خطب الجمع

مفهوم الأعياد

العيد في القرآن الكريم..
إن من المحطات التي ركزت على كلمة “العِيد” ومفهوم “العِيد” ما ذُكرَ في أواخر سورة “المائدة”، هذهِ السورة المُسماة بهذا الاسم؛ لأنَّ فيها ذِكراً للمائدة السماوية التي أنزلها الله عز وجل على الحواريين، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُواْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ * إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾.

-﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُواْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.. لماذا عَبَرَ عَن الكلام الذي أُلقيَ على الحواريين بالوَحي، فنحنُ نَعلم أنَّ الوحيَ خاصٌ بالأنبياء والمُرسلين، والحواريون لم يكونوا مِنَ الأنبياء ولا مَن المرسلين؟..

أولاً: إن الإنسان يستطيع أن يعرف معنى كلمة “الوحي” من خلال مُراجعة المشابهات في القرآن الكريم؛ فقد استعمل هذه الكلمة لغَير الأنبياء، منها:
1. النَحل: إن رَب العالمين أوحى إلى النَحل، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.
2. أمِ موسى: إنها ليست من الأنبياء والمرسلين، ومع ذلك رَب العالمين أوحى إليها أن تجعل موسى (عليه السلام) في التابوت، ثُمَّ تُلقيهِ في اليَم ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
فإذن، إن النَحل يوحى إليه وهو حَشَرة، وأمِ موسى يوحى إليها وهيَّ امرأة، والحواريون يوحى إليهم وهُم بَشَر وليسوا من الأنبياء.

ثانياً: إن بعض المؤمنين قَد يَصل إلى مرحلة من المراحل يتلقى فيها العنايات الإلهية، فالمؤمن يُلقى في روعه، روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)!.. فرَب العالمين ينقُش بعضَ الصور وبعضَ العلوم في نفوس المستعدينَ لذلك، بحسب ما يراهُ من المصلحة، أليس هو القائل: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾؟!.. مثلما يقذف الرُعب في قلوب الفاسقين، ما المانع أن يُلقي خِلاف الرُعب وهو الاطمئنان في نفوس المؤمنين!..

-﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾.. إن هذا القول على ظاهر الآية فيهِ ما فيه من الغضاضة، إذ كَيف يمكن لهؤلاء الذينَ تربوا على يَد المسيح (عليه السلام) أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؟.. ولكن هُنالكَ من يفسر هذهِ الآية؛ بمعنى: هَل من المصلحة أن يعمل رَبك هذا العَمل؛ أي إنزال المائدة؟!..

-﴿أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾.. هؤلاء طلبوا أمراً غريباً، طلبوا من الله عزَّ وجل أن يُنزلَ عليهم مائدةً من السماء، والمائدة هي: “الخوان عليه الطعام”، فاللُغة العربية لُغة دقيقة؛ فهؤلاء طلبوا مائدة سماوية.

-﴿قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾.. كأنَّ هذا التعبير فيه نَوع من أنواع الردع!..

-﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.. إن الهَدف من هذا الطَلب:

أولاً: الأكل.. هم يريدون أن يأكلوا من هذهِ المائدة، يقال أنهم طلبوا مائدة فأنزلَ اللهُ عزَ وجل عليهم مائدة فيها السَمَك كما روي عن ابن عباس حيث قال: (نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا).

ثانياً: الاطمئنان.. إن إبراهيم الخليل (عليه السلام) كان أعلى درجة من الحواريين فهو لا يُقاس بهم، ومع ذلك تقول الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، أيضاً الحواريون طلبوا من اللهَ عزَ وجل إنزالَ مائدةِ تقوي قلوبهم على الإيمان.

-﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.. أنظروا إلى أدب المسيح عيسى ابنِ مريم (عليه السلام)!.. هو رَفعَ هذا الطَلب إلى السَماء، ولكن بشيءٍ من التحوير والتبديل، ما قال: اللهم!.. أنزل علينا مائدةً لنأكل منها، وتطمئنَ قلوبنا، بل قال:

أولاً: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.. إن مسألة وجود أيام خالدة في كُلٍّ أُمة أمرٌ مُتعارفٌ في كُلِّ الأُمم، يقول المسيح (عليه السلام): رَبنا أنتَ عندما تُنزل علينا مائدة؛ فهذا: فَخر، وكرامة، وعِناية خاصة، لذا فإننا نتخذُ هذا اليَوم عِيداً لأولنا وآخرنا؛ أي في كُلِّ عامٍ نتذكرُ فيه إنزال هذهِ المائدة، نحتفل بذلك اليَوم.. فإن كان نزولُ المائدة من السماء مناسبة للاحتفال والعِيد؛ فكيفَ بنزول ما هو أعظم من المائدة؟.. أليس ميلاد النَبي الأعظم (صلی الله عليه) هذهِ المائدة السماوية الكبرى؛ أعظمُ مائدة نزلت من السماء، هذهِ المناسبة ألا تستحق أن تكون عيداً؟!..

ثانياً: ﴿وَآيَةً مِّنك﴾..َ هذهِ المائدة آيةٌ إلهية، وآيةٌ سماوية؛ أي: اجعل هذهِ المائدة علامة من علامات العناية الخاصة بأُمة المسيح (عليه السلام).

ثالثاً: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾.. لقد جَعلَ الأكلَ من هذا الطعام في مرحلةٍ لاحقة.

فإذن، إن المسيح (عليه السلام) طلب أن يكون هذا الطعام آية، وعلامة من علامات العناية الإلهية؛ وهذا أمر معنوي، ثُمَّ بعد ذلك طلب الرزق المادي.. فالحواريون جعلوا الطعام مُقدماً على اطمئنان القَلب، بينما المسيح (عليه السلام) جَعلَ اطمئنانَ القَلب مُقدماً على الأكل وعلى الرزق.

-﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾.. يالهُ من تكليف!.. أي أيها الحواريون، أنتم كانَ لكم إيمان قبلَ نزول المائدة، ولكن بعدَ نزولها الحُجّة تَمّت، لقد كُنتم تأكلون من أسماك البَحر، أما الآن فإنها تنزل من السماء، لذا إن كفرتم بهذه النعمة؛ سيكون هناك عذاب خاص بكم!.. ولكن هذا التهديد لم يَكُن حَصراً على الحواريين، بل يشمل كل إنسان نزلت عليه مائدة سماوية، فمثلاً:

1. من شملتهُ النفحات الإلهيّة في شهرِ رمضان المُبارك، وأحيا ليلة القَدر إحياءً مُناسباً، ورَقَ قلبه، وجرت دمعته، وأحسَ بجوٍ خاص؛ فهذهِ مائدة سماوية نزلت عليه.
2. من يذهب إلى العُمرةِ والحَجِ، ويعيش في الطواف مشاعر لا توصف؛ هذهِ مائدة نَزلت عليه.
3. من يذهب إلى زيارة الحُسين (عليهِ السلام)، ويعيش تحتَ القُبّة الساميّة بعض المشاعر العالية؛ هذه مائدةٌ سماوية نزلت عليه.

فإذن، لنحذَر المعصية بَعدَ مواسم الطاعة، فالإنسان الذي عمل شَهراً كاملاً: قامَ ليلاً، وصامَ نهاراً، وتلا كتابَ رَبه، ومرت عليهِ ليالي القَدر ببركاتها المعهودة، وبَعدَ الشَهر الكريم في أولِ يَوم من أيام العِيد وقعَ في هفوة قوليّة أو نظريّة ولو الصغيرة؛ آلا يُعدُ هذا من باب الكُفران بالنعمة الإلهيّة؛ بنعمة المائدة؟.. ولهذا البعض في شهرِ شوال يرى قساوةً في قلبه، فالبَعض في يوم العيد يرتكب ما لم يَكُن يرتكبه قَبلِ شهرِ رمضان المُبارك، وخاصةً بعض النساء حيث يظهرنَ بمظهرٍ لا يليق بمن صامت شهر رمضان المبارك.. علينا أن نحذر كُفران النِعم الباطنية والمعنويّة، فرب العالمين هدد الحواريين بأنَّ الكُفران بَعدَ نزول المائدة فيهِ عذابٌ عَظيم!..

الدَرس العَملي:
أولاً: إن العيد هو ذلكَ الحَدث الذي يحتفلُ بهِ المؤمنون في تلك الشريعة، فالناس لهم الحق في الاحتفال بالحَدث المهم، ونحن أيضاً في هذهِ الأُمة الخاتمة لنا الحَق أن نحتفلَ بذكرى قادتنا.
ثانيأً: إن المائدة السماوية إذا نَزَلَت على العَبد، فإنّهُ يُعامل مُعاملة مَن يَكفُر بالنعمة، كما عاملَ اللهُ عزَ وجل أصحابَ عيسى (عليهِ السلام).

العيد في السُنّة النبوية الشريفة..
الرواية الأولى: نُقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه في يومٍ العيد كان يأكل خُبزةٌ سمراء، وشَيءٌ من اللبن المطبوخ؛ هذا الطعام الذي لا يُناسب العِيد، فالناس عادَةً في الأعياد تتفنن في المَطَعَمِ والمَشرَب، تقول الرواية: (دخلت عليه يوم عيد، فإذا عنده فاثور (أي خوان) عليه خبز السمراء، وصفحة فيها خطيفة (أي لبن يطبخ بدقيق)، وملبنة (أي ملعقة).. فقلت: يا أمير المؤمنين!.. يوم عيدٍ وخطيفةٍ؟.. فقال: إنما هذا عيدُ من غُفر له).

-(يَومُ عِيدٍ وخطيفة).. أي تأكل هذا اللَبن المطبوخ؛ أينَ الحلوى، وأينَ المآكل اللذيذة؟..

-(إنّما هو عيدُ مَن غُفِرَ له).. إن السعيد من عَلمَ سعادته، والشقي مَن عَلِمَ شقائه!.. الإنسان دائماً بينَ الخوفِ والرجاء، فالذي يحتمل ولو احتمالاً ضئيلاً أنّهُ من الأشقياء، ولم يُغفر له في هذا الشهر (فإنّ الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم) كَيفَ يضحَك في ذلك اليَوم، وكيفَ يفرح؟..

-(العِيد لِمن غُفِرَ له).. إن أمير المؤمنين (عليه السلام) يُغيرُ من مفهوم العِيد، فإن من يقطع بالمغفرة، بإمكانه أن يفرح؛ ولكن إن كان شاكاً في المغفرة عليه التوقف عن هذا الفرح.

الرواية الثانية: روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: (اليوم لنا عيد، وغدا لنا عيد، وكل يوم لا نعصي الله فيه؛ فهو لنا عيد)، نحن ننتظرُ سَنة كاملة ليأتي العيد، ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يوسع من المفهوم، فبإمكان الإنسان أن يحول كُلَّ يَوم إلى يومِ عيد: فمن لا يُذنب مَن الصباحِ إلى الليل؛ معَ غروب الشمس فإن ذلك اليَوم هو يومُ عيد له.

الرواية الثالثة: قال الإمام الصادق (عليه السلام): (للصائم فرحتان: فرحةٌ عند الإفطار، وفرحةٌ عند لقاء الله عزّ وجلّ).. إن البعض يٌفسر عبارة “عندَ إفطارهِ”؛ أي عندَ إفطارهِ في كُلِّ يَوم!.. ولكن هُناكَ معنى آخر؛ أي: “عندَ فطره في العِيد”، فالصائم يفرحُ بأنَّ اللهَ عزَّ وجل أعانهُ على صيامِ هذا الشَهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى