محاظرات أبوظبي

السفر إلى الله تعالى

لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي

السفر الى الله تعالى
الحديث في هذه الحلقة المباركة يتناول مسالة مصيرية من المسائل التي لا يمكن ان نهملها او نتناساها ، الا وهي مسألة السفر الى الله سبحانه وتعالى ، الانسان شاء ام ابى هو في حركة دائبة منسجمة مع كل عناصر هذا الوجود ، الكون بمجراته وذراته في حالة عبادة تكوينية ، كل شيء في هذا الوجود يسبح بحمد الله عز وجل ، وان كنا لا نفقه هذا التسبيح المتواصل ، ولا شك ان الاسرار المودعة في هذا الوجود فوق تصوراتنا ، نحن قرأنا في القران الكريم ما دار بين سليمان عليه السلام وبين بعض مخلوقات هذا الوجود ، كالنمل والهدهد ، رأينا الحوارية الملفتة بين هذا النبي العظيم وبين طير جاء من سبأ بنبأ يقين ، وجاء بتحليل اجتماعي ديني لما عليه بلقيس مثلا ، نلاحظ بان هنالك حالة من الالتفات والشعور عند هذا الهدهد ، عند هذا الطير ، و علماء التفسير عندما يصلون الى هذه الظاهرة يقولون : انه لا دليل على ان هذا الهدهد ، كان هدهدا متميزا معجزا مثلا ، يبدو ان هذه الحالة من الالتفات والفهم والشعور حالة في طيور الأرض وما فيها من دواب ، يعني البعض قد يقول بان تلك النملة التي ميزت سليمان وجنوده نملة خاصة او الهدهد كذلك ، ولكن البعض يعتقد ومنهم السيد صاحب تفسير الميزان بانه لا دليل على ذلك ، وانما يمكن القول ان هنالك بعض الاسرار المودعة في كائنات هذا الوجود ، ومن هنا يقول سليمان شاكرا ربه انه : [عُلمنا منطق الطير ]، فإذن هنالك منطق خفي على باقي البشر وعلمه سليمان ومن قبل ذلك داوود ان قلنا ان الضمير في عُلمنا يعود الى الولد وابيه .
الوجود برمته في حركة دائبة الى الله عز وجل
اذن هذا الوجود برمته في حركة دائبة الى الله عز وجل مطيعة له ، والله سبحانه وتعالى عندما خلق السماوات والأرض لاحظنا كما نقل القرآن الكريم بانها أتت طائعة لربها ، ولكن هذا الموجود ، هذا الانسان الذي اكرمه الله عز وجل بالاختيار ، جعله مختارا في حركته ، بإمكانه ان يكون مطيعا كما ان بإمكانه ان يكون عاصيا ،ولعل الأمانة الإلهية المودعة في بني ادم هي هذه الحالة من الاختيار ،السماوات والجبال اشفقت من تحمل هذه الأمانة ، أي امانة تحمل التكليف على قول، والانسان حمل هذه الأمانة ، ولكن القران الكريم يصف هذا الانسان بانه في مقام العمل ، الانسان هو في خُسر ، هو ظلوم ، هو جهول ، لأنه لم يقم بلوازم تحمل هذه الأمانة الإلهية .

متى يبدأ سفر الانسان الرسمي الى الله عز وجل؟
فالإنسان منذ اللحظة التي توجه اليه التكليف بدأ سفره الرسمي الى الله عز وجل ، ونحن نعلم بانه حتى قبل مرحلة البلوغ هنالك سفرة غير رسمية ، هنالك رأي فقهي يقول : ان عبادات الصبي مقبولة ولها اجرها ومنزلتها عند الله عز وجل، ولكن الحركة الرسمية للعبد تبدأ من ساعة بلوغه.
هنالك اذن سفر ، منطلق السفر ساعة البلوغ ،ومنتهى هذا السفر لحظة الوفاة والانتقال من هذه النشأة ، الان هنالك أيضا قول عند بعض العلماء الكبار أيضا ان هنالك حركة تكاملية في عالم البرزخ بمعنى من المعاني ، كما ان الصدقة الجارية كمال للعبد في البرزخ ، الولد الصالح أيضا كمال له ، العلم الذي ينتفع به أيضا كمال له ، البعض قد يقول ان هنالك كمال ذاتي في عالم البرزخ أيضا ،كما ان هنالك بعض أنواع الكمال الذي يتأتى من الأفعال كالعلم والصدقة الجارية مثلا .
لهذا السفر عدو يتربص ببني ادم
المهم الذي نريد ان نقوله في هذه الجلسة المباركة أن هذا السفر سفر شاق وسفر طويل له عقباته المتعددة ومنعطفاته الخطيرة واعداؤه المتربصة ، يكفي ان هنالك عدو هو المتربص ببني ادم في هذا الطريق ، هذا العدو يحمل في قلبه حقدا دفينا وحسدا عريقا لبني ادم ، لان خلقة بني ادم كانت متزامنة مع طرده من رحمة الله عز وجل ،عندما يسجد بني ادم بكل طواعية ويسر في بيت من بيوت الله عز وجل وفي حالة انابة وتوبة ، الشيطان يصيح ويتذمر ويتألم، لان لسان حال الشيطان ولعل لسان المقال : سجدت وابيت واطعت وعصيت ، انت بني ادم اطعت وانا عصيت ، اذن هذا السفر سفر موحش ، قلنا باعتبار أمور كثيرة : العقبات والموانع والاعداء وقلة الزاد في هذا الطريق ونحن عندما نصل الى بعض الروايات المصورة لوحشة هذا الطريق نلاحظ هذه العبارة : آه آه من قلة الزاد ، هذا السفر من الطبيعي يحتاج الى زاد يليق به ، زاد احدنا في سفر الدنيا ، السفر الذي يستغرق شهرا شهرين زاد يعتد به ، فكيف بزاد سفر لا نعلم نهايته ولا نستوعب مداه.
السفر الى الله عز وجل في الآيات والروايات
وهذا السفر من الممكن ان نجد بعض التعابير الواصفة له من الكتاب والسنة ، نحن عندما نقول سفر هذا هو الواقع ، ولكن هنالك أيضا في الروايات والآيات الكريمة ما يدل على ذلك من أروع أنواع التعبير قبل ان نصل الآيات ما روي عن امامنا ابي محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله وسلامه عليه ، ما روي عن والد امام زماننا عجل الله تعالى فرجه ، الامام يقول بما مضمون الرواية : (ان الوصول الى الله عز وجل سفر لا يدرك الا بامتطاء الليل )، اذن لاحظوا تعبير السفر ولاحظوا تعبير الامتطاء ، لان للسفر دابة ، الامام العسكري عليه السلام في تشبيه بليغ يجعل دابة السفر الليل ، وما ادراك ما الليل ، الليل بكل ما فيه ، الليل معنى اعم قد ينطبق على صلاة الليل ، وعلى مجموع التأملات والتدبر والتفكر في الليل ، لان الانسان المؤمن في الليل له محطتان ، محطة عبادية ومحطة تأملية واحدهما يكمل الاخر ، بل قد يقال ان مقتضى حديث التفكر بانه خير من عبادة كذا سنة ، ستين او سبعين سنة ، قد يستفاد من هذا الحديث : ان المحطة التأملية في الليل مراقبة لسلوكه في النهار ، كشفا لمخزوناته الباطنية وقابلياته الخفية وبرمجة لحياة نفسه وحياة الاخرين اذا كان مسؤولا عن جماعة من المؤمنين، كل مجموع هذه الوقفات التأملية والعبادية يعتبرها الامام العسكري عليه السلام بمثابة الدابة التي يمتطيها الانسان لتوصله الى مقصودة .
واما بالنسبة الى الآيات فالآيات أيضا متعددة في هذا المجال ، الان قد لا نجد تعبير السفر بحروفه، ولكن اللقاء فرع السفر [ يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه ] اذن هنالك كدح سفري وبعد هذا الكدح هنالك اللقاء ، فرق بين اللقاء الاجباري الذي هو مصير كل واحد منا ، الانسان منا شاء ام ابى سياتي ربه فردا يوم القيامة ، هذا اللقاء الاجباري وفرق بين اللقاء الشوقي فرق بين ان يأتي بالمتهم بين يدي القاضي او السلطان هذا يسمى أيضا باللقاء وفرق بين ان يكون هنالك لقاء اختياري يستبطن الشوق وحالة التجاذب بين الملتقي وبين الملتقى ،اذن هذه الآية ايضاً تفهمنا بوجود حركة مآلها اللقاء بالله سبحانه وتعالى ،هنالك ايضاً اية في كتاب الله عز وجل يعبر عن السبيل هنا عبّر عن اللقاء واللقاء فرع الشوق والانتظار والكدح وهنالك ايضاً تعبير في هذه الآية [ اتحذ الى ربه سبيلاً ] الذي يشاء يتخذ الى ربه سبيلاً اتخاذ السبيل اتفاقاً من مهام المتحرك والمسافر هذه الايام ،عندما يريد السائح ان يسافر الى بلدة غريبة وخاصةً اذا كان لا يفقه لسان القوم يصطحب معه خارطة ،ينظر موقعه الفعلي وينظر الى موقعه النهائي ويرى ما هو اقرب الطرق التي توصله الى تلك الغاية .
الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق
الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق هذا التعبير قد يقول البعض بأنه ليس برواية وبالتالي هذا التعبير ليس بحجة ،ولكن حقيقة ينبغي ان نصدقها لأنها مطابقة لحركة الحياة ،الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق لكل انسان قابلياته ،لكل انسان ملكاته طينته المناسبة فقد يكون جهاد البعض بالدم وقد يكون جهاد البعض بالقلم ،وقد يكون جهاد البعض بأمر اخر ،لكل انسان سبيله في هذه الحياة من حيث ارضاء ربه ومولاه .
السفر الى الله عز وجل بحاجة الى معين
قلنا بأنه في هذه الحركة لابد من وجود بعض ما يعيننا في هذه الحركة التكاملية ،ما هو المعين ومن هو المعين؟ اولاً المعين الاول هو رب العالمين الذي نحن نسير اليه ،رب العالمين حريص على وصول العبد اليه ،هو اشد شوقاً كما في رواية التوبة (ان الله عز وجل اشد فرحاً بتوبة العبد ممن ضل راحلته فوجدها) اي في ليلة مظلمة لعل في بعض الروايات ،اذا كانت انابة العبد التائب الى الله عز وجل هكذا يوجد له صدى في عالم الغيب بحيث ان رب العالمين يفرح بأقبال عبده هذا فكيف بالعبد الذي لم تتحقق له معصية في هذه الحياة بل كل همه وكل رجائه ان يصل الى مرحله الفناء والمحبة المطلقة بطريق اولى .
الله سبحانه يشتد شوقه للقاء عبده
سيكون هنالك فرح ربوبي في حركة هذا العبد ،رب العالمين هو المعني بعبده ،هو الذي يشتد شوقه الى لقاء عبده ،الله سبحانه وتعالى انزل الكتب وارسل الرسل وبيّن لنا من خلال الشرائع كيف نصل اليه ،القرآن الكريم اخواني لو اردنا ان نجعله كتاباً للوصول الى الله عز وجل حقيقة فيه من المعاني ما يعيننا في هذا الطريق ايما عون ،مع الاسف البعض يكتفي من القرآن الكريم بالتلاوة المجردة لكسب الاجر والثواب ،والحال بان الله عز وجل انزل كتابه ليكون تبياناً لكل شيء ،انا اعتقد واعتقد ان الكثيرين يوافقون معي في هذه المقولة :انه من الممكن ان يصل العبد المؤمن الى درجة من الشفافية الباطنية والنورانية القلبية بحيث يفهم بعض المعاني التي تخفى حتى عن المفسرين ،نعم ما المانع من ذلك ،رب العالمين يختص برحمته من يشاء ،يفتح على عبده ابواباً من الخير والبركة والرحمة من الممكن ان لا تفتح هذه الابواب حتى على المتخصصين في فن التفسير مثلا ، فعليه من يريد ان يصل الى هذه الدرجة من القرب عليه ان يتخذ القرآن الكريم كتاباً وترجماناً وهادياً يستأنس به في ظلمات الليل البهيم.

صوت المحاضرة: السفر إلى الله تعالى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى