على رأسه ندماً.

موجبات البطالة..
أولاً: عدم وجود استراتيجية.. إن من موجبات البطالة، عدم وجود همّ في الحياة؛ فبعض الناس شعاره -وإن لم يعترف، ولكن في مقام العمل شعاره العملي- يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل!.. بينما المؤمن: يأكل ليعيش، ولكن يعيش ليتكامل!.. فالمؤمن يتزود، وغير المؤمن يتمتع.. عن الإمام المجتبى (عليه السلام): (يا ابن آدم!.. إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فجد بما في يديك.. فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع)!.. فإذن، لا بد من وجود استراتيجية، والمؤمن له ثلاث استراتيجيات في الحياة، ألا وهي:

1. الكمال الباطني: إن المؤمن يريد أن يموت، وليست له ملكة فاسدة؛ يموت: حليماً، كريماً، ذاكراً، صابراً.. يريد أن يموت وصلاته على أحسن حال، بينما هناك من يموت ولم يُحسّن من صلاته، بل هي على ما كانت عليه من يوم التكليف: صلاة غير خاشعة، وفيها أخطاء فقهية في: الوضوء، والغسل، والصلاة.. أي أنه لم يحاول خلال ستين سنة أن يصلح من صلاته، ويجعلها صلاة مميزة.. أما المؤمن فإنه يسعى إلى الكمال الذاتي؛ لأنه يريد أن يعيش بهذه الروح أبد الآبدين!..

2. الصدقة الجارية: إن المؤمن يحاول أن يترك صدقة جارية في هذه الدنيا!.. وبما أنه ليس بإمكان كل إنسان أن يبني مسجداً، ولا أن يؤسس مبرة؛ فعليه بالدعاء قائلاً: يا رب، لا تجعلني أموت، وأخرج من هذه الدنيا، إلا ولي ما يُذكر من أجله!.. ولو من خلال طباعة كتابٍ واحدٍ نافعٍ، فهناك من المؤمنين مَنْ بركاتهم شملت القارات، له آثار في كل مكان: كبناء المستشفيات النافعة، والمساجد المباركة؛ فأمثال هؤلاء أحياء بعد الموت؛ لأن صدقتهم جارية.

3. الولد الصالح: قد لا يوفق الإنسان أن يترك للمجتمع ولداً صالحاً؛ فالأمر ليس بيده!.. ولكن من يفوته قطار طلب العلم، ورأى ولداً مميزاً ذكياً عاقلاً، يحب المساجد، ويحب العبادة؛ عليه أن يحثه على طلب العلم.. فهناك في بعض الحالات من يجلس تحت منبر يرتقيه ولده، وقد يقلد مرجعاً ذلك المرجع هو ولده؛ فهذا الأمر ممكن!..

وعليه، فإن المؤمن له ثلاثة هموم: أن يموت على كمال باطني، وعلى صدقة جارية، وعلى ولد صالح يدعو له.. فمن له هكذا هموم:

أ- هل يعيش البطالة؟..
ب- هل يرى ولده بجانبه، فلا يحدثه، ولا ينصحه؟..
ج- هل ينظر إلى التلفاز؟..
د- هل يأخذ بيد ولده في الصيف إلى بلاد الفساد، أم يذهب به إلى العمرة والحج والزيارة؟.. فأفضل فرصة للنصح، هي في طريق السفر ذهاباً وإياباً إلى المشاهد المباركة؛ لأن النفوس تكون منشرحة، والعقول منفتحة!..

فإذن، إن المؤمن له محور واحد، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المؤمن: (…قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلّى عن الهموم إلاّ همَّاً واحداً انفرد به).

ثانياً: الشهوات.. إن هناك من تكلفه شهوة بطنه ساعتين ذهاباً إياباً، ولعل الساعتين قليلة!.. علماً أنه يستطيع أن يستغل هذه الفرصة ويجعلها قربة إلى الله تعالى، فينوي بذلك إطعام جائع، أو نصح إنسانٍ؛ ولكنه يذهب ويأتي فقط ليأكل طعاماً شهياً!.. ولهذا الإنسان الأكول، الإنسان الذي يحب الموائد الجميلة، قد يوجه كلاماً عنيفاً لزوجته إن لم تهيئ له طعاماً شهياً؛ هذا الإنسان أيضاً يدخل في زمرة البطالين.

ثالثاً: أحلام اليقظة.. إن هناك فئة من الناس العاطلين عن العمل، يكونون في حالة تقاعس واسترخاء دائمين، وهم يفكرون ويتمنون ويحلمون بالحياة الناعمة.. وهذه الحالة تمر بها بعض الفتيات قبل الزواج، رغم أن هذه البنت بإمكانها أن تقوم بأفضل القربات، وهي خدمة الأبوين.. والبنت البارة بوالديها، عادة يُختم لها بالزيجة الطيبة!.. فالتي تخدم أبويها سنوات بكل إخلاص، رب العالمين يمنّ عليها في يوم من الأيام بزوج صالح، وذرية صالحة.. والحال أن بعض الفتيات قبل الزواج هن فتيات كسولات من الصباح إلى الليل: إما في لعب، أو في لهو، أو في نوم؛ يفكرن في الزواج، ويبنين بيت الأحلام، ويفكرن في زوج المستقبل، وفي الذرية.. فهذه الحالة من غلبة الخيال والأوهام؛ تجعل الفتاة تعيش التقاعس.

رابعاً: الجلوس مع الغافلين.. إن الإنسان ملزم ببعض المجاملات الاجتماعية، لذا فإنه مضطر للذهاب إلى المجالس والدواوين في المناسبات كالعيد وغيره.. والجو العام في هذه المجالس عادة المؤمن لا يحتمله؛ لأن الصفة الغالبة عليه، هي: الكلام الذي لا معنى له، والضحك، والمرح، وقد يصل الأمر إلى بعض التطاول بعنوان المزاح وغيره.. فيمضي الإنسان ساعتين من عمره ويخرج دون أن يستفيد: حكمة واحدة، أو كلمة واحدة، أو ديناراً واحداً له أو لمشروع خيري مثلاً.. وعليه، فإن الجلوس مع البطالين هو من موجبات الخسارة!.. وهو أيضاً من موجبات القسوة، ألا نقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي: (أو لعلّك رأيتني آلف مجالس البطّالين، فبيني وبينهم خلّيتني).. وبما أن تلك المجالس هي من موجبات قساوة القلب وضياع العمر؛ فإن المؤمن يحاول أن يتجنبها قدر الإمكان، وبدل الذهاب إليها؛ فليكن مع زوجته حتى لو لم يتكلم بشيء؛ فإنه يعد مؤنساً لها؛ وهذا خير له من تلك المجالس!..

العلاج..
إن علاج البطالة، يكمن في عكس أسبابها:

أولاً: تعيين الاستراتيجية في الحياة.. إن الإنسان عبد، والعبد له برنامج عمل، هذا البرنامج وهذه الاستراتيجية مبينة في سورة “الحمد” التي نقرأها يومياً في الصلاة، عن رسول الله (صلی الله عليه): (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ).. تبدأ السورة بالبسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم بالثناء على الله عز وجل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ثم تنتقل إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ أي يارب؛ خلقتني لأكون عبداً!.. فهنيئاً لإنسان لا يقدّم خطوة إلا ويسأل: هل هذا الأمر فيه رضا لله عز وجل؟.. حتى إن أراد أن يغضب يقول: يا رب، هل لك في غضبي رضاً؟.. بعض المؤمنين عندما يُستفزّ لا يغضب؛ ولكن بعد ساعة يُظهر غضبه؛ لأنه يُقلّب الأمور فإن رأى أنه يجب أن يغضب؛ عندئذ يغضب!.. هنيئاً لهكذا إنسان يكون غضبه تحت سيطرته متى ما شاء أظهره!..

فإذن، إن استراتيجية المؤمن هي في إظهار العبودية لله عز وجل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.. فحتى لو كان الإنسان ملكاً، يقول تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾؛ أي أنه في يوم من الأيام، ستوضع الأغلال في عنقه، وسيُجر جراً إلى ساعة المحشر، وإن أراد أن يتحدث يقول الله عز وجل له: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾؛ أي اخسأ في نار جهنم!..

ثانياً: معاشرة الجادين.. إن هناك مؤمنين استغلوا ساعات الفراغ، واستفادوا منها لآخرتهم، كالذي بنى مسجداً مثلاً!.. هذا إنسان جاد، بإمكان المؤمن أن يجلس معه، كي يستفيد ويتعلم منه!.. وكالإنسان الذي له ذرية صالحة كأن يكون وراءه ست أو سبع عمائم من طلبة العلم من أولاده؛ هذا الإنسان يُسأل عن السبيل إلى ذلك؟.. بعض العلماء له ثلاثة توفيقات: قام ببناء مستشفى من أكبر المستشفيات في الشرق الأوسط في مجال طبي معين، وله من المؤلفات النافعة ما له، وله ذرية طيبة.. هذا العالم كان في النجف الأشرف أيام الفقر، دعا ربه تحت قبة -باب العلم- أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: يا رب، أريد هذه الأمور: الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح.. رب العالمين أراه ذلك في الدنيا قبل الآخرة!.. صحيح أن الإجابة السريعة مؤكدة تحت قبة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكن أيضاً هذا لا ينفي الإجابة تحت باقي القبب!..

فإذن، إن الجلوس مع الجادين، يعلم الإنسان السبيل إلى التوفيقات، فمثلاً: بإمكان الإنسان أن يتعلم من ذلك العالم، أن يلهج بهذه الدعوات الثلاث؛ لعله في يوم من الأيام يُعطى هذه الخاصية!..

ثالثاً: الذكر الدائم.. إن الإنسان الذي يصل إلى هذه المرحلة، فإنه لا يخاف من عزرائيل، بل يرحب به؛ لأن الموت في هذه المرحلة يصبح موتاً هنيئاً!.. ومن يصل إلى هذه المرحلة، فليس عنده: لا فراغ ولا بطالة، ولا سنوات تقاعد وغير تقاعد، وليس عنده عمل ولا عمل، ولا يقظة ولا نوم؛ لأن الساعات كلها عنده بلون واحد.. فالعبد الواصل الكامل، يصل إلى مرحلة يصبح جليس مولاه كما ورد في هذه الرواية: فيما أوحى الله تعالى إلى داود: (يا داود!.. أبلغ أهل أرضي أني حبيب من أحبني، وجليس من جالسني، ومونس لمن آنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن طاعني.. وما أحبني أحد أعلم ذلك يقيناً من قلبه، إلا قبلته لنفسي، وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي.. من طلبني بالحق وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني.. فارفضوا يا أهل الأرض!.. ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي.. وآنسوني أؤنسكم، وأسارع إلى محبتكم).. المؤمن يكون مع الله عز وجل في كل تقلباته، ما من ساعة إلا وهو يعيش بين يدي الله عز وجل، وفي محضر المولى، هو في مناجاة قلبية دائماً، يتكلم مع الله عز وجل في الصلاة وفي غير الصلاة، لسان حاله دائماً وأبداً ما ورد في دعاء المشلول: (يا جاري اللصيق!.. يا ركني الوثيق!.. يا إلهي بالتحقيق!.. يا رب البيت العتيق!.. يا شفيق يا رفيق)!.. فالإنسان عادة له جار على بعد أربعين منزلاً، وله جار لصيق والزيارات بينهما لا تنقطع؛ بعض المؤمنين رب العالمين بالنسبة له هو جاره اللصيق، لذا قد يكون جالساً فيعيش حالة من حالات الذكر والرقة والدعاء، وإذا بالدموع تجري قهراً على خديه، وقد يكون في عرس لا على سرير المستشفى.. فهنيئاً لمن وصل إلى هذه المرحلة من الذكر الدائم!..

رابعاً: الصلاة الخاشعة.. إن الطريق إلى المعية الدائمة؛ هي الصلاة الخاشعة، فمن استذوق الحديث مع الله عز وجل في الصلاة؛ عندئذ يسعى إلى أن يعيش هذا الجو خارج الصلاة.. يمكن تشبيه ذلك بمطعم يقدم طعاماً شهياً، فإن أُغلقت أبوابه يحاول الإنسان البحث عن ذلك الطعام خارج المطعم.. فالصلاة لها أوقات وهي الفرائض الخمس، لذا فمن أُعطي شيئاً من لذة المناجاة في هذه الفرائض؛ فإنه يبحث عنها خارج الصلاة أيضاً!.. فاللذة هي اللذة، والجمال هو الجمال!.. عن أبي الحسن (عليه السلام): (مَا رَأَيْتُ شَيْئَاً إلاَّ وَرَأَيْتُ اللَهَ قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ)!.. فهينئاً لمن وصل إلى هذه المرتبة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى