خطب الجمع

إطلالة على سورة المنافقون – 4

وجه الربط بين سورتي “الجمعة” و”المنافقون”..
أولاً: إن سورة “الجُمعة” فيها ذِكر للكافرين وهم اليهود الذينَ كانوا يُظهرونَ كفرَهُم، ويُعادونَ رسولَ الله (صلی الله عليه) بل كانوا يُحاربونه، ومعركةُ خَيبر خَيرُ شاهدٍ على ذلك!.. حيث يقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ فسورة “الجُمعة” تَذكر الكُفارَ بشكل صريحٍ.. أما سورة “المُنافقون” فإنها تتحدث عن المُنافقين، يقول تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.. وبالتالي، فإن النَبي (صلی الله عليه) كان عليهِ أن يواجه صنفينِ منَ البَشَر: صِنفٌ كَفرَ باللهِ عَزَ وجل وأشركَ به، أي على خَط العِداء المُباشر والصريح.. وقِسمٌ على خَطِ النِفاق.

ثانياً: إن الخطاب في سورة “الجُمعة” موجه للكافرين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، ولكنْ في ختامِ السورة هُناكَ خِطابٌ آخر وهو خاصٌ بالمؤمنين حيث نقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ لقد تحولَ الحديث منَ الكُفار اليهود إلى المُسلمين.. وفي سورة “المُنافقون” كان الحَديثُ في البداية عن المُنافقين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾؛ وفي ختام السورة هناك أيضاً خطاب موجه للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

فإذن، إن سورتي “الجُمعة” و”المنافقون” كأنّهما عِدلان؛ أحدهُما يُكمِلُ الآخَر، وعلى قرينةٍ واحدة، حيث أنه:
1. في سورة “الجمعة” هناك ذكر للكافرين، وفي سورة المنافقون هناك ذكر “للمنافقين”.
2. في سورة “الجمعة” هناك خِطابٌ للكُفار ثُمَّ للمؤمنين.. وفي سورة “المنافقون” هناك خِطابُ للمُنافقين ثُمَّ للمؤمنين.
وعليه، فإن هُناكَ تناسقاً بينَ السورتين اللتينِ نقرأهما في صلاةِ يَومِ الجُمعة.

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾..

إن الآية تشبه المُنافقين بالخُشُب المسندة، ولكن ما الفرق بين الخشبة المسندة وغيرها، فالخَشبة خَشبة سواء كانت في السَقف أو في الأرض أو كانت مُستندةً إلى الحائط!.. إن هذا التشبيه يستبطن لطائِف ونكات، منها:

1. إن هناك فرقاً بينَ غصن طري في شَجرة -ينمو ولو نمواً بطيئاً- وبين الغصن اليابس.. فالأول: لا يُعد خَشَبة؛ لأن فيهِ حياة قد يثمر ويورق ولو بعد حين.. أما الثاني: فإنه خشبة لا تنمو، وليس فيها حياة.. المُنافق هكذا ليسَ بُغُصن؛ وإنَما هو خَشَبة مسندة لا فائدة منه!..

2. كما أنَّ الخشبة المسنَّدة تستند إلى الحائط، المنافق كذلك يحتاج إلى الغير!..

3. إن الخَشب اليابس يمكن الاستفادة منه، فقديماً كان يُستعمل في البناء قبلَ اكتشاف المعادن الجديدة.. أي أن الخَشبة اليابسة أيضاً فيها فائدة، ولكن هؤلاء المُنافقين كالخُشُب الفاسدة التي يسري فيها السوس، لا ينتفَعُ منها في شيء!..

4. إن الخشب الفاسد لا فائدة منه، سوى استخدامه كوقود وإحراقه؛ والمنافقون كذلك!.. فكلمة ﴿مُّسَنَّدَةٌ﴾؛ مُبالغة في عَدم الانتفاعِ بِهِم!..

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾..

-﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾.. أي أن الذين حول النبي (صلی الله عليه) جاءوا لمتاع الدنيا، فإذا ضيقنا عليهم، وحاصرناهم؛ فإنهم سيصابون بالجوع والفقر، عندئذ يتركون النبي (صلی الله عليه) وينفضون من حوله.

-﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.. الآية لم تقل: وللهِ أموال السمواتِ والأرض، ولم تقل: وللهِ اليواقيت والجواهر.. بل قالت: ﴿خَزَائِنُ﴾، والخزينة عبارة عن المكان الذي فيهِ النفائس؛ ولكن الآية لم تذكر ما الذي يوجد في هذهِ الخزينة!.. فمن خزائن السمواتِ والأرض: تأليف القلوب، تلك الخاصية التي أُعطيت لرسول الله (صلی الله عليه)!.. فرب العالمين أمدّ نَبيهُ بالنَصر، وأعطاهُ المال الذي أدارَ بهِ مملكته، وحكومتهُ الرشيدة، وكذلك أعطاه خاصية الجَذب الأنفسي، يقول تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.

هنيئاً لأهل المدينة في تِلكَ الأيام، كان الإنسان يُصبح ويُمسي ويُصلي وعينهُ على جمال النبي (صلی الله عليه) ذاك الجمال الرباني!.. ورد في بعض النصوص عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (كان رجلٌ يبيع الزيت، وكان يحبّ رسول الله (صلی الله عليه) حباً شديداً، كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله (صلی الله عليه)، قد عُرف ذلك منه، فإذا جاء تطاول له حتى ينظر إليه، حتى إذا كان ذات يوم دخل فتطاول له رسول الله (صلی الله عليه) حتى نظر إليه، ثم مضى في حاجته فلم يكن بأسرع من أن رجع.. فلما رآه رسول الله (صلی الله عليه) قد فعل ذلك أشار إليه بيده اجلس ، فجلس بين يديه فقال: ما لك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل ذلك؟.. فقال : يا رسول الله!.. والذي بعثك بالحقّ نبياً، لغشى قلبي شيءٌ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك، فدعا له وقال له خيراً ثم مكث رسول الله (صلی الله عليه) أياماً لا يراه.. فلما فقده سأل عنه، فقيل: يا رسول الله!.. ما رأيناه منذ أيام، فانتعل رسول الله (صلی الله عليه) وانتعل معه أصحابه، وانطلق حتى أتى سوق الزيت، فإذا دكان الرجل ليس فيه أحدٌ ، فسأل عنه جيرته فقالوا: يا رسول الله!.. مات، ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً، إلا أنه قد كان فيه خصلة قال: وما هي؟.. قالوا: كان يرهق، يعنون يتبع النساء.. فقال رسول الله (صلی الله عليه): رحمه الله، والله لقد كان يحبني حبّاً لو كان نخّاساً لغفر الله له)!..

إن هذهِ المحبة صارت في قلوبِ أولئك الذين اشتهروا في الجاهلية بوأد البنات، هذا الوأد الذي كان يأخذ أشكالاً مختلفة، منها:
1. “كانت المرأة الحامل تجلس على حفرة تحتها عند وضعها، فإذا ولدت بنتاً ألقتها في الحفرة، وأهالت عليها التراب بأمر من زوجها.. وإذا كان المولود ذكراً، عادت به إلى المنزل”.

2. “كان بعضهم يترك البنت إلى سن السادسة من العمر، ثم يقول لأمها: زينيها وطيبيها حتى أذهب بها إلى أقاربها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء.. فإذا وصل إلى هناك قال للطفلة: انظري فيه!.. فإذا ما نظرت فيه رماها فيه وأهال التراب عليها”.

إن المُجتمع الإسلامي ولد من هذين الأبوين، فالبَعضُ مِنَ المُسلمين لعلَهُ وِلدَ من هكذا أبوين: أبٌ قاتل، وأمٌ قاتلة!.. ولكن وصلوا إلى هذهِ الدرجات العُليا؛ بفضل النَفس النبوية، والنظرة الإلهية!.. والمؤمن أيضاً يُعطى هذهِ الخاصية، فبعضُ المؤمنين يُربي أولاده بنظرته؛ تأسياً بالنبي () الذي كان إذا لم يُعجبه أمر، أو إذا غَضِبَ من أحدِهم؛ يُعرض بوجهه!.. هذه العقوبة الشرعية، هي من أقسى العقوبات في العائلة، وأكثرها تأثيراً وحِليّةً ومنطقيةً؛ ولا تحتاج إلى ضَرب!.. فالأب الشفيق الذي يحيي الليل، هذا الإنسان وجهه وجهٌ إلهي، لذا عندما يَدخل المنزل، ويجد مورداً من موارد المخالفة الشرعية؛ كاستماع الغناء، أو يرى حِجاباً غَيرَ شرعي؛ يكفي أن يُعرض بوجهه، فلا يتناول طعامه في ذلكَ اليَوم، ولا يتكلم، بل يَذهَبُ إلى غُرفته، ثم يَخرجُ مِن المنزل؛ وإذا بالبيتِ ينقلِب رأساً على عقب!.. فهذا العمل البسيط، يحدث زلزالاً في المنزل!..

فإذن، إن المؤمن يربي بنظرتهِ، وإن لم تنفع النظرة فبكلمة واحدة!.. رَحِمَ الله أحد العلماء السَلف، الذي قال كَلمة واحدة لأحدِهم، وإذا به ينقلب إلى عالمٍ آخر، وصارَ من كِبار الأولياء، قالَ لَهُ: ما لهذا خُلقنا!.. سواء كان المقصود بهذه العبارة: الغفلة، أو الإعراض، أو اللهو، أو التكاثر، أو جمع المال…الخ؛ الإنسان لم يُخلق لهذه الأشياء!.. فالإنسان الذي تفوه بتلك الحكمة كان على مستوى مِنَ التقوى، والذي تلقاها كانت لديه قابلية؛ لذا بدأت حركته التكاملية، واستمرت إلى آخرِ العمر!.. ولكن -مَعَ الأسف- البَعضُ منا في أول مَوقف يلجأ إلى الصُراخ، وإذا لم ينفع يستعمل اليَد!.. بينما الإنسان الذي يستعمل يَدهُ في مَوقفٍ واحد -سواء كان مؤمناً أو مربياً، أو معلماً، أو زوجاً- يكون قد قَطعَ الحِبال بينهُ وبينَ من أمامه بذلك العمل الذي قام به!.. صحيح أن المؤمن مُسامح كريم، ولكن هذهِ طبيعة البَشر!.. يقول الشاعر:

جراحات السنان لها التئام*** ولا يلتام ما جرح اللسان

الدرس العملي:
1. إن المؤمن يسأل اللهَ عَزَّ وجل أن يُعطيه من خزائنه!.. والخزائن لا تعني دائماً: الأموال، والرصيد، والأسهم، والعمارات الفاخرة، والثياب، والأثاث.. بل من أهم الخزائن: أن يكونَ للإنسان قَلبٌ ذاكرٌ ومُذكِّر!..

2. إن من لذائذ العيش الأنس بكتاب اللهِ عَز وجل، فمن فُتِحَ لهُ بابُ فَهم القُرآن الكريم، لا يستمتع بكتابٍ ولا بمسلسلٍ ولا بتلفازٍ ولا بغيره، إنما كُلما كان لديه وقت فتحَ كتاب اللهِ عَزَ وجل، واستمتعَ به.. فمن مُتع الحياة قراءة كتاب اللهِ عَزَ وجل!.. وشتان بين متع الدنيا المختلفة، وبين مُتعة الحديث معَ رَب العالمين؟!..

-﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾.. في ختام هذه الآية يقول تعالى: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾، وفي ختامِ الآية اللاحقة يقول: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ فما الفَرق بينهما؟..
إن هناك فرقاً بين التعبيرين: فالأول هو تعبير عن الغباء، والثاني تعبير عن الجهل.

1. الغباء: إن المُنافق أحمق، ليس له إدراك، فهو لا يفقه شيئاً!.. وحتى لو عُلّم لا يتعلم، ولهذا نلاحظ أنهم يكررون أخطاءهم طوال التاريخ، كأمثال: الفراعنة، والقياصرة، والأكاسرة؛ الذين وقعوا بنفس الخطأ واحداً بعدَ الآخر.
2. الجهل: إن الإنسان الذي لا يعرف المعلومة؛ هذا إنسان جاهلٌ، والجاهل عُذرَهُ معهُ.. ولكن علاجه بالتعلم، وهذا أمرٌ سهل!ٌ..

فإذن، إن المؤمن موجودٌ عالمٌ ومُتفقه، لذا قيل: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ)!..

﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾..

إن ظاهرة النِفاق تاريخياً لا نراها بَشكلٍ واضح في مكة، فأمثال: جعفر، وبِلال، وياسر، وعمار، وسُميّة؛ هؤلاء كانوا أصيلينَ في إيمانِهِم.. ولكن النِفاق ظهر في المدينة المنورة، عندما أصبح الدين قوياً.. فالإنسان عندما يرى قوة الدِين، وقِوة الخَصم؛ يبطن كُفرَهُ لئلا: يُفتضح، ويواجه، ويتأذى منَ الطَرف المُقابل!.. لذا عندما ظَهرَت قوة الإسلام، وصار النَبي (صلی الله عليه) حاكِماً وفاتِحاً، أظهر هؤلاء المنافقون إيمانهم؛ طمعاً في المكاسب، وخوفاً من سطوة المُسلمين.. وهذهِ أيضاً من آفات إقبال الدُنيا على المُجتَمع!.. ولكن -معَ الأسف- بَعض كِبار المُنافقين مردوا على النفاق، يقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.. فبعضُ المُنافقين وصلوا إلى درجة كان يظهر نفاقهم من فلتاتِ لسانِهم، وعلى رأس أولئك المنافقين عَبد اللهِ بنَ أُبي، هذا الإنسان كانَ يقول لقومهِ: “قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله!.. ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك!.. أما والله!.. لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل.. يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله (صلی الله عليه)، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما جعلتم بأنفسكم؛ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم.. أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام، لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم، ويلحقوا بعشائرهم و مواليهم”.. هكذا صَرحَ هذا المُنافق الذي كان اسمه عَبد اللهِ بنَ أُبي!..

ولكن سبحان الله، يُخرج الحي من الميت!.. فهذا المنافق كان له ولد مسمى بعبد الله أيضاً، هذا الشاب كان على مستوً كبير من الإيمان!.. وأكبر دليل على ذلك الموقف الذي اتخذه عندما بَلَغَهُ كلام أبيه، وما فيهِ من هَتك وتطاول على رسول الله (صلی الله عليه)، تقول الرواية: “وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي، ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله (صلی الله عليه)، فقال: يا رسول الله، إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه.. فو الله!.. لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله؛ فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي، أن يمشي في الناس؛ فأقتله.. فأقتل مؤمناً بكافر؛ فأدخل النار.. فقال (صلی الله عليه): (بل ترفق به، وتحسن صحبته ما بقي معنا)”.. فهذا الشاب المؤمن -الذي هو ابن زعيم المنافقين، والذي لو لم يكن في ديوانه إلا هذه المقالة؛ لكانت كفيلة بدخوله الجنة- عندما يطلب أن يقتل والده، ليس لأن هناك مُشكلة معه، وإنّما يريد أن يقتله قُربَة إلى اللهِ تعالى.. فهو يخشى من ضَعف الإيمان بمرور الوقت، وعندما يرى قاتِل أبيه، تأخذه الحَميّة فيقوم بقتله.

الدرس العملي:
1. إنَّ الإنسان ليسَ على مستوً واحد دائماً، لذا لا ينبغي أن يركن إلى إيمانه الفِعلي.. فمن يكون ملتزماً في وطنه، قد ينقلب رأساً على عقب عندما يذهب إلى بِلاد الغَرب؛ فليسَ هُنالِكَ من ضمانة!..

2. إن النَبي (صلی الله عليه) يؤكد على بر الوالدين، فهو لم يطلب من عبد الله قتل أبيه، ولم يطلب منه أن يعامله بقسوةٍ وعُنف، ولكنه قالَ لَهُ: (بَل تُرفِقُ بِه، وتحسِنُ صُحبَتَهُ ما بَقيَ معنا)، فهذه العبارة من أقوى العِبارات تأكيداً على ذلك!..

3. إن من يشتكي من ظلم الآباء: لحدة في مزاجهم، أو لتقصير في الإنفاق، أو لظلم يقع منهم، فمهما كان ظلمهم لا يصل إلى درجة عبد الله بن أُبي، الذي تطاولَ على رسول الله (صلی الله عليه) وعلى المؤمنين.. ومع ذلك يطلب رسول الله (صلی الله عليه) من ابن ذاك المنافق أن يحسن إلى والده، ويأمره بالرفق به، يقول تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ أي إن كان الوالدان كافرين، وعلى رأسِ حِزبٍ كافر، ويحاولان بقوة أن يخرجاك مِنَ الدِين، تقول الآية: ﴿فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾!..

فإذن، ما عِذرُ من لم يُحسن صحبَة أبيه، وإن كانَ سَيئاً إلى أبعد الحدود؟.. فكيفَ بالأب المؤمن، التقي، الذي يُقيم صلاة الليل؟.. البعض من الشباب تنتكس حياته ويصبح غير موفق: لا في زواج، ولا في عمل، ولا في شراء؛ لعدم رضا والديه عنه.. لذا، فمن أرادَ السَلامَةَ في الحياة، عليه أن يكونَ باراً بأبويه، وخاصةً إذا رأى إعراضاً منهما؛ فهنا البطولة وهُنا الفَخر!.. ولكن -معَ الأسف- البعض يُقاطع أبيه لأسباب تافهة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى