المؤمن

صفات المؤمن في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن المؤمن في الدنيا يحب أن يصل إلى بعض المدارج المعنوية العليا جدا، والله يحجبها عنه.. لا لبخل في فيضه، وإنما لعدم تحمل المؤمن لبعض صور العنايات الخاصة.. إذ من الممكن أن يغير مجرى حياته الدنيوية فلا يستقيم له شيء في الحياة..

٢- إن الإنسان في حياته اليومية وإلى أن يموت، لا بد وأن يبتلى بجهلة من أرحامه أو من غير أرحامه، في مجال عمله أو في دائرة معاشرته.. والمؤمن إذا تنزل إلى هؤلاء الجاهلين، فإنه يتنزل إلى مستوى الجهال، ويشغل نفسه بعوالمهم..

٣- إن من صفات المؤمن، أنه وجود مبارك ومثمر أينما حلّ ونزل، وفي أي دائرة يوضع فيها، لأنه مرتبط بالله تعالى.. فالله تبارك، والمؤمن تبارك.. ومعنى ذلك أن الله -تعالى- تصدر منه الخيرات الكثيرة، وخيرات الله -عز وجل- لها أسباب.. والمؤمن المنتقى والمصطفى هو من مجاري بركات الله..

٤- إن المؤمن لا يأنس إلا بالله، أو بمؤمن مثله.. فهو يأنس بالله عز وجل؛ لأنه مصدر النعيم المعنوي الذي لا حد له..

٥- إن المؤمن لا يستعجل في قطف النتائج!..

٦- إن المؤمن العاقل حكيم في كل تصرفاته، بغض النظر عن الدين والرسالات السماوية.. إذ أنه ما فائدة النظرة التي لا ثمرة فيها؟!..

٧- إن المؤمن طموح، وهذا الطموح يتمثل في العمل من أجل جعل الموسم الذي هو فيه، خير موسم مر عليه..
لابد أن تكون كل واحدة من المؤمنات علماً من أعلام الهداية، وعلماً من أعلام الإرشاد.. وليس معنى علماً من الأعلام بمعنى النتيجة، بل بمعنى السعي.. فنحن علينا أن نقوم بما علينا من السعي في هذا المجال، وأما النتيجة فهي بيد رب العالمين..

٨- إن المؤمن صياد الفرص، لأن الفرص تمر كما تمر السحاب.. فعالم الدنيا كالسوق: هناك بعض المحلات تجعل ساعات أو أياما، تبيع فيها البضاعة بأرخصِ الأسعار!.. والإمام الهادي -عليه السلام- يقول: (الدنيا سوق؛ ربح فيها قوم، وخسر آخرون)، فالمؤمن يترقب هذه الفرص الاستثنائية، ليحقق التكامل في حياته..

٩- إن من صفات المؤمن كلما مرّت عليه ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، ازداد خوفا وقلقا؛ لأنَّ كلَّ يوم وكلَّ ليلة يفقد فرصة من فرص التقرب إلى الله -عزَّ وجل-، ومن الليلة الأولى في شهر رمضان يبدأ العدّ العكسي..

١٠- إن المؤمن إذا أراد أن يُراسل، أو أن يكتب، أو أن يتكلم، لا بد أن يُعين الهدف من ذلك، فنحن عبيد لله عز وجل.. انظر إلى التكليف الشرعي، إذا كنت لست مأموراً، بل منهياً في هذا الأمر.. فلماذا الدخول في هذا المجال؟..

١١- إن على المؤمن أن تكون أمنيته قبل الممات، أن يوسع القلب إلى أكبر مساحة ممكنة، ليلقى الله -عز وجل- وهو في أفضل حالاته.. {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}..

١٢- إن المؤمن يحتاج إلى بصيرة بمبادئ التأثير، وبصيرة بعلوم الدين، وبصيرة بالعقائد، وبصيرة بكل معلومة يمكن أن تكون هذه المعلومة سلاحاً في مواجهة الآخرين…وقد ورد في الحديث: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيبا مصقعاً، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم.. وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح).

١٣- إن على المؤمن أن يعمل بوظيفته، وخاصة أن الالتزام الوظيفي حكم شرعي..

١٤- إن الإنسان المثالي والكامل بتعريف بعض الأخلاقيين: هو الذي تجلت فيه أسماء الله الحسنى: حلماً وصبراً، تكرماً وفضلاً..

١٥- إن صفة الكرم، وصفة الجود؛ من الصفات التي لا يمكن أن تنفك عن المؤمن.. فإذا رأيت مؤمناً بخيلاً، أو ممسكاً؛ فاعلم أن هناك خللا في إيمانه.. وأي إيمان لا يدفع صاحبه لأن يتعامل مع المال على أنه أمانة الله بين يديه؟!.. فإنه ليس مالكاً لنفسه، فكيف لموارد الطبيعة؟!..

١٦- إن المؤمن له وجاهته عند الله عز وجل، فإذا كان بإمكانه أن يستغني عن منة الخلق فليستغن، ولا يريق ماء وجهه..

١٧- إن المؤمن يتخذ من الصلاة مجالاً للعروج إلى الله عز وجل، ومجالاً للتنفس.. نحن نلاحظ أن الإنسان الغواص عندما يذهب إلى أعماق البحر، ويعيش حالة الاختناق لفقدان الهواء؛ يصعد إلى السطح ويستنشق، ثم يغوص تارة أخرى.. وكذلك نحن في حياتنا اليومية نعيش في ظلمات مظلمة: ظلمة العمل، وظلمة المعاشرة الاجتماعية، وبعض الظلمات التي تسلب الإنسان روحه.. فعليه أن يلجأ إلى عالم الصلاة، والقرآن، والدعاء؛ ليستنشق شيئاً من هذا الرحيق، ويرجع مرة أخرى إلى واقعه.

١٨- إن من صفات المؤمن أنه لا يعتني بغير اليقين.. وكل ما يورث له الظن، الأصل فيه عدم الجدية، يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}..

١٩- إن من صفات المؤمن، كما نعرف من دعاء كميل، أنه يطلب من الله -عز وجل- أن يكون لسانه لهجا بذكر الله عز وجل.. (واجعل لساني بذكرك لهجا، وقلبي بحبك متيما)..

٢٠- إن الإنسان الذي عينه على قلبه، هذا من مصاديق الذاتية والأنانية المحمودة.. ولكن المؤمن الأرقى تكون عينه في السماء، لا في النفس.

٢١- إن الذي يُريد أن يصرف عن نفسهِ نار جهنم، لابد أن يعمل في هذهِ الحياة الدنيا.. وذلك من خلال ربط المعاصي بالعقوبات، فالمؤمن الذي يصل إلى هذهِ الدرجة من اليقين، ويرى ما وراء الحرام؛ عندئذٍ يرتدع بشكلٍّ تلقائي..

٢٢- إن المؤمن عندما يقف أمام الحرام، ينظر إلى ملكوت ذلكَ الحرام ويقول: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}..

٢٣- إن المؤمن يمزج العمل الدنيوي بالذكر الكثير.. هذا هو السقف الذي رُفعَ لنا، لنصل إلى مرحلةٍ من المراحل، لا نرى في الوجود إلا هو (لا إله إلا الله)؛ أي لا مؤثر في الوجود إلا هو..

٢٤- إن السعادة على ما نفهمهُ نحنُ بنظرة واقعية: أن يكون للإنسان هدف ومحور حقيقي، وهو يسعى تجاه هذا المحور.. إنسان لهُ هدف، وهذا الهدف هدف مقدس، وليس هدفاً حيوانياً.. هدفه يتناسب مع فطرتهِ، ومع عقلهِ، وفي كل يوم يخطو خطوة إلى الأمام.. المؤمن هكذا: فركعة من صلاة الليل، ودينار يُعطيها لفقير؛ يحقق هذا الهدف.

٢٥- إن الحزن إذا كان حزنًا رسالياً -كما في حزن نبينا وآله عليهم الصلاة والسلام-؛ هذا أمر مطلوب.. فطبيعة المؤمن أن فيه الكثير من الشفافية، ومن الحس المرهف، تجاه ما يحدث في هذه الأمة.. فهذا حزن مقدس، والله -عز وجل- يكّرم هذا الإنسان، الذي يعيش همّ الأمة، وهمّ الرسالة..

٢٦- إن القهقهة ليست من سمات المؤمن.. وفي نفس الوقت المؤمن إنسان عاطفي، يلتقط الأمور.. فإذا تعجب لشيء، أو إذا أعجبه شيء، أو إذا سمع مزحة معقولة؛ أيضاً يبدي انفعاله من خلال ابتسامة جميلة..

٢٧- إن المؤمن لا يبدي ردة فعل فجائية وآنية، تجاه كل ظاهرة سلبية.. فلو رأى حركة سلبية في الأسرة، فإنه يتغافل؛ أي لا يبدي انزعاجاً فجائياً، وإنما يدرس الأسباب الخفية، ليحاول أن يعالج ويتدارك الأمر.. فهذا التغافل ليس تغافل الغافلين، وإنما تغافل الإنسان الذي ينتظر الفرصة المناسبة لعلاج القضية.

٢٨- إن المؤمن ينظر إلى الوجود برمته على أنه من الله عز وجل.. فمن أحب أحداً أحب آثاره، والوجود بكل أبعاده من آثار الله عز وجل، ومن أهم الآثار في عالم الوجود: المخلوقات الشاعرة الحية، ومن أقرب الموجودات الشاعرة الحية: الإنسانة المؤمنة، والإنسان المؤمن.. وبالتالي، فإن هذا الحب كلما زاد وتجلى؛ كلما انعكس في حياة الأمة أكثر.

٢٩- إن على المؤمن عندما يستقي علمه من روافد المعرفة: كالقنوات، والمواقع، والكتب، والصحافة، والمجلات؛ أن يكون حريصاً جداً على مسألة انتقاء ما هو الجيد.. إذ أنه من المعلوم يوم القيامة أن الإنسان يأتي وهو يئن من الساعات التي أمضاها، ورأى ما لا يحسن ولا يجمل.. فليس الاجتناب فقط عما هو حرام، بل من الاستماع إلى ما لا يحسن ويحل الاستماع إليه..

٣٠- إن هنالك فقرا يريده الله -عز وجل- لك، وهنالك فقر تريده أنت لنفسك.. ما الفرق بين الفقرين؟.. الفرق بينهما بيّن واضح!.. فالفقر الذي من الله -عز وجل- فيه رائحة النعمة والإكرام.. وأما الفقر المذموم في الشريعة، فهو الفقر الذي لا يسعى الإنسان فيه لتهيئة المقدمات،فالإجمال في الطلب من صفات المؤمن..

٣١- هل يبيع المؤمن دينه ودنياه وآخرته، بالجلوس أمام هذه الشاشة؟.. ينظر إلى الحرام في جوف الليل، وإذا جاء الطفل الصغير يسرع ويطفئ الجهاز، وكأنه في حال عبادة.. ويخاف من الخادمة في المنزل، ويخشى أن تنقل الأخبار لربة المنزل.. فهو يخشى الطفل والخادمة، ولكن رب العالمين هو أهون الناظرين، ووجوده كالعدم!..

٣٢- المؤمن يحسب حساب الوجاهة الاجتماعية؛ لأن سمعته من دينه.. رب العالمين أوكل له الأمور، إلا أن يذل نفسه.. وهنا خطاب لكل مؤمن ومؤمنة: في مجال عملك، ما دمت معروفا أنك في خط أهل البيت، وتمثل منهج أهل البيت، فلا تعط بسوء أعمالك صورة سلبية عن هذا الخط المبارك..

٣٣- إن من الأهوال في عرصات القيامة والبرزخ التبعات المالية.. ولذلك فإن المؤمن، يجب أن يكون منضبطا ودقيقا في أموره المالية.. ولكن لو تورط فهنالك طريقة للتعويض: إما بالدفع لمن يعلمه أو لورثته، أو إذا كان الشخص مجهولاً، يعطي ذلك للحاكم الشرعي، فيصل إلى الله عز وجل.

٣٤- لماذا نستشعر التميز عن الآخرين، بمجرد بعض النفحات البسيطة المتقطعة؟.. والحال أن هناك أمرين لا يعلمهما إلاّ الله عزّ وجلّ، أولاً: الجهل بالبواطن، وثانياً: الجهل بعواقب الأمور.. ومع وجود الجهل بهاتين الصفتين، فإن الإنسان لا يمكن أن يعيش التميز، فمع ستر العواقب والبواطن، المؤمن لا يستعجل بالحكم على الأشخاص أبداً.

٣٥- إن على المؤمن ألا يضع الحكمة في غير موضعها.. فإنْ رأى متحيراً، يفتح قلبه وفكره له.. وأما إذا رأى مجاهداً معتنقاً فكرة تبناها، ولا يهمه أن يفهم أدلة الطرف الآخر، فليدع عنه النقاش؛ لأنه من مصاديق الجدل.. وعمره، ووقته، وجهده، سيذهب هباء منثوراً.

٣٦- إن بعض الماضين من علمائنا الأبرار كان يقول: (عليكم بوجدان حالة العبودية).. فالإنسان إذا رأى نفسه عبداً، يهدأ كثيراً، فلا طموح له زيادة عما رزقه الله عز وجل.. وإذا رأى شهوةً من الشهوات، لا يرى نفسه مأذوناً بأن يسترسل في شهوته.. لأن وجوده من رأسه إلى قدميه بين يدي الله عز وجل، كخلقة العقل خلقه الله عز وجل، قال له: أقبلْ!.. فأقبل، وقال له: أدبرْ!.. فأدبر.. نعم، المؤمن كله عقل، وكله يشبه هذا الوجود الذي يقال له: أقبلْ!.. فيُقبل.. ثم يقالُ له: أدبرْ!.. فيدبر، من دون منّةٍ على الله ورسوله.

٣٧- إن الاستغفار عبارة عن ورد المؤمن الدائم، وقلما نلاحظ دعاء أو مناجاة، يخلو من الاستغفار بين يدي الله عزّ وجلّ.. والسبب في ذلك أن الإنسان المؤمن في حياته، أو الإنسان بشكل مطلق يعيش سلبيتين: سلبية الغفلة عن ذكر الله تعالى، وسلبية المعصية.

٣٨- إن المؤمن يعلم أنه سوف يواجه الخلوة في يوم من الأيام.. هب أن الإنسان سدّ فراغه بالأنس مع المخلوقين!.. ماذا يعمل في ذلك اليوم الذي ينقطع فيه عن هذه الدنيا؟.. فهنيئاً لمن اتخذ الله -عزّ وجلّ- خليلاً؛ متشبّهاً بخليله الأكبر إبراهيم (ع).. إذا اتخذ أحدنا ربه خليلا!.. هل الربّ يتركه، عندما يكون في أمسّ الحاجة لهذه الخلة في القبر وفي القيامة؟..

٣٩- إذا لم نصل إلى جوهر الصلاة؛ ما صلينا الصلاة التي يريدها الشارع المقدس.. يقول تعالى في كتابه الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. فأول صفة من صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة.

٤٠- إن المؤمن عندما يقوم بعمل، عليه أن يكتمه مهما كان ظاهره عظيماًً!..

٤١- إن الورع هو حالة من حالات الحساسية الشديدة تجاه الحرام.. البعض في الوضوء والطهارة يوسوس، أما في المحرمات لا يوسوس.. (من حام حول الحمى، أوشك أن يقع فيه)؛ الحمى الحدود، والذي يمشي حول حقل الألغام، يوشك أن يقع فيه.. فالمؤمن دائما يأخذ مساحة احتياطية؛ لئلا يقع في الحرام.

٤٢- إن الفرح المادي يحتاج إلى مقدمات معقدة ومكلفة ومرهقة، بينما المؤمن همومه الكبرى في متناول اليد.. فهمّه الأعظم هو رضا رب العالمين، وتحقيق هدف الخلقة والوجود.

٤٣- إن المؤمن يتحرز من الحوار، مع من لا يريد الوصول إلى الحقيقة.. فهناك صنف من السوفسطائيين أو الفارغين، الذين يجادلون لهدف الجدال نفسه.. فتراهم يتكلمون في كل ما هب ودب، وكل همّهم هو أن يشار إليهم بالبنان!.. وشتان بين هذا النموذج، وبين أمثال سلمان الفارسي، الذي قضى عمره متنقلا ً بين البلاد بحثا عن الحقيقة، إلى أن استقر عند نمير الوحي المحمدي!.. وقد أمرنا من خلال الروايات: أن نجس نبض الطرف المقابل في رغبته للوصول إلى الحقيقة، فإن رأيناه كذلك؛ فإنه يحسن الدخول معه في الحوار.. وإلا فلا يحسن صرف لحظات العمر الغالية في حوار الجهلاء.

٤٤- في الوقت الذي نهى فيه أئمة أهل البيت (ع) عن الجدال مع الخصوم بغير أدلة دامغة، لأن ذلك مما يزيد من عداوتهم وتعصبهم؛ فإنهم في الوقت نفسه يفرحون بوجود طبقة مثقفة متفقهة في الدين: تعرف ما هو مطروح في الساحة من أفكار وشبهات، وتحسن التصدي لها؛ إعزازا لكلمة الحق في عصر عاد فيه الدين غريبا.. وذلك أمثال هشام بن الحكم، و بن الطيار الذين نالا أكبر الثناء من الإمام الصادق (ع).. أفلا يحسن بنا -ونحن ننتمي إلى مدرستهم، التي تمثل أقوى تيار فكري متماسك ومتوازن في تاريخ الإسلام- أن نكون محاورين أشداء دفاعاً عنها؟!.. وخاصة في عصر عاد الدين فيه غريبا كما بدأ غريبا.. وطوبى لمن شمله وعد النبي (ص) حيث قال: (فطوبى للغرباء)!..

٤٥- إن المؤمن يعيش في الناس ولا يعيش معهم: فالمؤمن له عالمه الذهني الخاص، له ما يشغله، إن كانت حكمة أو رواية أو تدبراً؛ فالصمت من صفات المؤمن.. وهناك عالم التحليق الباطني، فالمؤمن إذا جلس وحده يعيش عالماً منشرحاً لذيذاً، يظن القوم أنه من الغافلين، والحال في أنه يعيش حالة من الحديث مع الرب.

٤٦- إن الإنسان ما هو إلا مستخلَف على المال، فلينظر كيف يؤدي حق هذه الأمانة، ويخرج ما عليه من الواجوبات الشرعية، ويحافظ عليها.. والرسول الأكرم (ص) في قوله: (واغتنم غناك قبل فقرك)، يشير إلى أن المؤمن ينبغي له أن يكون دؤوباً في عمله، مستغلاً لذلك المال في طرق الخير، والتي تكون زاداً له في الآخرة.

٤٧- إن المؤمن لا يظلِم ولا يظلَم، ولكن إذا وقع ظلم عليه، فالشريعة الإسلامية تأمره بالمطالبة بحقه، وكما نعلم أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، فجانب القوة هنا من الممكن أن تفسر -بالإضافة إلى قوة الأبدان- عدم السكوت في أخذ حقه.

٤٨- إن من الجميل أن يبرمج الإنسان نفسه في حال السفر؛ لئلا يقع في حرام في الأكل، أو الشرب، أو غير ذلك.. بل يحاول أن ينظم ساعات السفر والتنقل من مطار لآخر، بحيث لا تفوته الفريضة في أول وقتها.. فإن المحافظة على الصلاة هي من أهم علامات المؤمن، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * …. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.

٤٩- إن من صفات المؤمن: العدل في الرضا والغضب.. فالمؤمن إذا غضب، فإن غضبه لا يخرجه عن العدل.. ولهذا سمي المسلم: “مسلماً”؛ لأن الناس سلموا من يده ومن لسانه، وهنيئاً لمن وصل إلى هذه المرتبة!.. إن صلاة الليل من موجبات المقام المحمود، ولكن نعتقد أن ما هو أرقى من صلاة الليل، هو الملكات الباطنية.. إذا وصل أحدنا إلى هذه المرحلة فهو على ألف خير، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون.

٥٠- إن على المؤمن ألا يضع الحكمة في غير موضعها.. فإنْ رأى متحيراً، يفتح قلبه وفكره له.. وأما إذا رأى مجاهداً معتنقاً فكرة تبناها، ولا يهمه أن يفهم أدلة الطرف الآخر، فليدع عنه النقاش؛ لأنه من مصاديق الجدل.. وعمره، ووقته، وجهده، سيذهب هباء منثوراً.

٥١- إن عِمارة القلب من أفضل أنواع العمارة، ومن أسهل أنواع العمارة.. فالحج والعمرة يحتاجان إلى تحمّل الطريق والمال.. والعبادات ثقيلة: كقيام الليل، وصوم الصيف، وقيام الشتاء، كل ذلك يحتاج إلى مؤونة.. أما أنْ يفرِّغ المؤمن قلبه من كل الأغيار، فإن ذلك يحتاج إلى حركة دقيقة.. وما على الإنسان إلا أن يصمم على أنْ يُخرج من قلبه كل شيءِ سوى الله تعالى.. وكما قال الصادق عليه السلام: (القلب حَرَمُ الله، فلا تُسكِنْ حَرَمَ الله غير الله).

٥٢- إنّ الإنسان المؤمن إذا بَلغَ في الإيمانِ درجة، فإنه يوآخذُ على كل حركةٍ وسكنة.. أما الإنسان الكافر الفاجر، فإن رب العالمين يؤخر حسابه إلى يوم لقائه.. ولهذا يلاحظ بأنّ أهلَ الدنيا وخاصةً الكفار، يعيشون في رغدٍ من العيش، كما يقول القرآن: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}.. أما بالنسبة إلى المؤمن، فإن الأمر ليس كذلك.

٥٣- إن على المؤمن أن يضع هذا الحديث نصب عينيه دائما -للأرحام في الدرجة الأولى، ولغير الأرحام في الدرجة الثانية-: (صل من قطعك!.. وأحسن إلى من أساء إليك!.. وأعطِ من حرمك)!.. فالذي هذا شعاره في الحياة، هل يبقى له عدو؟!.. إن هذا الإنسان ينطبق عليه الحديث: (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم).

٥٤- إن المؤمن يستحي من حديث النفس؛ لأنه بدلاً من ذكر الله عز وجل، وتذكر الآخرة؛ ينشغل بما لا طائل منه.. والذي يضمر الحسد، والحقد، والعداوة لأحد، وفي مقام العمل يجامل؛ فهذا الإنسان يوماً ما يكشف سره.. أضف إلى أن رب العالمين مطلع على ذلك، فهو {يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}!.. ولهذا فإن من صفات المؤمن: أنه لو كشف الغطاء عن قلبه، لا يخاف أحداً؛ لأن ظاهره كباطنه.. هنيئاً لمن وصل لطهارة الباطن!..

٥٥- هنيئاً لإنسان جمع بين صفتين: يده تعطي المال، ولسانه يعطي الحكمة!.. البعض يتكفل عشرات الأيتام، ولكن في حياته ما هدى إنساناً واحداً، وما أرشد ضالاً!.. والبعض فقط يتكلم ويتكلم، ولا يقدم ديناراً واحداً.. بينما المؤمن يجمع بين الصفتين؛ لأن المؤمن وجود معطاء في كل الأبعاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى