خطب الجمعكيف نتعامل مع رب العالمين ؟

عباد الرحمن – 7

{وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}.. قد يقول قائل: أين عباد الرحمن من قتل النفس؟.. الذي يقتل الإنسان هذا من أسوأ خلق الله عزَ وجل {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.. هؤلاء مبرؤون عن القتل، ونحن لسنا في مقام تحميل الآية ما لا يتحمل، ولكن هنالكَ أمورا لا تكون قتلاً بالمعنى الاصطلاحي، إنما تلحق بصورة من صور القتل، منها:

الإجهاض: وهو إسقاط الجنين في مرحلةٍ لا يجوز إسقاطه فيها، وبلا مسوغ شرعي.. بدعوى وجود عدد كبير من الأولاد، ولا طاقة للأهل بتربيتهم.. أو بدعوى عدم التمكن الاقتصادي والمادي.. يأتي الإنسان يوم القيامة يقال لهُ: لو عاش ولدكَ هذا السقط الذي أسقطته، لكانَ عبداً صالحاً من عباد الله عزَ وجل.. ليس فقط حُرمت هذا الولد، وإنما قتلتهُ وأسقطتهُ بعدَ أن كانَ جنيناً مُكتملاً.. فإذن، هذهِ صورة من صور القتل.

نقل الكلام: هنالكَ رواية مخيفة مروية عن الإمام الباقر (ع): (يُحشر العبد يوم القيامة وما ندا دماً، فيُدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيُقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا ربّ!.. إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً، فيقول: بلى، سمعتَ من فلان رواية كذا وكذا فرويتها عليه، فنُقلت حتى صارت إلى فلان الجبّار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه).. نلاحظ في روايات القيامة والمحشر، بعض الأوقات يكون الحديث مع رب العالمين مباشرةً.. نحنُ في دار الدنيا محرومون من هذا الخطاب، أحدنا يتكلم مع ربهِ ولكن لا يأتيه الجواب.. أما في عرصات القيامة، هنالك مواقف يكون حديثنا فيه مع الملائكة ومع المعصومين ومع الأنبياء، وبعض الأوقات يكون الحديث مع رب العالمين مباشرةً {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}.. وهذه الرواية دليل على ذلك، قال الصادق (ع): (إنّ آخر عبد يُؤمر به إلى النار يلتفت، فيقول الله عزّ وجلّ: أعجلوه، فإذا أُتي به قال له: يا عبدي!.. لمَ التفتّ؟.. فيقول: يا ربّ!.. ما كان ظني بك هذا، فيقول الله جلّ جلاله: عبدي، وما كان ظنك بي؟!.. فيقول: يا ربّ!.. كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي وتسكنني جنّتك، فيقول الله: ملائكتي!.. وعزّتي وآلائي وبلائي وارتفاع مكاني، ما ظنّ بي هذا ساعة من حياته خيراً قطّ، ولو ظنّ بي ساعة من حياته خيراً؛ ما روّعته بالنار.. أجيزوا له كذبه، وأدخلوه الجنّة).. ثم قال الصادق (ع): (ما ظنّ عبدٌ بالله خيراً إلا كان الله عند ظنّه به، ولا ظنّ به سوءاً إلا كان الله عند ظنّه به، وذلك قوله عزّ وجلّ: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ}).. طبعاً الذي يزحزح عن النار فهذهِ غنيمة، فكيفَ إذا أدخلَ الجنةِ؟!..

قتل الشخصية: قد لا يكون هناك قتل في البين، ولكن قد يكون هُنالك ما هو أسوأ من القتل، وهو قتل الشخصية.. أي أن ينقل إنسان عن إنسان عيبا مستورا، مثلا: إنسان ذَهبَ إلى بلاد الغرب وشرب الخمر؛ هذا عيب مستور.. فإذا كانَ ما ينقله صحيحا، فهيَ غيبة.. وإن لم يكن صحيحا، فهذا بهتان؛ وهذا أعظم من الغيبة!.. إن كان صادقاً فهو مغتاب، وأكل لحم أخيه ميتاً.. وإن كان كاذباً فالأمرُ أعظم والوزرُ أشد!.. أو مثلا: في بعض الحسينيات والمساجد، امرأة تتكلم عن عيبِ امرأة.. هذهِ المرأة تنقل الكلام إلى زوجها، هذا الزوج ينقل الكلام إلى زوج تلك المرأة فيطلقها.. عندئذ يتشرد الأولاد وينحرفون؛ الوزرُ هنا لمن؟.. إنه لتلكَ المرأة التي جلست في المسجد، وتكلمت ذلك الكلام الذي نقل إلى الزوج، وبعدها وقع ما وقع.. يوم القيامة يوم مفاجآت، فالقيامة خافضةٌ رافعة، إذ أن الإنسان يتفاجأ بأن عليه أوزارا وآثاما لم تكن بالحسبان.

فإذن، ليس القضية قضية قتل فقط، نعم القتلُ من المصاديق، ولكن لطالما أوقعنا الناس في أزمات نفسية وغير ذلك، بسبب النقل وعدم التروي.. فالمؤمن دقيق جداً في كل حركاته وسكاناته وكلماته؛ خوفا من الزلل.

{يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}.. قد يتساءل الإنسان عن سبب الخلود في النار، أو الخلود في الجنة؟.. إنسان غير مسلم أسلمَ ونطق بالشهادتين، ثمَ خرجَ من المسجد فضربتهُ سيارة ومات: ما صلى، وما صام، ولا حج؛ هذا الإنسان من أهل الجنة خالداً فيها؛ كيفَ يُعطى الخلود في الجنة؟.. وكذلك مسلم ارتد، كفر بالله -عزَ وجل- وبعد كفرهِ ماتَ مباشرةً: لم يفسق، ولم يفجر؛ أيضاً هذا في نار جهنم خالداً فيها!..

إن الخلود في النار أو الخلود في الجنة، هذا ليس بجزاء على العمل، ولا على القول، وإنما جزاء النفس.. هذهِ النفس نفسٌ كافرة، أو نفسٌ مؤمنة.. لو أنَ المؤمن عُمرَ عمر نوح، آلا يبقى على إيمانهِ هذا الإيمان المتعارف؟!.. إذن النفس مستعدةٌ أن تبقى على الإيمان أبد الآبدين، فتستحق بذلكَ الجنة أبد الآبدين.

{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.. كيفَ يبدل ربُ العالمين السيئات إلى حسنات؟.. يبدل السرقة إلى صدقة، والزنا إلى زواج مثلاً!.. هل هذا معنى {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}؟.. هنالكَ وجوه:

أولاً: الوجه المعروف هو هذا، وقد قيل في معنى ذلك: أن الله يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم: فيبدل الكفر إيمانا، والقتل بغير حق جهادا وقتلا بالحق، والزنا عفة وإحصانا.. عندما يتوب الإنسان توبة نصوح، نعم رب العالمين إكراماً لعبده يبدل السيئات إلى حسنات.. الحاسوب الإلهي يشتغل يوم القيامة، فينقل الملف من السيئات إلى الحسنات.. روي عن الإمام الرضا (عليه السلام): (إذا كان يوم القيامة أوقف المؤمن بين يديه، فيكون هو الذي يلي حسابه، فيُعرض عليه عمله، فينظر في صحيفته، فأول ما يرى سيئاته فيتغّير لذلك لونه، وترتعش فرائصه، وتفزع نفسه.. ثم يرى حسناته فتقر عينه، وتسر نفسه، وتفرح روحه، ثم ينظر إلى ما أعطاه الله من الثواب فيشتد فرحه.. ثم يقول الله للملائكة: هلمّوا الصحف التي فيها الأعمال التي لم يعملوها!.. قال: فيقرؤنها فيقولون: وعزّتك!.. إنك لتعلم أنّا لم نعمل منها شيئاً، فيقول: صدقتم، نويتموها فكتبناها لكم، ثمّ يثابون عليه).

إن هذهِ الرواية تدل على أنَ الكرم الإلهي عجيب وغريب!.. بعض العلماء الكبار يقول: لا تستغربوا من اللطف والكرم الإلهي؛ لأننا نرى هذا الكرم في الحياة الدنيا، في عالم الطبيعة: أنظروا إلى الورد الفواح، النرجس مثلاً الإنسان يصاب بحالة من السكر من شدةِ طيب رائحته، ولكن تحتَ هذهِ الوردة هناك السماد!.. فالذي حول هذا السماد النتن الرائحة إلى وردة طيبة الرائحة، ما المانع أن يحول سماد الأعمال ونتن الأعمال إلى رائحةٍ طيبة؟..

ثانياً: الوجه الآخر يقول: (وتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها.. فتوبة العبد بين توبتين من ربه، سابقة ولاحقة، فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانيًا قبولًا وإثابة)، توبةٌ بينَ توبتين: أنه يرجع إليه بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية، وهو التوبة الأولى منه؛ فيهتدي العبد إلى الاستغفار وهو توبته.. فيرجع تعالى إليه بقبول توبته، وغفران ذنوبه؛ وهو التوبة الثانية منه تعالى.. كلمة التوبة مشتركة؛ تقول: تاب الله، وتاب العبد.. بمعنى واحد: التوبة من العبد، أي الرجوع إلى الله.. والتوبة من الله على عباده؛ رجوعه تعالى بالرحمة إليهم.. عندئذٍ يرجع العبد إلى ربه بكل وجوده؛ هذهِ هي التوبة النصوحة، التوبة الجامعة.. إن الذي يرجع إلى الله -عز وجل-؛ يتحول وجوده من معمل للسيئات، إلى معمل للحسنات.. ربُ العالمين التفت إليه وغيّر من كيانه: وإذا بهذا الزاني يتزوج، إذا بهذا السارق يتصدق، وإذا بهذا الكاذب المنحرف في كلامهِ يقول الكلام الطيب؛ إذن هذا أيضاً من معاني {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.

الخلاصة:

1- أن من صور قتل النفس المحرمة قتل الشخصية، بأن ينقل إنسانٌ عن إنسانٍ عيبا مستورا ،فعلى المؤمن أن يكون دقيقا جدا في كل حركة و سكنة خوفا من الزلل.

2- إن بعض صور سلب التوفيق والخذلان في الحياة الدنيا يكون بسبب التصرف غير المناسب في الأموال التي رزقنا الله عز وجل بها، فالإنسان ليس بمالك حقيقي بل صوري.

3- أن من صفات عباد الرحمن التوسط في المعيشة، فلا إسراف ولا تبذير.

4- إن المؤمن بين النفخ الملكي والوسوسة الإبليسية، فهو بطلٌ في حين، ويتحول إلى قزم صغير في حين آخر.

5- أن المؤمن يعلم أنه لو حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، لكنه بسوء اختياره في بعض الأوقات يجعل نفسه في مواطن الاختبار والابتلاء.

6- إن الخلود في النار، أو الخلود في الجنة، هذا ليس بجزاء على العمل، بل هو جزاء النفس، فلو عُمِرَ المؤمن عمر نوح ألا يبقى على إيمانه المتعارف؟

7- أن التوبة تكون من العبد برجوعه إلى الله تعالى ذكره، ومن الله جل وعلا برجوعه على عبده بالرحمة، فيغير من كيانه ليحوله من معمل للسيئات إلى معمل للحسنات، وهذه هي التوبة النصوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى