خطب الجمع

أسس الحياة الزوجية

الاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام)..
إن أغلب الناس: إما متزوج، أو في طريقه إلى الزواج.. حيث أنه
قلّ من يخرج من هذه الدنيا ولم يقترن بزوجة؛ فهذه سنة الله-عز وجل- في خلقه، والروايات في هذا المجال كثيرة جداً.. والذي يعزف ويعرض عن الزواج، بدعوى التفرغ للعبادة وما شابه ذلك؛ فهذا انحراف عن نهج الإسلام، وإعراض عن السنة النبوية.. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إنّ ثلاث نسوة أتين رسول الله (صلی الله علیه) فقالت إحداهن: إنّ زوجي لا يأكل اللحم، وقالت الأخرى: إنّ زوجي لا يشمّ الطيب، وقالت الأخرى: إنّ زوجي لا يقرب النساء.. فخرج رسول الله (صلی الله علیه) يجرّ رداه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم، ولا يشمّون الطيب، ولا يأتون النساء؟.. أما إني آكل اللحم، وأشمّ الطيب، وآتي النساء.. فمَن رغب عن سنّتي؛ فليس مني).. والذي يدّعي ذلك يُشك في أصل عقله، فالإنسان يتقرب إلى الله -عز وجل- في هذا العش الزوجي المبارك.

إن الكثير منا يتمنى أن تكون حياته كحياة النبي (صلی الله علیه) وأم المؤمنين خديجة (عليها السلام)، وكحياة أمير المؤمنين (عليه السلام) وزوجته فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ ولكن من منا يوفق لذلك؟!.. إن هذه حياة لا يمكن أن نرقى إليها!.. فبيت علي (عليه السلام) من أشرف البيوت في التأريخ!.. حيث أن بيت النبي (صلی الله علیه) مع زوجاته كان فيه معصوم واحد، ولكن بيت علي (عليه السلام) فيه أربعة من أصحاب الكساء، وعندما يزورهم النبي (صلی الله علیه) تكتمل الحلقات، ويصبح خمسة من أهل الكساء (عليهم السلام) تحت سقف واحد.

كيف نتأسى بهم في تربية الأولاد؟..
إن
أحد العلماء الكبار سأل ابنه: مَن قدوتك في هذه الحياة؟.. فقال: أنت قدوتي في الحياة؛ لأنك أنت أب صالح متفوق ومتميز.. عندئذ قال العالم: قد لا تصل إلى ذلك!.. فأنا جعلت قدوتي أمير المؤمنين (عليه السلاملذا وصلت إلى ما وصلت إليه.. فإن أنت جعلتني قدوتك؛ قد لا تصل للدرجات العليا.. وعليه، فإن المؤمن يرفع من مستوى همته؛ ليصل إلى ما يقرب منها.. ونحن مأمورون بالتشبه بأهل البيت (عليهم السلام)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾.. فلنحاول أن نتشبه بهم في حياتنا الأسرية!..

أسس بناء الأسرة..
إن
البناء له أسس، والحياة الزوجية المادية لها أسس أيضاً، ولكن كيف نبني الأساس المعنوي للحياة الزوجية؟..

أولاً: السكون والمودة والرحمة..
إن المتعارف عليه عند عقد القران، قراءة هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.. فهذه الآية تشير إلى أمور لازمة في الحياة الزوجية، وهي: السكون، والمودة، والرحمة.. وكلها معان باطنية في القلب؛ وهذه هي أساس الزواج السعيد.. فالزواج فيه معاشرة، وفيه أنس، وفيه أبناء، وفيه تدبير المنزل؛ ولكن القرآن الكريم لم يذكر هذه الأمور أبداً.. ومع الأسف بعض البيوت فيها كل شيء: من الأثاث الفاخر، والحلي والحلل؛ إلا هذه العناصر الثلاثة!.. ومع المد الحضاري؛ نرى التفكك الأسري في أوجه!.. فقبل عشرات السنين عندما كانت تقع حادثة طلاق في بلدة، يتزلزل لها المجتمع، وكأنه خبر مهم جداً.. ولكن هذه الأيام عندما تسمع أن شاباً انفصل عن زوجته بعد شهر أو شهرين، فالأمر عادي جداً، ولا يثير أي استغراب، وذلك لتكرر وقوع هذا الأمر؛ وهذه كارثة!.. وعند مراجعة المحاكم، تجد الإحصائيات مذهلة في هذا المجال!.. وما يحدث بعد ذلك من الكوارث لا يعلمها إلا الله عز وجل: من التفكك الأسري، وانحراف الأولاد، وانحراف الزوجة، وانحراف الزوج.. والبنيان إذا هدم، يصعب ترميمه.

إن البعض يظن أنه بإمكانه تحقيق السعادة برفاهية العيش، ولكن هذا الأمر في كثير من الأحيان لا يشفع له!.. فالبعض يريد أن يرضي زوجته بخاتم، أو بقلادة، أو بأثاث منزل جديد، أو…؛ ولكن الأمر أعمق وأعظم!.. فهذا علي (عليه السلام) لو بيع ما في منزله من أثاث، لم تتجاوز قيمته الدنانير المعدودة.. وهناك بعض الكتب تذكر لنا محتويات بيت علي (عليه السلام)، فهي عبارة عن: الرحى، والوسادة، والليف، وغيره.. كانت حياة في غاية التواضع، ولكن ما الذي خرج من بيت علي (عليه السلام)؟!..

ثانياً: قوامة الرجل..
إن الزواج شركة من أعقد الشركات والمؤسسات، ولابد أن يكون لهذه المؤسسة مدير يدبر شؤون الأسرة، ويحسم الأمور.. والإسلام أعطى القوامة للرجل، فهو القوام وهو صاحب القرار، وهو متى ما شاء ينفصل عن زوجته.. فلابد من الاتفاق على أن الرجل هو المدير!.. أما إذا كانت المرأة تنازع الزوج في هذا الأمر، فهو يقول أمراً وهي تقول آخر، فإن هذا النزاع مقدمة لتفكك الأسرة.. فقد روي عن رسول الله (صلی الله علیه) أنه قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر؛ فليؤمر أحدهم).. وهناك مثل معروف يقول: (سفينة بربانين تغرق)!..

إن الحياة الزوجية عبارة عن مؤسسة، ومن أرقى المؤسسات في العالم!.. فهي أيضاً بحاجة إلى إدارة، والرجل هو المدير!.. بعض النساء تحبذ الدراسة الأكاديمية، بدعوى أن الشهادة أهم من الحياة الزوجية، وأهم من تربية الأولاد.. وهذا خطأ فادح!.. حيث أن هناك فرقاً بين امرأة مثابرة تدير عائلة، وتخرّج أولاداً صالحين.. وبين امرأة موظفة في مكتب من المكاتب، وبعد سنوات تأخذ التقاعد، وما إنتاجها إلا مجموعة من الملفات قامت بكتابتها!.. فبعض الأسر فيها خمسة أو سبعة من المعممين العلماء الكبار، خرّجتهم هذه الأم التي تعد حوزة مربية لعدد من العلماء.. وهؤلاء العلماء يديرون مؤسسات ومدناً بل قارات!.. فأين هذه الأم المربية، من تلك التي تقنع براتب من وظيفة، قد تضطرها إلى أن تمارس من الأعمال التي قد لا تناسبها أيضاً، فمن الصباح إلى الليل وهي تدخل في معارك مع من كل من هب ودب!..

فإذن، إن المؤسسة من طبيعتها وجود مدير، حتى لو كانت مؤسسة صغيرة، فيها موظفان في غرفة، لابد أن يكون أحدهما هو الرئيس.. فالأمور لا تدار بالشراكة، بل هناك حالة من المحورية لابد منها.. ولكن الإسلام عندما قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، لا يعني كل رجل.. إنما هذا حق معطى للرجل الذي تربى في بوتقة الدين، والذي يخاف الله-عز وجل- في التعامل مع الآخرين؛ فضلاً عن زوجته.. ومن مبادئ القوامة:

1. مبدأ الأمانة: إن أساس الزيارة الموفقة، هو استشعار حياة المعصوم، أي أن يكون الزائر صادقاً في قوله: (أشهد أنك تسمع السلام، وترد الجواب).. فمن يستشعر حياة المعصوم، يتأدب تلقائياً، ولا يحتاج إلى توصية كي يحسن التصرف والأدب في حضرة المعصوم.. وكما أن الإحساس بحياة المزور، أساس الزيارة الناجحة، أيضاً أساس الحياة الزوجية الموفقة؛ هي عبارة عن كلمة واحدة، ومنها تتشعب الشعب، ألا وهي: أن يعيش الزوج حالة الأمانة.. فهذه الزوجة أمانة لديه، فقد كانت في بيت أهلها مدللة، لذا عليه أن يراعي هذا الجانب.. حيث أن من أسباب الانفصال، سوء التعامل مع الزوجة.

إن المرأة التي كانت تعيش في بيئة مريحة، ثم تنتقل إلى بيئة غير مريحة، لا يمكنها أن تتحمل هذه العيشة.. بمثابة إنسان كان جالساً في مكان مكيف ومريح، وتنقله إلى بيت غير مريح: حيث لا تكييف فيه، ولا سقف له، والشمس الحارقة؛ فهذا من الطبيعي أنه يهرب إلى مكان الظل.. والبنت التي كانت تعيش في بيت بمثابة الظل، ولها أبوان رحيمان رؤوفان، وإذا بها تنتقل إلى بيت: عند زوج لا حنان له، ولا عاطفة له، ولا دين له، وقد يكون هناك بعض المشاكل مع أم الزوج، هذا النزاع التقليدي والمشاكل المتعارفة منذ أن خلق الله تعالى آدم إلى يومنا هذا؛ وإذا بهذه المسكينة تقع في الجحيم!..

إن البعض منهن تتحمل التبعات، وتضحي لأجل أولادها.. ولكن هناك من لا تتحمل وتفضل أن تنفصل، مهما كانت التبعات، وتتنازل عن كل ما تملك حتى فلذة كبدها.. وهذه كارثة أن يصل الإنسان إلى هذا المستوى في المعاشرة، لدرجة لا يطاق العيش معه!.. فمثل هذا الإنسان لو صلى صلاة الليل من أول الليل إلى طلوع الفجر، ما وزنه عند الله عز وجل؟!.. بل كيف يمكنه أن يرتاح وينام، وهناك من يدعو عليه؟!.. إن هذه المرأة المسكينة، كلما تذكرت ولدها، رمته بسهم من سهام الليل لا يخطئ أبداً!.. والبعض منهن عندما تذهب لزيارة المشاهد، قبل أن تدعو لنفسها تدعو على من ظلمها، هذا الزوج الظالم!..

فإذن، إن الزوجة أمانة، جاءت من بيت أهلها، لا لتأكل عند الزوج، هي كان لها من الأكل ما لها، وكان لها من السكن ما لها، وكانت مدللة عند أبويها، وبعض الآباء والأمهات يبالغون في دلال الأولاد، لم ينقصها شيء.. جاءت إلى بيته، فهي ضيفة بمعنى من المعاني، عليه أن ينظر إليها على أنها أمانة الله تعالى عنده.. والأمانة مسؤولية كبيرة، فالإنسان عندما يضطر للاستعانة بسيارة أحد أخوانه، كم يشعر بثقل الأمانة، فهو لا يرتاح إلى أن يعيدها إلى صاحبها.. فإذا كان تحمل مسؤولية سيارة أمراً صعباً؛ فكيف بهذه الإنسانة التي جاءت إلى بيته؟!.. عليه أن يراعي هذه الأمانة، فهي شريكة له في حياته، فلا ينظر لها على أنها أسيرة ورهينة بين يديه!.. وكذلك الأمر بالنسبة للزوجة: فهي أيضاً ينبغي أن تنظر للزوج على أنه أمانة، وتنظر للزوج نظرة احترام وتقدير؛ فمراعاة الأمانة واجبة على الطرفين!.. الزوجة أمانة والزوج أمانة، ويوم القيامة الإنسان مسؤول عن هذه الأمانة: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).. ومن الطبيعي أن الزوج عندما ينظر إلى زوجته، بعنوان الأمانة؛ فإنه سيراقب الله-عز وجل- في كل صغيرة وكبيرة.

2. مبدأ الصبر: إن الذي لم يحسن اختيار الزوجة، وابتلى بزوجة سيئة الخلق؛ عليه أن يتقربْ إلى الله-عز وجل- بالصبر عليها، فإن من سبل التكامل كظم الغيظ.. فليستغل هذه الفرصة، ليمتلك ملكة كظم الغيظ.. لو أنه كان له امرأة حسنة الخلق، عاطفية، البسمة لا تفارقها، كيف سيمتلك هذه الفضيلة؟.. الذي هو مبتلى بامرأة مشاكسة، وتخرجه عن طوره، ويكظم غيظه؛ فهو من الفائزين!.. والقرآن الكريم يذكر اثنين من الأنبياء: نبي الله لوط (عليه السلام)، ونبي الله نوح (عليه السلام)، ابتليا بزوجتين سيئتين إلى أبعد الحدود، إلى درجة أن القرآن الكريم وصفهما بالخيانة -لا بمعنى الخيانة الزوجية، بل بمعنى أنهما لم تكونا على خط الأنبياء- ورب العالمين أهلكهما.. وكذلك الأئمة (عليهم السلام) كانت لهم مواقف، لو أن أحدنا كان في هذه المواقف لخرج عن طوره، ولكن المعصوم يكظم غيظه، والقصص كثيرة في هذا المجال.

إن الإنسان الذي يُبتلى سواء كان امرأة أو رجلاً؛ عليه بالتقرب إلى الله عز وجل– بهذا الابتلاء.. وهنيئاً لمن كان مصداقاً لهذا القول الوارد عن النبي (صلی الله علیه): (من صبر على سوء خلق امرأته، أعطاه الله من الأجر ما أعطى داوود (عليه السلام) على بلائه.. ومن صبرت على سوء خلق زوجها، أعطاها مثل ثواب آسية بنت مزاحم)!.. ومن المعلوم أن آسية من الشخصيات المهمة في تأريخ النساء، وقد ابتليت بأسوأ زوج في الوجود.. وليس هنالك امرأة على وجه الأرض هذه الأيام، تقول: إن زوجي أسوء من فرعون!.. لأن الجميع يقول: (لا إله إلا الله)، والحال بأن فرعون كان يدعي أنه الرب: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾!..

إن رب العالمين يبتلي البعض في هذا المجال، ليتكامل.. فبعض الأولياء الكبار ابتلوا بنساء، لا يمكن تحملهن.. إن رب العالمين -الأعلم بالإنسان وبما يصلحه- قد يرى أن صلاح هذا الإنسان وتأديبه وتكامله؛ يكون من هذا الطريق.. فكما يوفق للزواج من امرأة صالحة، يوفق للزواج من امرأة طالحة؛ ليختبر صبر الإنسان عليها، فالدنيا دار اختبار: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾!.. وهنيئاً لرجل عندما يثار يخاف الله عز وجل، ولا يخرج عن طوره!.. إن المؤمن كالجبل الراسخ، لا تحركهُ العواصف!..

3. مبدأ الواقعية: إن البعض يبلغ من العمر الثلاثين والأربعين ولم يتزوج، وأمنية أمه أن تراه متزوجاً، ولكنه يضع شروطاً تعجيزية: يريد جمال ملكات الجمال، ويريد عقل سيدة النساء، ويريد…الخ.. ومن المعلوم أن هذه الدنيا دار محدودة، وكل امتياز في مقابله نقص.. ولهذا هؤلاء في أواخر أعمارهم، تراهم يرضون بأدنى المستويات.. ومادام الزوج له من الهفوات ما له، فلماذا يخرج عن طوره عندما يرى في زوجته هفوة؟!.. فمادام الإنسان ليس مثالياً؛ عليه أن لا يتوقع المثالية من الطرف المقابل.. ما دام يخطئ؛ فليتحمل أخطاء الغير.. وإذا رأى معصية في الطرف المقابل، عليه أن يصلح الأمر ولا يتبرم، فهو عاص وهي عاصية.. لماذا ينظر إليها، وكأنه هو إمام الجماعة وهي مأمومة خلفه؟!.. كلنا عصاة، وكلنا مذنبون.. وإذا رأى فيها خطأ، فليصلح هذا الخطأ من دون توتر.. فالدنيا دار محدودة، ورب العالمين إن شاء يكمل له هذه الزوجة، وتكون أحسن مما يريد.

ثالثاً: تحمل الزوجة..
إن
الحياة الزوجية هي مشروع ضخم عملاق!.. ليس هناك برج يصل للعش الزوجي: فهذه الأبراج إذا لم تدمر في الدنيا -كما دمر البعض منها- فإنها تدمر قبل يوم القيامة: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾!.. ولكن هذا العش الزوجي، يبقى إلى أبد الآبدين.. فالمرأة إن ماتت على الشهادتين، وعلى الإيمان، وعلى ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وهو كذلك، فهذه زوجته في الجنة.. وجمال الزوجة المؤمنة يوم القيامة، جمال لا يقاس به جمال الحور العين.. فالرجل عندما ينظر إلى زوجته في الجنة، يرى جمالاً لا يقاس به جمال.. فإذا كانت الزوجة تتحول إلى أجمل امرأة في جنته، وفي دائرته، وفي مملكته هي أجمل امرأة يراها، إذا كانت بالشكل هكذا، فكيف بالمضمون؟!.. من الطبيعي في الجنة أنها ستكون جامعة للجمال والكمال، مهما كانت سيئة في خلقها وتعاملها مع الزوج في الدنيا.. إن هذه المرأة ستكون معه إلى أبد الآبدين، فليتحملها وليحاول أن يكملها.

رابعاً: استثمار الزوجة..
إن الرجل المؤمن يفكر في إكمال زوجته خلقاً وعلماً وفكراً، وثقافةً ووعياً وفقهاً.. لأنه يريد امرأة من أكمل النساء تعاشره في الجنة؛ وهذا أفضل استثمار!.. لذا، فإنه يتمنى من الله-عز وجل- أن تتفوق عليه!.. هذه الأيام عندما يقدم الإنسان على طلب قرض، فإنهم يأخذون راتب الزوجة وراتب الزوج، ويجمعون الراتبين، وبلحاظ الراتبين يُعطى القرض.. في يوم القيامة أيضاً المؤمن تؤخذ درجته وتؤخذ درجة الزوجة العالية، ويُعطيان منزلة بلحاظ مجموع المنزلتين.. فإن كانت المرأة في الطبقة الثانية من الجنة، والزوج في الطبقة الرابعة، رب العالمين أجلّ وأكرم من أن يجعل بينهما تزاور، كأن يقال هذه الزوجة في الدرجة الثانية تعيش عزباء، وأنت في الدرجة الرابعة، ولكن بين وقت وآخر نسمح لكما باللقاء.. إذا كان الأمر كذلك، أي جنة هذه؟.. وإن كانت المرأةمثلاً- أعلى مستوى من الزوج في الإيمان، فإكراماً لهذه المرأة المؤمنة، يقال للزوج: اصعد واصعد، وكن في مستوى زوجتك.

فإذن، إن الإنسان الذي يعمل في الدنيا على إصلاح الزوجة وعلى تربيتها، فإن هذا أفضل استثمار له في الجنة وفي عرصات القيامة!.. البعض لأنه مرتبط بدوام عمل، يغري زوجته بصلاة الليل وهو ينام، يقول لا بأس أنا أنام وهي تصلي، ويوم القيامة أعتمد على صلاة ليلها!.. أو لأنه لا يتمكن من السفر للعمرة ولزيارة المشاهد لارتباطه بالعمل، يبعث زوجته، ويقول: نحن شركاء، عندما تقوم هي بالزيارة والعمرة، كأنني أنا قمت بذلك؛ هذه النظرة كم هي نظرة جميلة!.. نعم، هذا هو الاستثمار الناجح!.. وشتان بين هذا الإنسان وبين إنسان يعيش مع زوجة أربعين سنة، وإذا بها تنفصل عنه، ثم تتزوج رجلاً صالحاً، وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام) لو تزوجت المرأة أكثر من رجل، فإنها تُعطى لأحسنهم خلقاً.. فالزوج الأول في جهنم يتعذب، وإذا بهذه المرأة المؤمنة مع ذلك المؤمن، في النعيم المقيم!.. عن أنس: أن أم حبيبة زوج النبي (صلی الله علیه) قالت: يا رسول الله، المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا، ثم يموتون ويجتمعون في الجنة، لأيهما تكون؟.. للأول أو للآخر؟.. قال: (لأحسنهما خلقاً كان معها يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة).. نعم، استثمرها، ولا تسارع في هدم هذا البيت الزوجي المبارك!..

الخلاصة:
1. علينا أن نرفع من مستوى الهمة في حياتنا، حتى نصل إلى أعلى الدرجات!.. فالذي يجعل همته أن يصل يوماً ما لما وصل إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنه لا شك سيصل إلى درجة عالية، وإن هو لم يحقق المستوى الذي كان يطمح إليه.

2. إن أساس السعادة في الحياة الزوجية، هي هذه العناصر المعنوية الثلاثة، التي ذكرها القرآن الكريم: السكون، والمودة، والرحمة.. فالسعادة ليست بالمعاشرة، أو بالذرية أو غيرها من الأمور المادية.

3. إن الأسرة هي من أرقى المؤسسات، ولابد أن يكون لهذه المؤسسة مدير يدبر شؤون الأسرة، ويحسم الأمور.. ولابد من الاتفاق على أن الرجل هو المدير، كما ينص الشرع بأن القوامة للرجل.. وإلا فإن النزاع بين الزوجين على هذا الأمر، من موجبات التفكك الأسري.

4. إن الأساس الأولي للحياة الزوجية السعيدة، هو أن يعيش كلا الزوجين مبدأ الأمانة للطرف الآخر.. فينظر الزوج لزوجته على أنها أمانة الله تعالى عنده، ويشعر بثقل هذه الأمانة، وعظم المسؤولية التي على عاتقه.. وكذلك المرأة عليها بحسن التبعل، وباحترام الزوج وتقديره.

5. إن المؤمن يستغل فرصة سوء خلق الزوجة، ليمرّن نفسه على الصبر وكظم الغيظ.. ويا لها من صفقة مربحة أن يحقق الإنسان أسمى الدرجات التكاملية، التي توجب له السعادة الأبدية، مقابل الصبر في مدة محدودة!..

6. إن الدنيا دار محدودة، وكل امتياز بمقابله نقص، فينبغي الواقعية وعدم المثالية.. فالإنسان ما دام يرى نفسه أنه ليس مثالياً، فلماذا يطلب المثالية من الغير؟.. ورب العالمين إن شاء جعل الزوجة أحسن مما يريده الزوج!..

7. إن العلاقة الزوجية هي علاقة أبدية، فرب العالمين يجمع بين الزوجين في الجنة.. والزوجة مهما كانت سيئة الخلق في الدنيا، فإنها ستكون في الجنة في غاية الجمال والكمال، ولا يوجد من ينافسها في الجمال من الحور العين.

8. إن المؤمن العاقل يستثمر الزوجة، بأن يوجهها إلى طريق التكامل، ويحثها على فعل الطاعات؛ حتى يكون رابحاً في يوم القيامة.. لأنه يعلم أنه كلما ترقت الزوجة، كان الأمر لصالحهما معا، وكانت الدرجة المتوقعة لهما أعلى في حياتهما الأبدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى