خطب الجمع

طمأنينة القلوب

معالجة القلب..
إن الإنسان المؤمن الذي يعتقد باليوم الآخر، لابدَ وأن يكونَ طبيباً ومُعالجاً لنفسه.. وغنيٌ عن القول أنَّ أمراض القلوب هيَّ كأمراض الأبدان: فمن يتأخر في علاجِ نفسه؛ يصبح علاجه صعباً.. وقد ورد في بعض الآثار: (إذا بلغ الرجل أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شره؛ قبله الشيطان بين عينيه، وقال: فديت وجهاً لا يفلح أبداً)!..

سلامة القَلب..
إن “سلامة القلب” تعني ثَمرة الخِلقة، وثمرة الوجود.. لأنَ ما ينفع الإنسان يومَ القيامة كما في الآية الكريمة؛ هو القلب السليم، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ؛ حيث أن العمل السليم لا يصدر إلا من القلب السليم!.. فالآية ذَكرت العِلة؛ أي عِلةُ الأعمال الصالحة؛ هي القلب السليم: فالذي لا يُرائي خارجاً؛ هو صاحب القلب السليم.. والذي يُصلي صلاةً خاشعة؛ هو صاحب القلب المُنيب.. والذي يُزكي أموالهُ؛ هو صاحب القلب الزاهدِ في الدُنيا.. وهكذا فإن كُل الأعمال مُرتبطة بهذهِ الصفة!..

القلب المطمئن..
إن القلب السليم ينفع صاحبه في الآخرة، أما القلب المطمئن فإن آثاره تظهر في الدُنيا أيضاً، وليس فقط في الآخرة.. وكل إنسان على وجه الأرض يسعى وراء السعادة؛ فمن منا لا يُريد اطمئنان القلب؟!.. حتى أهل المعاصي والمجون، عند سؤالهم عن سبب قيامهم بتلك الأعمال؛ فإن الجواب هو: أنهم يقومون بذلك؛ طلباً للسعادة والاطمئنان!.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدمني الكحول، رغم أن هناك مقولة طبية مُجمع عليها عالمياً؛ وهي: “أنَ الخَمر تُتلفُ أعضاءً من البدن: كالكبدِ وغيره”.. ومع ذلك هناك من لا يقلع عن الشرب، رغم علمه بآفاته؛ لأنه يريد أن يعيش الراحة والاطمئنان، ولو لسويعات!.. وهذهِ الأيام التكنولوجيا الحَديثة، تفننت في صُنع المُخدرات الكيمياوية.. أما فيما مضى من الأيام: فإن البُسطاء من الناس كانت علاقتهم بالمخدرات الطبيعية؛ أي ما تنبته الأرض.. ولكن هذهِ الأيام العِلم تَقدم، فقدّم لشبابنا ولفتياتنا هذهِ المواد التي تُستخرج من موادٍ سامة، والتي تجعل الإنسان يخرجُ من إنسانيته.. وبعض هذهِ العقاقير -معَ الأسف- يصعب علاجها، إذ أن المُدمن عليها، يستمر في إدمانهِ إلى أن يموت؛ ويالها من ميتة!..

فإذن، إن الكُل يبحث عن طمأنينة القلب؛ لأن الاضطراب أمرٌ مُزعج!..

ما هيَّ موجبات الاضطراب؟..
إن الاكتئاب والقلق؛ هما مرضا العصر.. والبعض -معَ الأسف- يُريد أن يرفع قلقهُ بأمور خارجية: كتغيير أثاث المنزل وتجميله؛ ولكن ما علاقة ذلك بالباطن؟.. بمثابةِ إنسان عنده انسداد بالشرايين، ويضعُ الطيبَ على بَدنه؛ ما علاقة الجلد بالقلب؟!.. القلب المضطرب يحتاجُ إلى علاجٍ من نوعٍ آخر: لا في النساء، ولا في الأموال، ولا حتى في السفر!.. حيث أن البعض يُسافر لكسب طمأنينة القلب، وإذا به يعود بعد شهرين وهو على ما هو عليه؛ بل ربما أصبح في حالة أسوأ!.. فيتمنى لو أنه لم يسافر؛ لأنّهُ عندما رَجع أخذ بالمقارنة بين وضعه في السفر، ووضعه في الحضر.. فهو قبلَ أيام كان في المنتجعات الراقية، أما الآن فقد رجع إلى غُرفته وإلى مكتبه؛ لذا أصبح الجلوس في المنزل صعباً عليه.. والاضطرابُ الذي يصيب الإنسان، عادةً لهُ سببان لا ثالث لهما:

أولاً: الحُزن.. أي الحزنُ على الماضي!.. إن الإنسان يَحزن: إما لدنياه، أو لآخرته:
1. حزن دنيوي:
إن الإنسان يحزن لفوات منافع دنيوية: فالذي لم يشتر عقاراً قبلَ عامٍ أو عامين، وارتفع العقار الآن؛ يعيش الحُزن.. والإنسان الذي تَزوجَ بامرأةٍ ما كانَ ينبغي أن يتزوجَ منها؛ يندم على ذلك.. والذي اشترى ما لا ينبغي؛ يحزن.. والذي باعَ ما لا ينبغي؛ يندم!..

2. حزن أخروي: إن الإنسان يحزن لفوات منافع أخروية: فالذي لم يصل صلاةَ الليل، يحزن على عدم قيامه بذلك.. والذي لم يذهب إلى الحج أو العمرة أو الزيارة؛ يندم.. والذي لم يقدم صدقات جارية؛ يحزن.. والخ.

فإذن، إن تذكر الماضي يوجب الحُزن!.. علماً أن أغلب الناس، أو كُل الناس ما عدا المعصوم، ليسَ براضٍ عما مضى.. والذي يرضى عن ماضيه؛ هذا الإنسان متوهم!..

ثانياً: الخَوف.. أي الخَوف منَ المُستقبل!.. إن الخوف يكون من عدة أمور، منها:
1. عالمية:
إن الإنسان لا يمكنهُ التكهن بحال الكُرة الأرضية بعدَ سنة: من حيث الحروب، والسِلم، والإقتصاد، لا أحد يعلم هذهِ الأرض التي تغلي هذهِ الأيام إلى أين تتجه؟.. فهذه الأيام كُلّ يَومٍ هناكَ حَدثٌ مُهم على وجه الأرض، وإجمالاً نحنُ مُقدمونَ على عَصرٍ مُبهَم، حتى الدول الكُبرى باستخباراتِها وبأجهزتها لا يمكنها التَكهن بما ستؤول إليهِ الأمور، فهذا العصر هو عصر المُفاجآت.

2. بدنية: إن البعض بينَ عَشية وضُحاها ينتكس، وعندما يذهب للمستشفى، وإذا به يكتشف أنه مصاب بأمراض عديدة، لم يكن مصاباً بها: كالسكر، والضغط، والقلب، و..الخ.. في ليلة واحدة يكتشف أنَ هذهِ الأمراض كُلها قد اجتمعت عليه.

3. ذُرية: إن البعض يُربي وَلدهُ ويَدهُ على قَلبه؛ لأنه لا يعلم ما هي النتيجة: هل يصبح هذا الولد باراً أو عاقاً؟!.. وإن كان الولد في بلاد الغرب؛ فإنه لا يعلم هل يرجع على سلامةٍ من دينه أو لا؟.. ولا يعلم ماذا يعمل هناك؟.. ولا ما هي حالته؟..

4. زوجية: إن بعض النساء في سِن مُعينة، تنقلب رأساً على عَقب!.. تتحول من امرأةٍ وديعةٍ مؤمنةٍ، إلى امرأةٍ مُشاكسة.. والعَكسُ أيضاً صحيح: فالرجل قد يكون مؤمناً طيباً طاهراً، وإذا بهِ في أيام ينقلب على عقبيه: ينقلب إلى إنسان مريض ومُعقد، يتحول إلى إنسان يفحش في القول!..

ما هو الطريق إلى سَد الخَوفِ والحُزن؟..
إن الطريق إلى ذلك هو الانتساب إلى المُطلق، فالذي لا يرتبط بالله -عز وجل- كسفينةٍ مائجةٍ في بحار الاضطراب.. والذي لا يتمسك بالعروة الوثقى، كطيرِ خَرّ من السماء، وهو يهوي في مكانٍ سحيق.. يقول تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، أي أن هؤلاء جنس الخوف مُنتف عنهم، وجنس الحُزن مُنتف عنهم:

1. لا خوف: مم يخاف الإنسان إذا كانَ رَب العالمين يصنعهُ على عينه؟!.. لذا المؤمن يطلب من الله -عز وجل- أن يعامله كما عامل كليمه موسى (عليه السلام)؛ يقول تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.. إن كانَ كذلك؛ فلا خَوف من المُستقبل!.. موسى (عليه السلام) كان طفلاً صغيراً في مهده، تتقاذفهُ الأمواج، في زمنِ مَلكٍ يذبح الأولاد خشية أن يخرج منهم موسى.. وإذا برب العالمين يخرجهُ من البحر، ويجعلهُ في حضن ذلك الملك، وفي يومٍ من الأيام يكونُ سَبباً لهلاكه، عندما اجتازَ البَحر وغَرقَ فرعونُ وجنوده.. هكذا تسير أمور العبد إذا تبناه رَب العالمين!..

2. لا حزن: إن المؤمنين لا يشعرون بالحزن على الماضي؛ لأنهم يراقبون أنفسهم في الحاضر!.. وما الماضي إلا مجموع سويعات، وبما أنهم في كُلِ ساعةٍ يُراقبون أنفسهم، والدقائق والثواني تحت النظر؛ فلمَ الحُزن على الماضي؟!..

فإذن، إن الاطمئنان هو عبارة عن السلامة من الخَوفِ والحزن.

كيفَ نصل إلى طمأنينة القلب؟..
إن بعض الآيات هي بمثابةٍ كُتب لا كتاب، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.. ﴿وَتَطْمَئِنُّ فعل مضارع؛ أي في كُلِ وَقتٍ هؤلاء لهم قلوبٌ مطمئنة.. وسببُ الاطمئنان؛ هو ذِكرُ الله!.. ولكن الذِكر الذي يدخل القلب!.. فالمعدة الخاوية في شهرِ رمضان، تطمئن عندما يَدخل الطعام في الجَوف.. أما الطعامُ الذي على مائدة الإفطار قبل الأذان، فإنه لا يمنع الإنسان من التضور جوعاً؛ لأنه ما صارَ جُزءاً منه.. وذكر الله اللفظي، بمثابة ذلك الطعام الذي على المائدة؛ لا يشبع الإنسان.. يقول الإمام (عليه السلام) في المُناجاة: (سيدي!.. أنا من حبك جائع لا أشبع، أنا من حبك ظمآن لا أروى، وا شوقاه إلى من يرانى ولا أراه)!.. أي أن ذكرك دَخلَ جوفي، ولكن لم يشبعني؛ أريد المزيد!.. هكذا يكون أثر ذِكر الله في طمأنينة القلب!.. يقولون في اللغة العربية: أن تقديم ما حَقهُ التأخير؛ يفيدُ الحَصر.. فأصل الآية: آلا تطمئن القلوبُ بذكر الله، ولكن ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ قُدّم؛ فيصبح المعنى: بهذا -أي بذكر الله- ولا غير تطمئنُ القلوب.

كيف يتم الجمع بين الوجل والطمأنينة؟..
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ؛ ﴿إِنَّمَا﴾؛ أداةُ حصر!.. والوجل؛ يعني الاضطراب -ولكن هل حقاً المؤمن هكذا: إذا ذُكر الله وجلَ قلبه؟!.. فالبعض يضحك مقهقهاً أثناء تلاوة القرآن في التلفاز؛ فأيّ وَجل هذا-؟!.. بينما في هذه الآية يقول تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ؛ والاطمئنان عكس الإضطراب؛ فكيفَ نجمع بينَ وجل القلب وبينَ طمأنينة القلب؟.. هناك مسلكان:

أولاً: وجل قبل الطمأنينة.. إنَ الإنسان في أول الطريق لَهُ وجل؛ ولكن إذا وصل اطمأن.. فالشاب الذي يتقدم لخطبة فتاة، يكون في حالة وجل؛ لأنه يخاف أن يأتيه الجواب بالرفض.. فهو قبلَ أن يتقدم لم يكن له وَجلَ؛ لأنّهُ لا حُب له.. أما بعد أن تقدم للخطبة أصبح لَهُ وجل، ولا يرتاح إلا عندما يأتيه الجواب بالقبول!.. عندئذ يَدخل على الزوجة بكمال الاطمئنان!.. فهو كانَ وَجلاً ثمَّ اطمأن؛ لأنّهُ وَصلَ إلى ما يُريد.. وبالتالي، فإن هذا الوجل ينتهي بالاطمئنان.

ثانياً: وجل بعد الطمأنينة.. إن الإنسان بعد أن يصل إلى ما يريد؛ فإنه يخشى من المشاكل، ويخاف من فقد ذلك الشريك، ويخاف من المرض، ومن الموت!.. وبالتالي، فإن هذا الاطمئنان يتحول إلى وجل.. لذا المؤمن بعد أن يصل إلى اطمئنان القلب يسأل الله تعالى قائلاً: يا رَب (لا تَسلب مني صالحَ ما أعطيتني)، و(لا تردني إلى سوءٍ استنقذتني منه أبداً)!..

فإذن، إن قَلب المؤمن الواصل بين وجلين: وَجلُ عَدم الوصل، ووجلُ فقد الوصل.. وعليه، فإن الوجل والاطمئنان يجتمعان.

أثر اطمئنان القلب..
إن اطمئنان القلب لَهُ أثرٌ بليغٌ ساعة الموت، فحالة العبد الصالح أثناء الموت، تختلف عن حالة باقي الناس!.. عن سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك يا ابن رسول الله!.. هل يكره المؤمن على قبض روحه؟.. قال: (لا والله!. إنه إذا أتاه ملك الموت ليقبض روحه، جزع عند ذلك، فيقول ملك الموت: يا ولي الله، لا تجزع فوالذي بعث محمداً!.. لأني أبر بك، وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر.. قال: ويمثل له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (عليهم السلام) فيقال له: هذا رسول الله، وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، والأئمة (عليهم السلام) رفقاؤك.. قال: فيفتح عينيه، فينظر، فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ!.. إلى محمد وأهل بيته، ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً بالولاية، ﴿مَّرْضِيَّةً بالثواب، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، يعني محمداً وأهل بيته، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي.. فما من شيء أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي).. لم يأتوا لتفقد الحال؛ لا!.. هؤلاء رفقاؤه، الآن معه، وفي القيامة معه، وفي الجَنّةِ معه.. فإذن، يجب أن يكون الإنسان أولاً في زُمرة الطيبين؛ وهذا أهمُ من نعيم الجَنّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى