خطب الجمع

النبي (ص) أسوة وقدوة

التأسي بالنبي (صلی الله عليه)..
إن المؤمن ينظرُ إلى النبي (صلی الله عليه) على أنّهُ قدوةٌ يُقتدى به، ومن هُنا ينبغي للمسلم أن يُلم بسيرته (صلی الله عليه) وسُننهِ وآدابه، حتى في جُزئيات حياتهِ: أكلهِ، وشربهِ، ونومه.. ويحاول أن يتأسى بالحبيب المصطفى (صلی الله عليه)، فالسنخية في هذهِ الدُنيا، توجب السنخية في الآخرة.. حيث أن هناك مَن يطمع في أن يكونَ في دَرجة النبي (صلی الله عليه)؛ وهذا طمعٌ راقٍ جداً، فأعلى دَرجات الطَموح في هذهِ الدُنيا، أن يكون الإنسانُ في درجة النبي وآلهِ إلى أبد الآبدين؛ فهذا فَوزٌ ما بعدهُ فوز!.. وعندما نقول: في درجة النبي (صلی الله عليه)، لا يعني ذلك في رتبته مُباشرةً؛ إنّما في المنطقة التي فيها رسول الله (صلی الله عليه)؛ وهذا فَوزٌ في حَد نفسه.. فالسنخية في الجنة تستلزم السنخية في الدنيا، ومن موجبات السنخية في الدُنيا: التأسي بهِ في كُلِ شؤونِ حياتنا.

صفة المصطفى (صلی الله عليه)..
إن الأنبياء كلهم أحباء الله عز وجل، ولكن النبي (صلی الله عليه) تميزَ بهذا الوصف.. فإبراهيم (عليه السلام) خليل الله، وموسى (عليه السلام) كليمه، وعيسى (عليه السلام) روحه؛ ولكن أرقى الصفات، وأرقى علاقة بينَ جهتين؛ هي علاقة الحب؛ فالحُب أعلى درجات الارتباط!.. وحبيب الله -عز وجل- هو محمد المصطفى (صلی الله عليه).

آيات في وصف النبي (صلی الله عليه)..
إن هذهِ الآيات فيها إشارة ضمنية تحثنا على أن نكونَ كالنبي (صلی الله عليه) والذينَ معه..

الآية الأولى: يقول تعالى في كتابه الكريم في الآية الأخيرة من سورة الفتح: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾..

أولاً: الشدة على الكفار: يقول تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾.. ليس المقصود بـ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ مَن كانَ في المدينة في زمانهِ (صلی الله عليه)، أما الذين كانوا في بلدٍ آخر لم يكونوا معه (صلی الله عليه).. إنما الذينَ معَ النبي (صلی الله عليه) من هُم على منهجهِ، ولهذا النبي (صلی الله عليه) يصف المؤمنين الذين يأتون في آخر الزمان أنهم أخوانه.. فقد روي أنه (بكى رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله عليه) فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟.. قال: اشتقت لإخواني!.. قالوا: أوَلسنا إخوانك يا رسول الله؟!.. قال: لا، أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولا يروني)!.. هُناكَ رأي يقول: بأنّ من كان بعدَ وفاة النبي (صلی الله عليه) على خَطه؛ هذا أرقى ممن رأى المُعجزات التي منها: شَقَ القمر، وتسبيح الحصى في يده، ورأى جمال النبي المصطفى (صلی الله عليه).. لأن هذا الإنسان آمن بسوادٍ على بياض، وبعض من جاءَ بعدَ النبي (صلی الله عليه)، كانَ يحمل في قلبهِ حُباً مُضاعفاً للنبي (صلی الله عليه)، بالنسبةِ إلى بعضِ أصحابه، ومنهم أويس الذي جاءَ من جهة اليمن، ولم يلتق برسول الله (صلی الله عليه)، ولكن بعض الصحابة كانَ يغبطُ أويساً على مقدارِ ما دَخلَ في قلب النبي (صلی الله عليه).

إن المؤمن فيهِ صفة الشدة على الكُفار، ومن مصاديق الشدة على الكفار:
١. عدم الانبهار بهم، وبتقدمهم العلمي!.. وذلك لأن هذا التقدم، هو في عالم المادةِ والظاهر، بينما قيمة الإنسان بباطنهِ وبروحه.. فهذه الذَرة عندما تُسخر في خدمة الباطل، لا يبقى هناك أية قيمة لهذا التقدم!.. فالتقدم العلمي لهُ قيمةٌ، إذا كانَ القلب راقياً، والنفس نفس راقية؛ وإلا فإنه يصبح خطراً!.. فالإنسان الظالم الغشوم، إذا كان بيدهِ سيف؛ فإنه يقتل عدداً محدوداً من الناس، ولكن عندما يُعطى طاقةَ ذَرية؛ فإنه يُفسدُ في الأرض أيَ فساد!.. لذا، علينا أن لا ننبهر بهذهِ الأمور.

٢. إن المؤمن متعتهُ، وسياحتهُ وسَفرهُ لا يكون إلا إلى البلاد التي تعلو فيها كلمة “لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسول الله (صلی الله عليه)”.. وهناك رأي يقول: أنَّ المؤمن لا يخرج من بيئ المسلمين إلا للضرورة، مثلاً: للعلاج، أو الدراسة، أو بمهمة.. وإلا فإن المؤمن يعيش بينَ أخوانهِ، حيث أن بعض الأسفار، هي من مصاديق التَعرب بعدَ الهجرة.. فمن كبائر الذنوب أن يخرج الإنسان إلى بيئةٍ يُخافُ فيها على دينه.

ثانياً: الرحمة على المؤمنين: إن المؤمن لهُ صفات -حسب الظاهر- متعارضة، فهو يستطيع أن يجمع بين الشدة والرحمة.. ولهذا يقول الشاعر في مَدحِ أمير المؤمنين -عليهِ السلام-، وهذا أرقى أنواع المدح:

جمعت في صفاتك الأضداد *** ولهذا عزت لك الأنداد

زاهــد حاكم حليم شجــــــاع *** فاتك ناسك فقير جواد

يقول تعالى: ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾: المؤمن لهُ قَلبٌ رَقيق، والذي يُريد أن يكونَ مظهراً لصفات اللهِ -عزَ وجل-، عليه أن يكون رحيماً.. فهذه الصفة الإلهية، تكررت أربع مرات في سورة “الحمد” ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.. والإنسان الذي لا يعيش هذهِ الرحمة الباطنية للمؤمنين، لا يمكنُ أن يكونَ مَحطَ نَظر اللهِ -عز وجل- وعنايته.. حيث أن طريق الكمال هو الجهاد، ولكنَ الأرقى من جهاد النفس؛ هو الجذب الإلهي للعبد!.. فرب العالمين عندما يرى الإنسان مُجاهداً صادقاً؛ فإنه يجتبيه كما اجتبى الأنبياء والمُرسلين.

فإذن، علينا أن نتأسى بهذه الصفة؛ التي كان يتصف بها نبي الإسلام (صلی الله عليه).. فهذه الرحمة التي لدى رسول الله (صلی الله عليه) لا تخطرُ ببالِ أحد، فلقد ادخرَ شفاعتهُ لأهل الكبائرِ من أمته.. وقد تعدّت شفقته (صلی الله عليه) إلى الكفار وإلى غير المسلمين، (لما كان يوم بدر أسر المسلمون من المشركين سبعين رجلا، فكان ممن أسر العباس عم رسول الله (صلی الله عليه)، فكان رسول الله (صلی الله عليه) يسمع أنين العباس فلا يأتيه النوم.. فقالوا: يا رسول الله، ما يمنعك من النوم؟.. فقال رسول الله (صلی الله عليه): كيف أنام وأنا أسمع أنين عمي؟!.. فأطلقه الأنصار).. وعندما دَخلَ مكة فاتحاً، رفقه بأهل قريش، كان أعلى درجات الرفق، بعدَ رحمة اللهِ عَزَ وجل.

ثالثاً: كثرة الركوع والسجود: يقول تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.. هذه الآية غريبة، فهي تبدأ بصفة نفسية؛ وهي الشدة والرحمة ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾، ولكن الطريق إلى تلك الرحمة، وإلى الكمالات الباطنية؛ هو التعبد الخارجي: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًاِ﴾.. وقد فسر البعض هذا الجزء من الآية: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ بآثار السجودِ على التُراب أو التربة.. ولكن هُناكَ معنى أدق: فالإنسان عندما يسجد بين يدي اللهِ -عزَ وجل- يغشاهُ شيءٌ منَ الجلال الإلهي، يقول الإمام علي (عليه السلام): (لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله، ما سره أن يرفع رأسه من السجود).. وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إِذَا قَامَ الْمُصَلِّي إِلَى الصَّلاَةِ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِنْ أَعْنَانِ السَّمَاءِ إِلَى أَعْنَانِ الأرْضِ، وَحَفَّتْ بِهِ الْمَلاَئِكَةُ، وَنَادَاهُ مَلَكٌ: لَوْ يَعْلَمُ هَذَا الْمُصَلِّي مَا فِي الصَّلاَةِ مَا انْفَتَلَ)؛ بمعنى: ما تركَ صلاته بينَ يدي اللهِ جلا وعلا!.. الصلاة من موجبات غشيان الجلال، ولكن في خصوص السجود: فهناك مشاعر تدرك ولا توصف، لا يعلمها إلا أهلها!..

إن المؤمن يحاول أن يتأسى برسول الله (صلی الله عليه) في كل شيء، ومنها كثرة السجود.. مما ينقل أن صحابياً خدم النبي (صلی الله عليه)، فسأله النبي (صلی الله عليه) أجره على ذلك، فطلب أن يكون مع النبي (صلی الله عليه) في درجته في الجنة.. البعضُ بعد مُجاهدة سنوات قد يصل وقد لا يصل إلى هذه الدرجة، وهذا الإنسان قدمَ طلباً للنبي (صلی الله عليه)، والنبي لا يَردُ سائلاً، ولكن طلبَ منه أن يعينهُ بالسجود.. عن ربيعة قال: قال لي ذات يوم رسول الله (صلی الله عليه): (يا ربيعة!.. خدمتني سبع سنين، أفلا تسألني حاجة)؟.. فقلت: يا رسول الله!.. أمهلني حتى أفكر، فلما أصبحت ُودخلت عليه قال لي: (يا ربيعة!.. هات حاجتك)، فقلت: تسأل الله أن يدخلني معك الجنة، فقال لي: (من علّمك هذا)؟.. فقلت: يا رسول الله!.. ما علّمني أحدٌ، لكني فكرت في نفسي وقلت: إن سألته مالاً كان إلى نفاد، وإن سألته عمراً طويلاً وأولاداً كان عاقبتهم الموت، قال ربيعة: فنكس رأسه ساعةً ثم قال: (أفعلُ ذلك، فأعني بكثرة السجود)!.. بإمكان كل مؤمن عندما يذهب لزيارة رسول الله (صلی الله عليه) أن يتكلم مع المصطفى (صلی الله عليه) فهو حيٌ مرزوق، ويسأله أن يجعله في درجتهِ يومَ القيامة.. ألا نقرأ في زيارة المعصومين: (اللهم!.. إني أعتقد حرمة صاحب هـذا المشهد الشريف فى غيبته، كما أعتقدها فى حضرته.. وأعلم أن رسولك وخلفاءك (صلی الله عليه) أحياء عـنـدك يـرزقـون، يـرون مـقـامي، ويـسـمعون كلامي، ويردون سلامي)؛ أي حرمة هذا المعصوم وهو ميت، كحرمتهُ وهو حي، لا فرقَ بينهما!..

الدرس العملي:
١. إن المؤمن لهُ صفات مختلفة: في قلبهِ بغض أعداء الله عز وجل، وفي قلبهِ حُبُ أولياء الله عز وجل.
٢. إن المؤمن في وجههِ سيماء السجود.
٣. إن المؤمن يقيم الليل، ويعمل بالنهار.. كما جاء في وصف المتقين عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (أَما الليل فصافُّون أَقدامهم، تالين لاَجزاءِ القرآن، يرتلوتهُ ترتيلاً، أما النهار فحكماء علماء أبرار أتقياء).

الآية الثانية: يقول تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾..

إن هذهِ الآية مُخيفةٌ، وفي نفس الوقت مُبشرة.. فهذا قانون، والقانون ينطبقُ على المنحرفين، كما ينطبقُ على المستقيمين.. هنا تحقيق جميل لصاحب تفسير الميزان، حيث يقول: “﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.. الحيلولة هي التخلل وسطاً، والقلب العضو المعروف.. ويستعمل كثيراً في القرآن الكريم، في الأمر الذي يدرك به الإنسان، ويظهر به أحكام عواطفه الباطنة: كالحب، والبغض، والخوف، والرجاء، والتمني، والقلق، ونحو ذلك.. فالقلب هو الذي يقضي ويحكم، وهو الذي يحب شيئاً ويبغض آخر، وهو الذي يخاف ويرجو، ويتمنى ويسر ويحزن، وهو في الحقيقة النفس الإنسانية، تفعل بما جهزت به من القوى والعواطف الباطنة.. والإنسان كسائر ما أبدعه الله من الأنواع التي هي أبعاض عالم الخلقة، مركب من أجزاء شتى، مجهز بقوى وأدوات تابعة لوجوده، يملكها ويستخدمها في مقاصد وجوده، والجميع مربوطة به ربطاً يجعل شتات الأجزاء والأبعاض على كثرتها وتفاريق القوى والأدوات على تعددها، واحداً تاماً يفعل ويترك، ويتحرك ويسكن، بوحدته وفردانيته.. غير أن الله -سبحانه- لما كان هو المبدع للإنسان، وهو الموجد لكل واحد واحد من أجزاء وجوده، وتفاريق قواه وأدواته، كان هو الذي يحيط به وبكل واحد من أجزاء وجوده وتوابعه، ويملك كلا منها بحقيقة معنى الملك، يتصرف فيه كيف يشاء، ويملك الإنسان ما شاء منها كيف شاء، فهو المتوسط الحائل بين الإنسان وبين كل جزء من أجزاء وجوده، وكل تابع من توابع شخصه: بينه وبين قلبه، بينه وبين سمعه، بينه وبين بصره، بينه وبين بدنه، بينه وبين نفسه.. يتصرف فيها بإيجادها، ويتصرف فيها بتمليك الإنسان ما شاء منها كيف شاء، وإعطائه ما أعطي، وحرمانه ما حرم.. فالله -سبحانه- هو الحائل المتوسط بين الإنسان وبين قلبه، وكل ما يملكه الإنسان ويرتبط ويتصل هو به نوعا من الارتباط والاتصال، وهو أقرب إليه من كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾»: ق: – 16″.

إن العقل قد يدعو الإنسان للعمل، ولكن يبدو بينَ العقل وبينَ العضلات الخارجية؛ التي هي أدوات التنفيذ، لابد أن يمر الأمر عَبرَ جهاز العاطفة.. مثلاً: الطبيب يُحذّر من أخطار التدخين، لأنه خبيرٌ بأمراض الرئة، فعقله وتجربتهُ وشهادته الجامعية تقول هذا الكلام، ولكنه بعدَ أن يخرج من عيادتهِ يُدخن!.. هنا العقلُ حَكم بعدم التدخين، ولكن هناك حباً في قلبهِ لهذا الشيء.. والذينَ يشربون الخمر، ألا يعلمونَ بأنهم يشربون سُماً؟!.. إنه عبارة عن مادة حِمضية تُتلف الكبد، وهذا ليسَ بسر، هذا أمر طبي معروف، ولهذا يخففونها بالسوائل حتى لا يصيبهم الأذى.. ولكن يكفي أنّهُ عندَ شرب الخمر، يفقد أعز ما أعطاه الله -عزَ وجل- وهو العقل، ولكن حُب الشيء يُعمي ويُصم!.. فالعقل يصدر الأحكام، والقلب هو الوسيط.. مثلاً: هذهِ الأيام عند يُصدر القاضي حُكماً، فإنه لا قيمة لهذا الحكم الذي على الورق، إلا عندما يصل إلى الجهاز التنفيذي، عندما يأتي الشرطي ويُلزم المحكوم عليه بحكم القاضي.. والعاطفة كذلك هي بمثابة الجهاز التنفيذي، ولكن رب العالمين لهُ دورٌ في هذهِ النقطة ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، فكما أذنَ لإبليس أن يوسوسَ في صدر الإنسان، أذنَ لنفسه وملائكتهِ أن يتدخلَ في قلبه.. وفي روايات أهل البيت (صلی الله عليه ) تمر علينا هذهِ العبارة “قذفَ في قلبهِ حُبَ كذا وكذا”، ومنها (من أراد الله به الخير، قذف في قلبه حب الحسين (عليه السلام) وحب زيارته.. ومن أراد الله به السوء، قذف في قلبه بغض الحسين وبغض زيارته).. أنظروا طوال التأريخ إلى هذا العشق، وهذا الإصرار من مُحبي أهل البيت لزيارة الحُسين (عليهِ السلام)!..

فإذن، إذا أحبَ الله -عز وجل- عبداً جعلَ في قلبهِ حُبَ الخير.. وإلا ما الذي يجعل البعض تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون من الفراش؛ حُباً لصلاة الليل؟!.. وما الذي يجعل البعض يعشق الصلاة بينَ يدي اللهِ عزَ وجل؟.. النبي الأعظم (صلی الله عليه) كانَ عندما يقتربُ وقت الصلاة يقول: (أبرد يا بلال)!.. البعضُ فسرَ “أبرد” بمعنى: هذهِ النار اشتعلت في قلبي يا بلال، فأذن بسرعة حتى أصلي بينَ يدي اللهِ عزَ وجل!.. كان (صلی الله عليه) يقول: (.. وجُعل قرة عيني في الصلاة والصوم).. أئمة أهل البيت (صلی الله عليه)، كانوا إذا أهمهم أمر، فزعوا إلى الصلاة، فقد روي (أنّ رسول الله (صلی الله عليه) كان إذا حزبه أمرٌ، فزع إلى الصلاة).. وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: “إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله (صلی الله عليه) وصلّ ركعتين، تهديهما إلى رسول الله (صلی الله عليه)”.. من هنا المؤمن يسأل اللهَ -عزَ وجل- أن يتصرفَ في قلبه، عندئذ كُلُ ما يريدهُ الله -عز وجل- يصير محبوباً عنده، وكُل ما يبغضهُ يصير مبغوضاً عنده، يقول تعالى في آية أخرى: ﴿لَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.

الآية الثالثة: يقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

إن صُحبة النبي (صلی الله عليه) ليست صُحبة بدنية؛ إنما صُحبة منهجية.. فأويس لم ير النبي (صلی الله عليه)، ولكنه كانَ من خيار أصحابه (صلی الله عليه)، لا بالمعنى الاصطلاحي؛ إنما بالمعنى الحقيقي للكلمة، هؤلاء ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.. لذا ينبغي للمؤمن أن يبحث عن هذا النور الذي يُريه الطريق، بعضُ الناس لهُ نور الشريعة: أي يعلمَ الحلالَ والحرامَ فقط!.. أما في تقلبات الحياة: فلا يعلم أينَ يضع قدمه، ولا كيفَ يتصرف، ولا من يوالي، ولا من يجب أن يحب، ولا من يجب أن يبغض، ولا متى يغضب، ولا متى يرضى؟!.. أي ليست له قدرة على تمييز الأشياء!.. وبالتالي، فإن المؤمن يحتاج إلى هذا النور، كي لا يتخبط يميناً وشمالاً.. فالحلالُ والحرام أمره سهل، يراجع الرسالة العملية، ويأخُذ الفتوى من الفقيه؛ ولكن عندَما يكون الإنسان على مفترق طُرق، فإنه يحتاجُ إلى هذا النور.. ولهذا يُقال: إن اشتبهت عليكَ الأمور -لا الأمور الحكمية- الأمور الموضوعية، استشر مؤمناً نَوّرَ اللهُ قلبهُ بالإيمان، فعن رسول الله (صلی الله عليه) أنه قال: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنّهُ ينظر بنور الله عز وجل).. وفي حديثِ قُرب النوافل: قَالَ رَسُولُ اللَهِ (صلی الله عليه): (قَالَ اللَهُ -تعالى-: مَا تَحَبَّبَ إلَی عَبْدِي‌ بِشَي‌ءٍ، أَحَبَّ إلَی مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ.. وَإنَّهُ لَيَتَحَبَّبُ إلَی بِالنَّافِلَةِ، حَتَّي‌ أُحِبَّهُ.. فَإذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي‌ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي‌ يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي‌ يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي‌ يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي‌ يَمْشِي‌ بِهَا.. إذَا دَعَانِي‌ أَجَبْتُهُ، وَإذَا سَأَلَنِي‌ أَعْطَيْتُهُ.. وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي‌ شَي‌ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ، كَتَرَدُّدِي‌ فِي‌ مَوْتِ مُوْمِنٍ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ).. الوجود يُصبح وجوداً إلهياً: يرى بعين الله، ويسمعُ بسمع الله، و..الخ.. ولهذا عندما نزور أمير المؤمنين (عليه السلام) نُسلمُ عليه بصفاتٍ كثيرة منها: (السلامُ على عين اللهِ الناظرة، السلامُ على يد الله الباسطة).. فعليٌ (عليهِ السلام) مظهرُ عين الله عز وجل.. ورواية قُرب النوافل ذُكرَت في كتب الفريقين، ومنها كتاب البخاري.. فإذن، المؤمن يسأل الله -عزَ وجل- أن يعطيه هذهِ البصيرة، وهذا النور الذي يمشي بهِ في الناس.

الخلاصة:

١. أن النبي (صلی الله عليه) قدوتنا الذي نقتدي به، لذا على المؤمن أن يُلم بسيرته (صلی الله عليه) وسُننهِ وآدابه،فالسنخية في هذهِ الدُنيا، توجب السنخية في الآخرة،ومن موجبات السنخية في الدُنيا: التأسي بهِ في كُلِ شؤونِ حياتنا.

٢. أن الحب هو أرقى الصفات، وأرقى علاقة بينَ جهتين ؛ فالحُب أعلى درجات الارتباط، وحبيب الله -عز وجل- هو محمد المصطفى (صلی الله عليه).

٣. أن المقصود بـ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ هُم كل من كان على منهج النبي (صلی الله عليه)، وليس فقط من كان معه في زمانه؛ ولهذا النبي (صلی الله عليه) يصف المؤمنين الذين يأتون في آخر الزمان أنهم أخوانه.

٤. أن من مصاديق الشدة على الكفار عدم الانبهار بهم، وبتقدمهم العلمي، وذلك لأن هذا التقدم، هو في عالم المادةِ والظاهر، بينما قيمة الإنسان بباطنهِ وبروحه.

٥. أن المؤمن متعتهُ، وسياحتهُ وسَفرهُ لا يكون إلا إلى البلاد التي تعلو فيها كلمة “لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسول الله(صلی الله عليه) ، فمن كبائر الذنوب أن يخرج الإنسان إلى بيئةٍ يُخافُ فيها على دينه.

٦. أن الإنسان الذي لا يعيش الرحمة الباطنية للمؤمنين، لا يمكنُ أن يكونَ مَحطَ نَظر اللهِ -عز وجل- وعنايته.. حيث أن طريق الكمال هو الجهاد، ولكنَ الأرقى من جهاد النفس؛ هو الجذب الإلهي للعبد.

٧. أن المؤمن يحاول أن يتأسى برسول الله (صلی الله عليه) في كل شيء، ومنها كثرة السجود، والإنسان عندما يسجد بين يدي اللهِ -عزَ وجل- يغشاهُ شيءٌ منَ الجلال الإلهي.

٨. أن الله -سبحانه- هو الحائل المتوسط بين الإنسان وبين قلبه وكل ما يملكه، وهو أقرب إليه من كل شيء ، فإذا أحبَ الله -عز وجل- عبداً جعلَ في قلبهِ حُبَ الخير.

٩. أنه ينبغي للمؤمن أن يبحث عن النور الذي يُريه الطريق، و يسأل الله -عزَ وجل- أن يعطيه البصيرة، حتى يكون من مصاديق ﴿َواتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى