خطب الجمع

إطلالة على سورة المنافقون -3

مواقع السور..
إنه لمن المناسب للمؤمن أن يكون مطلعاً على السِور التي يُتعارَف قراءتها، كسورة: “يس”، و”الواقعة”، و”الرحمن”، وقصار السور كسورتي: “الجُمعة”، و”المُنافقون” التي نقرأها في يوم الجمعة.. ألا ينبغي أن نعلم -على الأقل- جزئيات هذهِ السور التي نَلهَجُ بِها كثيراً؟!.. فأهلُ المُستحبات من المؤمنين لا يمكنهم أن يتركوا قراءة: سورة “ص” ليلة الجُمُعة، وسورة “الصافات” يومَ الجُمعة، وسورة “الجُمعة” ليلة الجُمعة فهي كفارة للذنوب من الجُمعة إلى الجُمعة، وقراءة سورتي: “الجمعة” و”المنافقون” في صلاة الظهر من يوم الجمعة، سواء كانَ في سَفر أو في حَضر!.. فرَب العالمين الذي خلق الأفلاك والمجرات والذرات، والذي جَعلَ الألكترونات في مواضعها حولَ النواة، عندما يختارُ سورة من القُرآن الكريم لتُقرأ في يومِ الجُمعة؛ يكون هذا الاختيار لحكمة.. لذا، لو قرأ الإنسان غَيرَ سورة “المُنافقون” في الركعة الثانية من صلاةِ يومِ الجُمعة، يكون قد خالف أمراً استحبابياً!.. لأن رَب العالمين الذي هو أدرى بمواقع النجوم، هو أيضاً أدرى بمواقع السور في صلواتنا اليومية!..

الجفاء تجاه الثقلين..
إنَّ النَبي (صلی الله عليه) تَركَ فينا الثقلين: كتاب اللهِ، وعترته.. فنحنُ بالنسبةِ للعترةِ مقصرون، ولكنّ هناك نوعاً من أداء الحق، كـ:
1. التزام البعض بإقامة مجلس أسبوعي.
2. إحياء ذكرى عاشوراء المتجددة كل سنة في شهري: مُحرم وصَفر.
3. زيارة مشاهدهُم الشريفة.

ولو عملنا أضعافَ ذلك ما أدينا حَقَ العترَة!.. ولكن بالنسبَةِ لكتاب الله تعالى هُناكَ جفاء، فالبعض يكون في أعلى درجات التخصص العلمي، ويعرف اللُغات العالمية المُختلِفة، ولكن عندما يقرأُ كتاب اللهِ عَزَ وجل لا يقرأه بشكل سليم، لا من حيث قواعد التجويد، كـ: الإدغامُ، والمَد، و…الخ؛ إنما ألفاظ القُرآن لا يتلَفَظُ بها بشكلٍ صحيح.. فالبعض يعتمد على عربيته، ويظن أنه لا يمكن أن يُخطئ في القراءة؛ ولكن عند الاستماع لتلاوته، نجد أنه لا يُفرقُ بينَ الضادِ والظاء، بل يلفظهما على نَحوٍ سواء، لا يُفرقُ بينهما وهُما حرفان مُستقلان، هذا فضلاً عن فَهم كتاب اللهِ عَزَ وجل!.. والحال أنَ اللُغة العربية مُختَصَةٌ بهذا الأمر، فالنبي () هو أفصح من نَطقَ بالضاد!..

إن من نعم الله عز وجل على البعض، أنه خُلق في بيئةٍ عربية؛ لأن الإنسان الذي لا يتكلمُ العربية يحتاجُ إلى عُمرٍ مَديد إلى أن يَفهم ظاهر القُرآن، أما هو فإن نصف الطريق مَطويٌ له.. لذا، فإنه عندما يقرأ السِور، يفهم المعنى الإجمالي لها!.. ولكن الأمر يحتاج إلى تَدبر وإلى تَعمق، والمكتبة الإسلامية هذهِ الأيام -بحمد الله تعالى- وخاصة المكتبة القُرآنية مليئة بالتفاسير، فقرصٌ مُدمج فيهِ ما يُقارب من مئتي تفسير؛ من التفاسير المُبَسَطة إلى التفاسير المُعمقة.. فإذن، ما هو عُذرنا؟.. ومعَ ذلك لو قرأ المؤمن كُلَّ التفاسير، فإنه إذا تَدبرَ في كتاب اللهِ عَزَ وجَل وخاصة في الأسحار: حيثُ صفاء الذِهن، وهدوء الأصوات، وقِلة المعاصي، من الممكن أن يخرج بشيء مميز!..

الأنس بالقرآن..
إن المؤمن لَهُ أنسٌ بكتاب اللهِ عزَ وجل، ولو أنس به فإنه يُغنيه عن كَثيرٍ مِنَ الصُحُف!.. فالبعضُ يقلبُ صحيفة أو صحيفتين أو ثلاث أو أربع، ليخرج منها بخبرين نافعين، وكتابُ رَب العالمين في جيبهِ ولا يفتحه!.. بينما لا يكون أنس المؤمن في الخلوات والجلوات إلا بالقرآن الكريم: بالاستماع تارةً، وبالقراءة تارةً أخرى!.. فالبعض يطوفُ حولَ البَيت، وهو يسمعُ الآيات التي نَزلت في المسجد الحرام، وفي روضة النَبي () يسمع تِلكَ السِور المدنية التي نزلت في المدينة المنورة.. ومن أنسَ بكتاب اللهِ عَزَ وجل، لا يأنسُ بكلام أحد إلا من كان ينطقُ عن اللهِ عَزَ وجل، كرواياتِ أهل البيت (عليهم السلام)؛ أي أن أنسهُ بالحَديثِ والقُرآن الكريم.. ولو كان في بيت المؤمن مكتبة برَفٍ واحد: نصفهُ تفسير، ونصفهُ كُتب حديثية؛ فإن هذهِ المكتبة هي من أرقى المكتبات في العالم؛ لأن القُرآن وروايات العِترة، تُغني الإنسان عن مئات الكُتب!.. فما الفائدة إن كان عنده مكتبة كمكتبة العُلماء، وهو لا يَفقهُ من هذهِ الكُتبِ شيئاً؟!.. إذ ليسَ المُهم جَمع الكُتب، وإنّما المُهم رَفعُ الحُجب!..

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾..

-﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.. إن الأجسام بعض الأوقات تَكون مُغرية، والشباب -وإن أنكروا هذا المعنى- يهتمون لذلك، فالعُنصر الأول الذي ينظرون إليه عند الزواج هو جمال الفتاة!.. بينما القُرآن الكريم يصفُ المُنافقين بأنَّ لَهم أجساماً مُلفتة؛ ولكن قلوبهم خاوية.. يمكن تشبيههم بسنبلة القمح التي ظاهرها سَليم، ولكن الديدان في داخلها تنتشر؛ فهذه السنابل تُرمى في سَلة المهملات.. بعضُ الناس هكذا: ظاهرهم أنيق، وباطنهم غير سليم، هؤلاء قَومٌ فيهم من الأوساخ ما يلوث الباطن!.. لذا، ينبغي أن لا يُعجب الإنسان بالظاهر، فبعض الفتيات عندما يأتي شاب لخطبتها، تكون عينها على شكله، والحال أنَّ البعض ظاهره يختلف كلياً عن باطنه، ولو اطلع الإنسان على باطنهِ لولى منهُ فِراراً!..

فإذن، إن المنافقين قد تَكون لهُم أجساد مُغرية مُلفتة، ولكن باطنهم خاوياً، كما يقول القُرآن الكريم: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَة﴾!.. فالذي يستوحِش مِنَ الوَحدَة، هذا إنسان غير ناضج؛ لأنه يعيش حالة الخِواء الباطني!.. بينما المؤمن يبحَثُ عن خلوة: فالإمام الكاظم (عليه السلام) شَكرَ اللهَ عز وجل على نعمة الخلوةِ في سجنِ هارون!.. ونبي اللهِ يُوسُف (عليه السلام) السِجنُ أحبُ إليه من قَصرِ زُليخا!.. ونَبي الله يُونس (عليه السلام) جعل بطن الحُوت معبداً له، فقد كان مكاناً خالياً مناسباً للعبادة، ولهذا نادى ﴿فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ هذا الذِكرُ اليونسي هو تَركة نَبي الله يُونُس (عليه السلام)!.. فإذن، إن الإنسان الذي باطنهُ كالخَشَبة، هو إنسان لا رَوحَ له.

-﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾.. إن المُنافقين قلوبهم جوفاء يخافونَ كثيراً، فهم في عالم المواجهة بينَ الحَقِ والباطِل جبناء؛ لأن أهل الباطِل هَمهم الدُنيا، وليس لهم مبدأ يقاتلون لأجله، فبالنسبة لهم ليس هناك إلا الفناء بَعد هذهِ الحياة الدُنيا!.. والذي لا يعتقد باليَوم الآخر، لا يُمكن أن يَكونَ شُجاعاً!.. وهذا ما يفسر تصرفات الذينَ كانوا في رَكب الحُسينِ (عليهِ السلام) أمثال: برير، وعابس.. فـ:

1. برير: كان يمزح ليلة عاشوراء، تقول الرواية: (فجعل برُير يضاحك عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: يا بُرير أتضحك؟.. ما هذه ساعة باطل، فقال برير: “لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، وإنما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه.. فو الله!.. ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة، ثم نعانق الحور العين”).

2. عابس: ذهب إلى الميدان حاسراً، وقيل له لما ألقى درعه ومغفره: أجننت يا عابس؟!.. فقال: “حب الحسين أجنني”!..

فإذن، إن هؤلاء كانوا هكذا؛ لأنّهُم كانوا على يقين بما ينتظرهم في ذلكَ العالم!.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المُنافق والكافِر؛ فالمُنافق والكافر على حَدٍ سواء في عَدم الإيمان، ولكن الفارق أنَّ المُنافق يُظهر إيمانهُ، والكافر يظهِرُ كُفره، وإلا هُم بحسب الواقع في مرتبةٍ واحدة.. جاء في تفسير الميزان: “أي إنهم لإبطانهم الكفر وكتمانهم ذلك من المؤمنين، يعيشون على خوف ووجل ووحشة، يخافون ظهور أمرهم واطلاع الناس على باطنهم، ويظنون أن كل صيحة سمعوها فهي كائنة عليهم وأنهم المقصودون بها”.

-﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.. إن الإنسان الذي يُقاتِله رَب العالمين، ويكون خَصمه؛ هذا لا ثباتَ لَه، وإن كان لَهُ جَولة!.. فالرواية تقول: «للباطل جولةٌ، وللحقّ دولة»؛ فبعض من كان في زمان الفراعنة والقياصِرة والأكاسِرة، كانوا لا يظنون زوال ملكهم، ولكن رَب العالمين يقول: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾!.. وإذا صارَ بناء رب العالمين على قتالِ أحد، أو على إهلاكِ أحد؛ فإنه يُهيّئ له الأسباب.. فمثلاً: هل كانَ يظن فرعون أن مثواه سيكون قَعر النِيل، ويكون آيةً لمن بعده؟.. هكذ ارَب العالمين إذا أرادَ أن يُحرّكَ الأمور، يحركها كيفما يشاء!.. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال -وقد ذكرنا عنده ملوك بني فلان-: (إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إنّ الله لا يعجل لعجلة العباد، إنّ لهذا الأمر غايةً ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعةً ولم يستأخروا)؛ فرَب العالمين جَعلَ مُهلة للظالمين، ولكنَّهُ لا يَعجَل (إنّما يَعجل من يخافُ الفَوت، وإنّما يحتاجُ إلى الظُلم الضَعيف)؛ أي أنه يُمهِل ولا يُهمِل!..

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾..

ما هذا الشقاء؟.. يقولُ لَهُم القائِل: أيُها المُنافقون!.. تعالوا كي يستغفر لكم رسول الله، فبابُ التَوبةِ مفتوح، والذي فَتَحَ لكُم الباب هو نَبي الرحمة، ولكنهم ﴿يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾!.. فهؤلاء لم يصلوا إلى هذه المرحلة إلا لسبب خطير، وهذا السبب ذُكر في أول السورة، حيث يقول تعالى: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ وهذهِ المرحلة من الطَبعِ على القَلب هي مرحلة خطيرة!.. والله عز وجل عندما يختم على قلب العبد، يكون هذا الختم بسبب الفسق، ألا يقول تعالى في الآية اللاحقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾!.. فالبَعض مِنَ العاصين يبدأُ من الصغائر، كـ: استماع الغناء، أو كشف المرأة لشيء من مفاتنها؛ ولكنه بعدَ فترة يتعودُ على الكبائر!.. لأن الشيطان لا يقنعُ بالقليل، فهو يُدخُل الإنسان من الباب أولاً، ثُمَّ يجرُه إلى وسط الدار؛ فيرتكبُ الكبائر، وبَعدَ أن يتعود على فِعل الكبائر، يَصل إلى مرحلة خَتم القَلب!.. وأفضل مثال على ذلك:

1. أولئك الذين يُنهون عن المنكر، وإذا بهم يدّعون أنهم غير معتقدين بحرمة هذا الأمر؛ لأن عقولهم لا تستوعب ذلك!.. هذا الإنسان خُتِمَ على قَلبه، لأنه ارتكبَ الصغائِر، ثم ارتكبَ الكبائر، وبعدَ ذلك أنكرَ حرمة كبيرة الكبائر!..

2. المرأة السافرة التي ترتكب الحرام بسفورها هذا، وتقول: سَلوا اللهَ عَزَ وجل أن يهديني!.. هذا الكلام كلامٌ سَخيف جداً!..

3. المرأة التي تستهزئ بالحِجاب، مدعية أن الحِجاب هو حِجابُ القَلب، وأن قلبها لا يَميلُ إلى رَجُل؛ ولكنها تَخرج بمظهرٍ، لا يَعلمُ إلا اللهُ عَزَ وجل كم توقع من الناسِ في الحرام!.. هذهِ المرأة طَبِعَ اللهُ على قلبِها.

4. المرأة التي لا تعتقد بالحِجاب، وتدّعي أن هذا الجَمال لم يُخلق ليكونَ تحتَ الغِطاء!.. فالشَعرُ أحد الجمالين، حيث أن جَمال المرأةِ في وجهها وشعرِها!.. هذهِ امرأة رَب العالمين طَبِعَ على قلبِها، لا يُتوقَعُ منها الخَير إلا بَفضلٍ إلهي غامر!..

﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾..

إن النَبي (صلی الله عليه) في المرحلة الأولى يدعوهم للاستغفار ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ولكن عندما ﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾؛ ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾؛ أي أن رَب العالمين سَدَّ البابَ عليهم!.. وقد جاء في تفسير هذه الآية: “أي يتساوى الاستغفار وعدمه في حقهم!.. وتساوي الشيء وعدمه؛ كناية عن أنه لا يفيد الفائدة المطلوبة منه، فالمعنى: لا يفيدهم استغفارك ولا ينفعهم”.. وهل هناكَ كلام فَوقَ كلامِ رَب العالمين؟!..

وهُنا لابد من الإشارة إلى مسألة مُهمة، ألا وهي التعويل على الشفاعة: فبعضُ العاصين ممّن يَدعي ولاء أهل البَيت، عندما يُسأل عن سبب عكوفه على المعاصي، يقول: إن النَبي (صلی الله عليه) ادّخَر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وأنا من أهلُ الكبائر؛ لذا فإن النَبي (صلی الله عليه) سيشفعُ لي.. وأنا ممّن يقيم عزاءَ أهل البَيت (عليهم السلام)، فهؤلاء سيشفعونَ لي أيضاً!.. ولكن الشفاعة لها ضوابط، ومن هذه الضوابط الصلاة، فقد جاء في الرواية: (دخلت على أم حميد أُعزّيها بأبي عبد الله (عليه السلام) فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد!.. لو رأيت الصادق (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال: اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك أحداً إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم، ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة)!.. لذا، ينبغي أن لا يَغُش الإنسان نَفسَهُ بمبدأ الشفاعة، فأنى له أن يجزم بأنَ هذهِ الرحمة ستشمله، وهناك هذا المانع الذي هو مانع واحد من موانع كثيرة!.. فإذن، من يُريد أن يَصل إلى شفاعتهم، عليه باتباع سبيلهم، والتأسي بهم في سلوكهم وأفعالهم.

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾..

إن الشبكات العنكبوتية، والإعلام، والفضائيات، تُبين لنا كيفَ أنَ الباطِل يروجُ لنفسهِ، عن طريق البركات التي جعلها الله عَزَ وجل في هذهِ الأرض.. فرَب العالمين هو خالقُ هذهِ النِعم، وهو خالقُ هذهِ المعادن، وهو صاحِبِ هذهِ الكنوز.. بينما المُنافِق والكافر يجعل نِعمة اللهِ عَزَ وجل أداةً لمُحارَبة المؤمنين؛ وهذا ما يَحز في نفس المؤمن!.. ولكن هذهِ الخزائن في يَومٍ من الأيام ستكونُ في خِدمة الحَق، عندما يظهر الإمام (عليه السلام) الذي لا تستقر الأرض إلا بوجوده، ولا يهدأُ البال إلا بظهوره، ولا فَرجَ ولا أمنَ ولا أمان إلا بطلعتهِ الرشيدة.. عندئذ تخرجُ الأرضُ كنوزها، فلا يحتاجُ الإمام في دولته الكريمة إلى التنقيب عن المعادن، لأن رب العالمين يُخرج الخزائن المُختَلِفة سواء كانت كنوز الذَهب أو المعادن النفيسة؛ لتكونَ في خِدمةِ إمامِ الزمان (عليه السلام).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى