خطب الجمع

دور المسجد في تربية الأمة -2

الصلاة..
إن لكل عبادة من العبادات وجهين: وجه فقهي، ووجه ما وراء الفقه وهو الأدب الباطني.

أولاً: الوجه الفقهي.. وهي الأحكام الظاهرية التي يتناولها الفقهاء في الكتب الفقهية المعمقة، والرسائل العملية.

ثانياً: الأدب الباطني.. إن بموازة الأبحاث الفقهية المعمقة، هناك ما يسمى بالآداب الباطنية للصلاة.. فالذي يصلي صلاة ظاهرية من دون أدب باطني؛ لا يحقق الهدف من الصلاة، يقول تعالى في سورة “المؤمنون”: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾.

صفات المؤمنين..
أولاً: الخشوع.. إن القرآن الكريم جعل الخشوع في الصلاة؛ أول صفة من صفات المؤمنين.. فلم يقل: غض البصر، أو المراعاة، أو المعاملة، أو عدم ارتكاب الحرام، إنما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.. فمن بين الصفات الواجبة، ذكرت الآية أمراً كمالياً -إن صح التعبير- وجعلته الصفة الأولى للمؤمن!.. ولكن قلّ من فكر فيها!..

ثانياً: الإعراض عن اللغو.. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون﴾.َ

ثالثاً: الزكاة.. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.

رابعاً: العفة.. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾.

وعليه، فإن القضية مهمة جداً!.. بينما نحن عندما نعرّف المؤمن؛ فإننا نذكر تركه للحرام أولاً، وفعله للواجب ثانياً، ثم بعد ذلك الخشوع والإقبال.

سكن المؤمن..
إن الإنسان عادة يكون سكنه وارتياحه في منزله، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.. فهو عندما يرجع من العمل إلى البيت، يكون على أمل أن يجد فيه: السكون، والزوجة المطيعة، والطعام الجاهز، والأطفال.. من هنا يُسمى المنزل مسكناً؛ لأنه يسكن ويهدأ فيه!.. ومن لا سكن له في المنزل، فليس له على وجه الأرض سكن: فهو في العمل يعاني من المشاكل والمشاكسات، وفي المنزل لا أمان له ولا اطمئنان!.. لذا، فإن مثل هذا الإنسان يُخشى عليه من الانهيار العصبي.. أما المؤمن –في المعنى غير المتعارف- فإن قلبه متعلق ببيت الله عز وجل؛ يصل إلى درجة لا يجد سكونه وسكنه إلا في المسجد؛ لأنه عندما يأتي إلى بيت الله عز وجل يعيش حالة الضيافة الإلهية.

تعريف المؤمن..
إن الإنسان الذي يصلي ويصوم؛ هذا مسلم وليس بمؤمن بالمعنى الدقيق للكلمة.. بينما الإيمان هو الترقي في الدرجات، يقول تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.. أما عندما يصف المؤمنين فإنه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.. فإذن، إن المؤمن هو الذي يخشع في صلاته.. أما إقامة الصلاة في أول وقتها، وفي المسجد، وجماعة؛ فهذا أمر مفروغ منه!..

آداب المسجد..
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إذا بلغت باب المسجد، فاعلم أنّك قصدت باب بيت ملك عظيم، لا يطأ بساطه إلاّ المطهرون، ولا يؤذن بمجالسة مجلسه إلاّ الصدّيقون، وهب القدوم إلى بساط خدمة الملك، فإنّك على خطر عظيم إن غفلت هيبة الملك!.. واعلم أنّه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك: فإن عطف عليك برحمته وفضله؛ قَبِلَ منك يسير الطاعة، وآجرك عليها ثواباً كثيراً.. وإن طالبك باستحقاقه الصدق والإخلاص عدلاً بك؛ حجبك وردَّ طاعتك وإن كثرت، وهو فعّال لما يريد.. واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فإنّك قد توجّهت للعبادة له والمؤانسة.. واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنّه لا تخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم.. وكن كأفقر عباده بين يديه، وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربّك، فإنّه لايقبل إلاَّ الأطهر والأخلص.. وانظر من أيّ ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت من حلاوة مناجاته، ولذيذ مخاطباته، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجابته؛ فقد صلحت لخدمته، فادخل فلك الأمن والأمان، وإلاَّ فقف وقوف مضطرّ قد انقطع عنه الحيل، وقصر عنه الأمل، وقضى عليه الأجل.. فإذا علم الله عزّ وجلّ من قلبك صدق الالتجاء إليه، نظر إليك بعين الرحمة والرأفة والعطف، ووفقّك لما يحبّ ويرضى.. فإنه كريم يحبُّ الكرامة لعباده المضطرين إليه، المحترقين على بابه لطلب مرضاته، قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾).

-(اذا بلغت باب المسجد).. لم يقل: دخلت، أو صليت، أو أقمت الصلاة جماعة، أو دعوت؛ بل وأنت على باب المسجد!.. فالإيمان ذوق وعشق، كما في عالم الغراميات البشرية، بعض الشباب والفتيات لهم أساليب متنوعة في إظهار حبهم، المؤمن في تقربه إلى الله عز وجل أيضاً متفنن: بعض المصلين –ليس من العلماء وكبار الشخصيات- يقف على باب المسجد ويناجي ربه، وكأنه واقف على باب ملك، يخاف من الطرد.. وإن قُبل؛ فإنه يخاف من عدم العطاء.. وإن أُعطي؛ فإنه يخاف من قلة العطاء.. لذا، فإنه يتفاوض مع رب العالمين وهو على باب المسجد.

-(فاعلم أنّك قصدت باب بيت ملك عظيم).. إن الإنسان عليه أن يعترف قائلاً: (مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَمَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ)!..

فيك يا أعجوبة الكون *** غدا الفكر كليلا

كلمـا أقدم فكري *** فيك شبرا فرّ ميـلا

إن الذي يقصد باب الملوك؛ يعيش الرهبة والطمع، فعامة الناس يرون هيبة الملك، أما الإنسان المؤمن فإنه لا يرى في الوجود إلا الله عز وجل، لا تأخذه في الله لومة لائم!.. فكيف بمن يقف بباب ملك الملوك!.. وبيوت رب العالمين هي المساجد، ولو كان المسجد بمقدار غرفة صغيرة؛ فهذا بيت الله عز وجل.. فالمسجد الحرام هو بيت الله، والمسجد الصغير أيضاً هو بيت الله، ليس هناك فرق سوى أن المسجد الحرام له خصوصيات إضافية، وإلا في حفظ البيتية والمسجدية، فإن كل أحكام المساجد تسري على المسجد الحرام وتسري على المساجد الأخرى مهما كانت صغيرة ونائية، وعند الله الثواب!..

-(وهب القدوم إلى بساط خدمة الملك).. أي لتأخذك الهيبة!.. ولهذا فإن من يدخل المسجد ويتكلم مع صاحبه بكل ما هب ودب، وقد يغتاب؛ هذا الإنسان لا يعلم حرمة المكان؟!.. أما المؤمن فإنه لا يحتاج إلى من يذكّره بمراعاة حرمة المسجد وآدابه التي منها عدم التحدث بصوت مرتفع، لأنه هو ليس عنده ميل للحديث مع أحد بمجرد دخوله المسجد، وإن سُئل فإنه يؤجل الجواب؛ لأنه مشغول بورده وبعبادته!..

-(فإنّك على خطر عظيم، إن غفلت هيبة الملك).. إن الإنسان الذي يمشي في الطرقات العامة، ولا يدخل قصور الملوك؛ هذا لا تكليف له.. ولكن إن دخل على الملك: فإما أن يُكرم لأدبه، وإما أن يُعاقب لعدم مراعاته حرمة الملك.. فهو عندما يكون في الشارع العام: لا يُكرم ولا يُعاقب، ولكن عندما يدخل على مرجع التقليد مثلاً، ولا يراعي حرمة المجلس، فإن أساء الأدب كأن يجلس جلسة غير مؤدبة -مثلاً- فإنه يُعاتب ويُقاطع ممن معه؛ لأنه أساء الأدب.. فإذن، إن الإنسان الذي يكون في الشارع وهو لاهٍ ساهٍ؛ هذا لا كلام معه.. ولكن عندما يدخل بيت الله عز وجل، إن لم يراع أدب البيت؛ فإنه يُخشى عليه من العقوبة؛ لأنه لم يُعظّم حرمة بيت الله عز وجل!..

-(وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربّك؛ فإنّه لا يقبل إلاَّ الأطهر والأخلص).. من يريد صلاة خاشعة، ويريد أدب المسجد؛ عليه أن يُهيّئ نفسه كما يفعل الرياضيون قبل دخول الملاعب.. والحال أن أولئك في مقام اللعب، والمؤمن في مقام الجد، وفي مقام الحديث مع الله عز وجل.. فمن يأتي إلى المسجد، ثم يدخل مباشرة في الصلاة؛ فلا يتوقع صلاة خاشعة.. لذا، عليه ببعض المقدمات التي منها:

1. اختيار الوقت المناسب للذهاب إلى المسجد.

2. الذهاب إلى المسجد قبل الصلاة بفترة.

3. صلاة ركعتي تحية المسجد.. فكما أن الحب له قيود، والعشق له متطلبات، الصلاة أيضاً لها متطلبات.. لذا بعض الناس يختبر نفسه بهاتين الركعتين قبل الصلاة الواجبة: هل كانت الصلاة خاشعة، أما أن فكره ذهب يميناً وشمالاً؟!.. إن لم يكن خاشعاً، يقول: يا نفس!.. استعدي للصلاة الواجبة، بعد قليل ستؤدي الفريضة!..

4. إن فشل في أداء صلاة تحية المسجد، وكان في حالة ساهية؛ فهذا مستحب، ورب العالمين لا يؤاخذ عليها.. ولكنه اختبار جيد، فليكشف الإنسان سره بين يدي الله عز وجل!.. عندئذ بإمكانه أن يعوّضها بركعتي قضاء عما في الذمة، كي يهيئ نفسه للفريضة الواجبة؛ لأن كل هذه مقدمات للوقفة النهائية بين يدي الله عز وجل.

5. إن الإنسان أثناء سيره على الطريق من المنزل إلى المسجد، عليه ألا يستمع إلى كل ما هب ودب، ولا يفكر في كل ما هب ودب.. فليغتنم هذا الطريق: بالذكر، والاستغفار، والصلاة على النبي وآله ()؛ حتى عندما يصل إلى المسجد يكون قد تطهر، وتهيأ للصلاة بين يدي الله عز وجل.. ولهذا بعض المؤمنين لا تهمه المسافة البعيدة عن المساجد؛ لأنه ينجز الختمات والأوراد ذهاباً وإياباً.. فمن يلتزم بقراءة سورة “يس” يومياً مثلاً -إن هذه السورة تأخذ عشر دقائق- فإنه يتم قراءتها من المنزل إلى المسجد.

-(فإن ذقت من حلاوة مناجاته، ولذيذ مخاطباته، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجابته؛ فقد صلحت لخدمته).. نحن –للأسف- ما تعرفنا إلا على لذائذ الأبدان، اللذائذ بالنسبة لنا محصورة بالأجوفين: لذة البطن، ولذة الفرج.. هذا الذي يشغل العالم، فالأماكن التي تستجلب الناس على وجه الأرض، هي: إما المطاعم، وإما أماكن التسلية المحللة أو المحرمة.. أما البقية؛ فإنها توابع!.. فإذن، إن متعة الدنيا تكمن في الأجوفين: البطن، والفرج.. ولكن رب العالمين خلق نوعاً من اللذائذ، هذه اللذائذ تلامس الأعماق لا الأبدان:

1. إن الإنسان الذي يأكل حلاوة أو فاكهة، لا يستلذ بطعمها: لا قبل الأكل، ولا بعد البلع؛ أي داخل المعدة!.. فلذة الطعام فقط عندما يمر على حليمات التذوق في اللسان، هذه الحليمات ترسل إشارات عصبية إلى المخ أن هناك حلوى في الفم؛ هذا هو غاية لذة المطعم والمشرب!.. كذلك الأمر بالنسبة إلى لذة الفرج: ترسل ذبذبات عصبية من البدن إلى نقطة ما في الجهاز العصبي في المخ!.. هذه هي لذائذ الدنيا!..

2. إن المؤمن يصب اللذة مباشرة في قلبه، يغمض عينه فيعيش عالماً من اللذائذ التي تدرك ولا توصف؛ لا يحتاج: إلى زيجة، ولا إلى شهر عسل، ولا إلى المطاعم، ولا إلى سفر إلى البلاد الجميلة؛ فهو مجرد أن يغمض عينه، يرى عالماً مجانياً في متناول يده.. لذا، هناك من لا ينسى ركعتي ليلة الزفاف، مع أنها ليلة الغفلة والانشغال بالشهوات، وتلذذهم بهاتين الركعتين أكثر من تلذذهم بمتعة الشهوات!..

3. إن الذي يعلم كيف يصل إلى اللذائذ الباطنية، هذا الإنسان لا يُخشى عليه من الشيخوخة.. فأيام الشباب تنقضي، ويصل الإنسان إلى مرحلة الشيخوخة، والشيخ الكبير عادة: تنطفئ شهوته، ولا يستلذ بالطعام؛ لأن هذه الأيام الأمراض سلبت الناس حتى التلذذ بالطعام وبالنساء.. ولكن المؤمن كلما تقدم فيه العمر؛ زاد تلذذه!.. لأنه أيام الشباب كان مشغولاً بالعمل، وبالوظيفة، وبالأهل والعيال.. وفي مرحلة سنية أخرى أدى ما عليه: أدّب أولاده، وقام بتربيتهم، وزوّج بناته.. أما في سن الشيخوخة؛ فإنه يعيش الخلوة مع الله عز وجل حيث: المنزل الهادئ الخالي من المشوشات، لا وظيفة مرهقة، ولا عمل، ولا دوام، ولا أولاد صغار، ولا صياح أطفال!.. هو وزوجة مؤمنة، يعيشان العوالم العالية.. هنيئاً لهؤلاء!..

4. إن هذه اللذائذ تُكتسب من أيام الشباب، فمن مشى في هذا الطريق؛ تكون قمة لذته في السنوات المتقدمة من العمر.. أما من لا يعرف هذه اللذائذ؛ فإنه كلما تقدم العمر به؛ يزداد اكتئابه؛ لأنه: يرى أن الحياة تنتهي، وأمواله وجهده في يد ذريته وأولاده، وهو مُقدم على ربه خالي اليدين؛ فيعيش حالة من حالات الإحباط الباطني!..

الخلاصة:
أن المساجد، هي بيوت الله عز وجل، وهي محطات الأنس برب العالمين.. فهنيئاً لمن كان: أنسه، وسكنه وارتياحه، ولذته، وعشقه، وغرامه، ومناجاته في بيوت الله عز وجل!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى