مراقبة النفس

مراقبة النفس في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن على المؤمن أن يحذر حالة الخسران المستمرة في حياته.. بمعنى أنه يجب أن ينظر دائما إلى عمله، من خلال المراقبة الذاتية..

٢- إن النفس اللوامة، هي النفس التي ما زالت في حالة تجاذب بين الهدى وبين الهوى.. فهي تعيش حالة وسطية بين برزخ النفس الأمارة بالسوء، وبين النفس المطمئنة..

٣- إن العمل مع الجوارح لا ثبات له، بخلاف العمل مع الجوانح.. فالعمل الجوانحي رصيد لا ينضب، والجوانح إذا هذبت وتكاملت وارتقت، عند ذلك فإن الأمر لا يحتاج إلى تكلف جوارحي.. أضف إلى أن هذه الذبذبة: الصعود والنزول، والإقبال والإدبار سيرتفع..

٤- إن باب الترقي والتعالي مفتوح على الجميع، فلماذا يُعطي أحدنا لنفسه الإجازة من هذه المراتب الكمالية؟.. فهل الموت للعلماء فقط؟.. وهل البعث والحشر للعلماء فقط؟..

٥- يجب على الإنسان أن يعمل مسحاً شاملاً لما في ذهنه؛ لأن صفحة الذهن هي منشأ المشاكل.. ولهذا نلاحظ أن الإنسان في كل يوم أو في كل أسبوع، يبحث عن هذه الأمور التي يمكن أن توجد الارتباك داخل جهازه الحاسوب..

٦- إن من موجبات ضمان عالم البرزخ والقيامة: أن نسيطر على هواجس النفس!..

٧- إن من موجبات التوفيق في عرصات القيامة، هو السيطرة على المنافذ الواردة والصادرة.. فالمنافذ الواردة هي: الأذنان، والعين، والفم.. هذه الحواس المتلقية.. وكذلك المنافذ الصادرة التي هي اللسان، العنصر الذي يبث للغير، وكأنه إذاعة للآخرين!..

٨- إن المرأة التي لا تريد أن تكون مقاومة في حركة الحياة، وكذلك الرجل؛ هما أضعف ما يكون في مقابل موجة الشهوات العارمة.. فمسألة الشهوات ليست قضية أخلاقية محضة، وهذه الأيام تُصنف الشهوات المعاصرة في خانة الإدمان.. فدولياً وعالمياً صنفوا الجلوس أمام التلفاز، وأمام الإنترنت لفترات غير متعارفة، بأنه داء ويحتاج إلى علاج نفسي.. وكذلك الذين يدمنون الجلوس على الجهاز، فكيف إذا كان الجلوس محرماً؟!..

٩- إن هذه الانحرافات النظرية والصورية والسمعية، تُغير من تركيبة الإنسان الباطنية.. فالإنسان الذي لا يُراقب نظره، ولا يُراقب سمعه، ولا يُراقب خياله.. هذا الإنسان له حالة من حالات الانقلاب في الذات، وحالة من حالات الخروج عن الحالة السوية.. والفرد الذي لا يُراعي الحدود الإلهية في هذا المجال، يصل إلى درجة أنه عندما يُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، يقول: بأن الأمر ليس بيدي..

١٠- إن المراقبة تعني: إحساس العبد أنه في محضر الله عز وجل -ما يسمى بالمعية التكوينية- فالإنسان المؤمن عليه أن يحول هذه المعية التكوينية الثبوتية الواقعية إلى حالة شعورية؛ أي أن يرى نفسه بين يدي الله عز وجل، وهذا الوجدان هو الذي يجعله يترك الحرام تلقائياً.. ولا نتوقع من الإنسان أن يعيش هذه المعية بشكل ثابت، كل آناء ليله ونهاره؛ لأن هنالك حالة شدة وضعف..

١١- إن الحواس هي حدود مملكة البدن، فمن يريد أن يسيطر على العاصمة، لابد أن يراقب حدود المملكة ومنافذها.. ومنافذ مملكة الروح، هي عبارة عن هذه الحواس.. لو سيطر الإنسان على شبر مربع، فقد تمكن من مملكة الوجود.. الشبر هو هذا الوجه: العينان، والأذنان، واللسان بما فيه.. هذا المثلث المظلم والنوراني في نفس الوقت.. فالمحرمات محدودة، إذا تمت السيطرة على هذه النقاط، فإنه يصل إلى مقامات لا تخطر ببال أحد (غضوا أبصاركم، ترون العجائب)!..

١٢- ليعاهد الإنسان ربه، على أن يتحكم في مملكة الوجود، من خلال التحكم في المنافذ التي هي الحواس..

١٣- إن النظرات التي لا حساب لها، وهذا التفكير والتخيل الذي لا سيطرة عليه؛ من موجبات هذا التشوش الذي يحجب القلب عن النظر وتلقي المعارف الإلهية، وهذا ما أشار إليه الرسول (ص) في قوله: (لولا تمريج في قلوبكم، وتكثير في كلامكم؛ لرأيتم ما أرى، ولسمعتم ما أسمع)..

١٤- إن الإنسان الحقود، يعيش جو التوتر الباطني دائما، فتراه في نزاع داخلي مع من افترضه عدوا له.. وهذا بدوره يؤثر على استقراره النفسي، وجوه العبادي.. ومن الواضح أن الذي يعيش العداوة الباطنية لا بد وأن ينكشف أمره من خلال فلتات لسانه، وصفحات وجهه..

١٥- إن الإنسان محاسب على قطعه..

١٦- إن الطالب عندما يتخرج، ويجد وظيفة؛ فإنه يلتزم بالدوام من الساعة الثامنة صباحاً -مثلاً- لأنه يرى نفسه موظفاً.. هل عشنا في يوم من الأيام إحساس العبودية؛ أي أننا عبيد الله -عز وجل-؟..

١٧- إن جدولا من الحبر الأسود، إذا صب في حوض النفس؛ فإن هذا الحوض الزُلال البرئ الهادئ النقي، من الصعب جداً إرجاع مائه إلى الماء المطلق، بعد أن تكدر بكل أجزائه.. فزجاجة صغيرة من الحبر الأسود، بإمكانها أن تلوث حوض سباحة كبير، والتنقية بعد ذلك تكون صعبة.. وإذا تلوث الذهن بهذه الصور، فإنها تغير التركيبة الفسيولوجية والسيكولوجية لهذا الإنسان..

١٨- إن على الإنسان أن يقف وقفة تأمل مع النفس في خلوة، هذه الخلوة تكون في أي مكان: على شاطئ البحر، أو ساعات الاستلقاء قبل النوم.. بل الأفضل أن تجلس في بيت من بيوت الله -عز وجل- في مسجد خال، تصلي ركعتين بين يدي الله -عز وجل- وتستفهم الله: (استفهم الله يفهمك)!..

١٩- إنسان يتعالى عن متطلبات ذاته!.. وإذا به في ساعتها يعطى درجة من درجات استشعار حلاوة السيطرة على النفس، فكيف إذا استمرت المجاهدة في دروب مختلفة من دروب الحياة؟!..

٢٠- إن علينا أن ننظر إلى ميولنا بشكل طبيعي؛ فإن الميل التكلفي قد لا يثمر نتيجة..

٢١- إن من الأمور الواضحة: أن العبد لو رأى وسطا مراقبا يحتج على المنكر؛ فإن فكرة الحرام لا تنقدح في نفسه أساسا، لما يراه من الاستنكار العرفي لذلك!.. ومن هنا كانت الدعوة إلى العيش في البيئ السليمة، والتحذير من العيش في بلاد المنكر – وخاصة إذا أضيف إليها الكفر- وذلك لأن من آثاره هو إحساس الفرد بالحرية المطلقة، والتي تفتح له المجال لكي يحلق في عالم البحث عن التنوع والحداثة في صور المنكر!.. أضف إلى فقدان المنكر لصورته البشعة، وهو ما نسميه بملكوت الحرام..

٢٢- إن من الأعداء التي نغفل عنها هي: النفس التي بين جنبينا.. ولا نعني بذلك مجموع قوى النفس بما فيها القوة العاقلة، بل نعني بها: ذلك الجانب الشهوي والغضبي من النفس، والذي يدعو صاحبها لكل ما يوافق جاذبية الهوى، ونار الغضب، من دون أن يقيم وزنا لشريعة أو عرف..

٢٣- إذا كان الإنسان لا يمكنه أن يقتلع الجذور السوداء من نفسه، فإنه يمكنه أن يظهر حالة المقت والمعاتبة لنفسه.. وهنيئاً لمن يعيش حالة الاثنينية التي أشار لها أمامنا الصادق (ع) حيث قال: (من لم يجعل له من نفسه واعظا، فإنّ مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا).. أضف إلى أن الإنسان إذا تكلف وجاهد نفسه خلافاً لصفته السيئة، فإن ذلك سيتحول بعد فترة إلى ملكة راسخة في النفس، بتسديد وتوفيق من الله تعالى..

٢٤- إن الإنسان إذا رأى في نفسه بوادر الميل إلى أكثر من سلبية، بأن يرى مثلا: أن فيها علواً واستكباراً على الغير، أو حقداً وضغينة على الأبرياء من الخلق، أو أنه لا يطيق لأحد أن يتنعم دونه، أو يشتهي الحرام؛ فليحذر من نفسه، وليحاول علاج ذلك بالتكلف، ثم يجأر إلى الله تعالى..

٢٥- إن صاحب الشخصية المترددة: ليس له قوام فكري ثابت ومطمئن؛ فهو يحمل القلق في الجانب الفكري لما جاءت به الشريعة.. وتراه يتخبط في بطون الكتب، ليناقش مسألة فرعية غافلاً عن الأصول والأساسيات، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}، مذبذبين هنا وهناك دون الوصول إلى الهدف.

٢٦- إن السياسة الشرعية في السلوك، قائمة على أساس تجنيب الفرد عن السياقة على حافة الهاوية.. فمن اللازم الاجتناب عما يشبه الحرام، لئلا يتورط صاحبه في المعصية من دون أن يشعر.. وقد روي: (أن من حام حول الحمى، أوشك أن يقع فيه)!..

٢٧- إن الإنسان الذي يعيش جو الخصومة: إنسان متوتر، إنسان موزع الفكر، إنسان سريع الإثارة والاستثارة، إنسان لا يملك التركيز الذهني للعمل الفكري الجاد، وحتى نومه نوم مضطرب، ويعيش الأرق والقلق، إنسان مكتئب، إنسان معقد، إنسان تجتمع فيه الكثير من خصال الشر.. ولهذا يقول الإمام الصادق (ع): (إياكم والخصومة في الدين!.. فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز وجل، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب).

٢٨- إن الذي يتأثر بالظن، ويتأذى، ويخجل، وقد يصاب ببعض العوارض العصبية.. إن هذا الشخص غير مأجور في ابتلائه؛ لأنه هو من أوقع نفسه في البلاء..

٢٩- إن الإنسان لا يستطيع ضبط خواطره في كل ساعات نهاره وليله، فمن يريد أن يضبط خواطره عليه أن يمتحن نفسه في صلاته.. وبالتالي، فإنه يضرب هدفين بسهم واحد: الهدف الأول: أنه أوجب له الإقبال في الصلاة، والهدف الثاني: أنه دخل دورة تدريبية في ضبط فكره في الصلاة..

٣٠- إن الإنسان بإمكانه أن يتخلص من الخواطر بأن لا يوسع من دائرة خياله.. فالإنسان الذي يسمع كثيرا، ويتكلم كثيرا، وينظر كثيرا؛ يجعل جهازه الباطني جهازا مشوشا..

٣١- من المهم معاقبة الجوانح على تلك الحركات السلبية التي في أعماق القلب، فضبط الجوارح ليس بالصعب جدا، ولكن المشكلة الأرقى -ونحن غير مكلفين بها شرعا- هي السيطرة على المعاصي الجوانحية هذه الحركات غير محرمة، ولكن هناك عبارة عن روح الله (ع)، بأنها كالدخان الذي يسود المكان، فيزيل بهاءه..

٣٢- البعض من المؤمنين عندما يسمع بالصدقة الجارية، يقول: يا ليتني كنت ثرياً؛ لأبني مسجدا!.. ومن قال بأن بناء النفس ليس بأقل عند الله من بناء المسجد؟!.. المؤمن أشرف من الكعبة.

٣٣- إن أفضل مشروع في زمان الغيبة، أن يبني الإنسان نفسه، لتصبح سراجا منيرا، وشمساً مشرقة!.. المؤمن عندما يصل إلى مرحلة من مراحل الإيمان الكبرى، يربي الناس بنظراته، وبدعواتهِ في جوف الليل..

٣٤- إن الإنسان غير معصوم، وقد يغضب خطأ أو سهوا.. وهنيئا لإنسان يلتفت إلى خطأه عند الخطأ!.. لأن الالتفات بعد فوات الأوان لا ينفع..

٣٥- إن الذي يثبط العزائم، هو التفكير في التجلية والتخلية.. هذا هو المكلف، وهذا شغل رب العالمين.. على العبد أن يقوم بالتخلية المجردة حتى يخفف عليه التكليف، ويرفع من مستوى أمله.. والبقية يتعهد بها الله -عز وجل-.. فإذن،ً علينا أن نعمل جميعاً على تصفية الملكات الباطنية، فإن هذا باب واسع من أبواب التفضل الإلهي على العبد.

٣٦- إن هذه العين التي من الممكن أن تكون رافداً للمحرمات من الأمور، لماذا لا نجعلها من كاميرات الاعتبار؟.. قال تعالى: {فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}..

٣٧- إن الذي يعيش حالة من المراقبة الإلهية الشاملة لسلوكه، هذا الإنسان سوف لا يفكر في الحرام فضلاً عن ارتكاب الحرام، وهذا ما يسمى بالعصمة النازلة.. فالعدالة تتحقق بترك الحرام والمعصية وعدم الهم بالحرام، والمعصوم بلغ الذروة في هذا المجال.. وكذلك الإنسان المؤمن، بإمكانه أيضاً أن يصل إلى درجة من التكامل الباطني، بحيث أنه لا يفكر في الحرام فضلاً عن التخطيط والبرمجة لدخول ذلك العالم.

٣٨- إن مشكلتنا تكمن في أن البعض منا يعيش الغفلة المطبقة، والبعض يعيش الغفلة المتقطعة.. وهذا أفضل من الأول؛ فهو ميت دماغيا.. البعض هكذا يصلي وينتعش، ولكن وبمجرد أن ينتهي من الصلاة يعود إلى إغماءته..

٣٩- لو أن الإنسان لم يعرف الحق، والأمور مشتبهة؛ فعليه أن يقف عند الشبهات!.. لماذا يجعل نفسه جسراً لعبور الآخرين؟..

٤٠- إن الأعمال الجوارحية من أوليات الشريعة، ولكن الأرقى من ذلك، هو إصلاح هذا الأمير الباطني.. إن مملكة البدن لها وزارات وقوى، وهذه الحواس الخمس.. فهل أصلحنا هذا الباطن، كي يتحول من نفس لوامة، ومن نفس أمارة، إلى ذلك القلب السليم؟..

٤١- من المهم أن يكتشف الإنسان العين البرزخية في الحياة الدنيا، فيحاول أن يقيم قيامته بنفسه قبل أن يفاجأ بالقيامة..

٤٢- إن على الإنسان أن يكتب هذه الآية {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} فوق التلفاز، هذا التلفاز الذي يبث ما يبث من الحلال والحرام.. وكلما أراد أن يفتح هذا الجهاز، ويتنقل عبر المحطات؛ ينظر إلى هذه الآية!..

٤٣- إن على الإنسان أن يقف مع نفسه، ويتذكر حياة الأبدية: الأبدية في الجنة، أو في الأعراف، أو -لا قدر الله- في النار.. فهذه الأبدية، ترسم بهذه السنوات القلائل من الحياة الدنيا.. يا لها من معادلة مرعبة ومخيفة، أن يرسم الإنسان أبديته!.. الإنسان لا يكاد يستوعب ما معنى الأبدية؟.. سنعيش الأبدية في جوار الله -عز وجل-: في جوار لطفه، أو غضبه، وذلك من هذه الأيام التي نقضيها في الحياة الدنيا.

٤٤- إذا لم يصل الإنسان إلى درجة استقذار المنكر، فإنه لم يحصل على شيء؛ لأنها حصانة مؤقتة لا حصانة ذاتية.. لذا يجب على المؤمن أن ينظر إلى نفسه: هل وصل إلى هذه الدرجة أم لا؟.. إن وصل لهذه الدرجة، فهنيئا له!..

٤٥- لا بأس أبداً بأن تقيّم الموقف، وأن تحلل الشخصية وآثار الشخصية.. أما أن تتعدى من الفعلِ إلى الذات، هنا النقطة الحمراء، هنا الخطورة!.. فهناك إنسان كثر في عرصات القيامة سيكونون مفلسين.. لماذا تورط نفسك بما لا جدوى منه؟..

٤٦- لا بد أن ننتبه أن التوغل في التلذذ، أيضاً له صفعات في الدنيا، وإن كان الأمر حلالاً..

٤٧- إن الإنسان الصادق في حركته إلى الله عزّ جلّ، يعيش في محضر الله عزّ وجلّ.. ومادام يعيش في محضر الله عزّ وجلّ، ما الفارق عنده بين الليل والنهار؟!.. وبين المسجد والبيت؟!.. وبين الوطن والغربة؟!.. إنه يعيش حالة من حالات الرقابة الإلهية، ولهذا فإن الأمر بالنسبة له، لا يختلف أبداً في هذه الحالة.

٤٨- إن عِمارة القلب من أفضل أنواع العمارة، ومن أسهل أنواع العمارة.. فالحج والعمرة يحتاجان إلى تحمّل الطريق والمال.. والعبادات ثقيلة: كقيام الليل، وصوم الصيف، وقيام الشتاء، كل ذلك يحتاج إلى مؤونة.. أما أنْ يفرِّغ المؤمن قلبه من كل الأغيار، فإن ذلك يحتاج إلى حركة دقيقة.. وما على الإنسان إلا أن يصمم على أنْ يُخرج من قلبه كل شيءِ سوى الله تعالى.. وكما قال الصادق عليه السلام: (القلب حَرَمُ الله، فلا تُسكِنْ حَرَمَ الله غير الله).

٤٩- إن على الإنسان أنْ لا يُغَشْ في بعض الإمتيازات التي يحصل عليها في هذه الحياة الدنيا.. نعم، قد يكون للتخصص العلمي: الطبي، أو الهندسي وجه في ذلك.. ولكن الأسوأ من ذلك الانتماءات القبلية، كأن يكون الإنسان منتسباً إلى عشيرة معروفة.. فما قيمة هذه المعروفية في سجل رب العالمين؟!..

٥٠- إن هناك فرقا بين العورة الظاهرية، والعورة الباطنية: العورة الظاهرية لا تعدم، وإنما تستر!.. أما العورة الباطنية، فبالإمكان أن تعدم، حيث من الممكن أن يصل الإنسان إلى مستوى لا يكون له عورة في الباطن.. ولو كشف عنه الغطاء؛ لما كشف شيء يشين باطنه.. فالدرجة العالية ليس هو ستر العورات الباطنية، ولكن هو محو تلك العورات.. بحيث لو كشف الباطن للآخرين، لا يرون إلا الجميل.

٥١- إن الثرثرة الباطنية من الحالات السلبية في سير الإنسان، وهي بمثابة الدخان الذي لا يحرق المنزل، ولكن يسوّد جدرانه.. لذا على المؤمن السائر، إذا رأى نفسه تميل إلى الثرثرة الباطنية، أن يحوّل اتجاه النفس من هذه الثرثرة، إلى حديث باطني مع ربِّ العالمين {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}.. ما المانع الذي يمنع الإنسان الذي يفكر ويثرثر في باطنه، أن يتحول إلى موجود يناجي الله -عزّ وجلّ-؟!..

٥٢- إنَّ تربية النفس وتهذيبها همٌّ شاغل، وسفرة من السفرات، بدأت منذ أن خلقنا، ولا تنتهي.. لأننا سوف نعيش الأبدية في الآخرة: سواء في الأعراف، أو الجحيم، أو في جنة الخلد.. فالأمر يحتاج إلى برمجة وإلى مراقبة دقيقة، ويا حبذا لو يفتح الإنسان له ملفاً، فيحول مراقبته العامة لنفسه إلى أمر مكتوب، فكم من الضروري أن يتحول الاهتمام بالنفس إلى هذه الدرجة من المتابعة الدقيقة!..

٥٣- يحق للإنسان أن ينتابه الخوف الشديد من هذه الآية: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ}!.. فالإنسان يدخل في دورة تدريبية لمدة سنة، يصبح ماهرا في مجال عمله.. فكيف بالشيطان الذي تمرن على إغواء الناس، منذ آلاف السنين، منذ خلق أبينا آدم (ع)؟!.. فالشيطان عندما يتحكم في البعض، يجره من عنقه.

٥٤- الحساب في الدنيا قابل للتدارك!.. فالإنسان من الممكن أن يوفر على نفسه عقبات طويلة جدا في المحشر؛ باتصال هاتفي؟!..

٥٥- آلية عملية للمحاسبة: هناك محاسبة، ومشارطة، ومعاقبة: المحاسبة تكون آخر الليل، أو بعد كل فريضة يحاسب الإنسان نفسه: من الظهر إلى المغرب، ومن المغرب إلى الصباح.. ثم المشارطة أول الصباح، يخرج من المنزل ثم يشترط على نفسه: أن لا يقارف ذنبا.. ثم المعاقبة إذا خالف الأوامر؛ يعاقب نفسه بتكاليف الشريعة: كأن يؤدب نفسه بحضور صلاة الجماعة شهرا صباحا، فيهجر لذيذ الفراش.. يا لها من معاقبة جميلة!..

٥٦- والمؤمن إذا وصل إلى حالة من المعايشة للمحضرية الإلهية، كفى ذلك رادعاً له!.. حتى لو جاء جبرائيل وقال: إن ربّ العالمين من هذه الليلة حوّل كلّ المحرمات إلى مكروهات؛ أي أن الله لا يحبّ هذه الأمور، لكنه لا يعاقب عليها.. ربما لا يبقى أحد إلا ويرتكب هذه المحرمات، ولكن الذي يعيش المحضرية الإلهية، يقول: هذا الخبر لن يؤثر في حياتي أبداً، مادام ربّ العالمين يكره هذا العمل، كفاني ذلك!..

٥٧- إن الإنسان الذي يقف أمام بعض أهل الدنيا من الذين يخاف من سطوتهم، وقلبه ينبض سريعاً، فليعلم أنه ليس على خير!.. كيف يخاف الإنسان من عبد مسكين مثله، وإن كان عليه ما عليه من الهالة الكاذبة؟!..

٥٨- إن هناك هاجسا، هذا الهاجس إذا لم نستجب له من الآن، فسوف يكون هنالك حسرات في عالم البرزخ والقيامة.. لذا يجب أن نعيش هذا الجو من اليقظة التي عبّر عنها بـ(موتوا قبل أن تموتوا)؛ أي أن نعيش مراحل ما بعد الموت، ونحن في الحياة الدنيا..

٥٩- لو أنَّ هنالك في غرفة النوم بثّا مباشرا على كلّ القنوات المعروفة، الإنسان يحسب حساب النَّفس في غرفة النوم، إذا أراد أن ينام لا يتنفس بصوت عالٍ؛ لئلا تقوم الزوجة من منامها مثلاً، لئلا يزعجها بشخيره مثلاً، هكذا يراقب سلوكه.. ولكن مع الأسف جعلنا الله -عزّ وجلّ- أهون الناظرين!..

٦٠- إن السيطرة على البدن أمر ميسور، من خلال العضلات التي يتحكم فيها الإنسان.. ولكن السيطرة على الفكر والخيال، ليس بالميسور لكل أحد، وذلك لأن الفكر من عالم المعاني.. ومن المعلوم أن الإنسان إذا لم يجد وسيلة للتحكم في عالم المعاني، فإن قواه المادية لا تكفي لأن تكون مؤثرة في ضبط الخيال الذي يسرح ويمرح في كيان الإنسان: مخوفاً إياه بأعداء موهومة، ومزينا له بعض صور الهوى الذي قد لا يصل إليه، وحابسا له في سجون ذكريات الماضي السحيق.. والحال أن الإنسان عليه أن يعيش يومه، ويخطط لمستقبله، من دون ان يكون أسيرا للماضي الذي لا يمكن إرجاعه.

٦١- إن كثيرا من الفتاوى، تؤكد على المنع من التشبه بالكفار، من حيث: المظهر، والزي، وتبني رموزهم وقيمهم.. فإن من تشبه بقوم؛ حشر معهم.. وهذه حقيقة ينبغي أن يلتزم بها الذين يعيشون في أوساط الكفار.. فإن فقدان الهوية الذاتية، مقدمة للاستخفاف التدريجي بالشريعة، وهي التي تجعل حدا فاصلا بين الحياة الإنسانية، والحياة البهيمية.

٦٢- نظرا إلى أن الإنسان بطبيعته، متأثر بالجو الاجتماعي الذي يحيط به -وخاصة الأسرة- فإنه لا يمكن إنكار تأثير سلوكيات الأطراف المحيطة بالإنسان.. ولا يمكن للفرد من ناحية: قطع العلاقة بمن حوله، ومن ناحية أخرى: لا يمكنه التفريط بحالة اليقظة الروحية التي يعيشها.. إذ لعل هذه الحالة لا تعود إليه ثانية!.. فيرجع إلى الوراء، ليكون أسوأ مما كان عليه سابقا، إذ أن الإدبار بعد الإقبال خطير جدا!..

٦٣- إن العبد الذي لا مراقبة له، لا يؤمن منه الزلل في يوم من الأيام.. والعبادة الكثيرة والتاريخ الطويل من التعبد؛ كل ذلك لا يشفع للإنسان الذي من الممكن أن يزل قدمه في موقع من مواقع الاختبار: فيفقد به حاضره، ويفسد به مستقبله، وقد يحبط بذلك ماضيه.. وما بعض صور الخذلان التي نراها عند البعض، إلا من وراء الغفلة في هذا المجال.. ويبدو أن زمان الغيبة مليء بالانتكاسات الروحية والعقائدية، وخاصة كلما قرب من عصر الظهور.

٦٤- إن التعبير بـ{ارْجِعِي} يعد من أروع التعابير القرآنية!.. فإننا جئنا من الله -تعالى- بمعنى من المعاني، وقد خلقنا من نفحاته الخاصة، لنكون جليسا له عند مناجاته، وناصرا لدينه عند مجاهدة أعدائه!.. وقد أراد منا أن نرجع إليه على نور الفطرة، كما أرسلنا إلى هذه الدنيا بنور الفطرة نفسها.. ولكن مسكين بني آدم، حيث أرجع الأمانة وهو خائن لها، حيث أطاع كل شيء سوى مولاه!.. وكم من الفرق بين من يحرقه خالقه بنار غضبه، وبين من يقول عنه: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}!.. أوَ هل فكرنا في هذه الجنة التي نسبها القرآن الكريم إلى الله -تعالى- مرة واحدة في خصوص هذه السورة، حيث يقول: {جَنَّتِي}؟!.. نعم إنها جنة النفوس المطمئنة، لا اللوامة ولا الأمارة.

٦٥- مع الأسف إن التاريخ الإسلامي كُتب، من قبل أشخاص لا نشهد لهم -على الأقل- بالعدالة.. إن الإنسان إذا أراد أن يأخذ نقلا تاريخيا صحيحا، فمن المفروض أن يعتمد على الناقل.. وهؤلاء الذين نقلوا التاريخ، فإن أمر بعضهم مريب؛ حيث نعلم تحيزه الطائفي، وميله تجاه بعض المناوئين لخط أهل البيت (ع).. فلا بد من أن نقف موقفا: محتاطا، ومتأملا، ومنتقدا، وانتقائيا من التاريخ؛ لئلا نقع في هذا الخلط.

٦٦- إذا قلنا أن وجود المربي لا ضرورة له، ولا نفع له؛ فهذه مكابرة ومغالطة!.. فمن المعلوم في الرياضة البدنية أن البدن يحتاج إلى تدريب ومدرب خاص.. فإذا كان ترويض عضلات البدن، يحتاج إلى مرب تعطى له ملايين الدولارات؛ فكيف بتهذيب الباطن الذي لا يرى، وهو أعقد وهو الباقي، والبدن هو الفاني!..

٦٧- مع الأسف إن البعض يعتقد بأن تهذيب النفس خاص بالنخب العلمية، سواء في الحوزات، أو في الجامعات، أو في المساجد.. والحال، بأن الله -تعالى- يخاطب الجميع في كتابه الكريم ويأمرهم بالتقوى، حيث يقول في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، وفي آية أخرى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

٦٨- مما لا شك فيه أنه مع عدم المراقبة والمحاسبة، فإن هذا العلم يجر الإنسان جراً، إلى حالة من الانشغال بالذات، والتقوقع، وتهذيب الباطن، واستكمال الملكات.. وعليه، فإنه لابد أن يؤكد السالك والساعي على عكس ثمار هذه الحالة في حياة الأمة والمجتمع، كما كان الأمر عند النبي وآله والعلماء الصالحين، حيث أنهم كلما ازدادوا تكاملاً في الباطن؛ كلما اشتدت حركتهم الخارجية إصلاحاً.

٦٩- إن أصحاب الهوى والمجون، سنوات وهم يخططون ليصلوا لما يريدون.. فيرى من يعشقها في يقظته وفي نومه، ثم بعد حصوله على ما يريد، وإذا بهذه الطاقة المتجمعة عبر فترة من الزمن؛ يجدها رخيصة جداً، وليست بالمثابة التي يتوقعها!.. فشهوة الشبع، وشهوة الغرائز، تنطفئ في لحظات معدودة!.. هذه هي الزينة ﴿لأزَيِّنَنَّ﴾.. بذل من عمره، ومن ماله، ومن وجاهته، ومن شرفه، ومن دينه؛ لأجل لحظات تمر مرور الكرام، ويتعقبها الحسرة والندامة والخسارة!..

٧٠- إن الإنسان المؤمن إذا أراد أن يتكامل، ويهذب نفسه، ويحصن جوارحه.. عليه أن يفتش في الصفات الباطنية، يفتش في زوايا نفسه.. في بعض الأحيان تكون في المؤمن صفة كامنة في نفسه، الإنسان لا يلحظها، مثل الجراثيم الكامنة في البدن، فإذا أصاب جسم الإنسان ضعفاً؛ تأتي هذه الجراثيم لتلقي الإنسان أرضاً.

٧١- إن الكلام والحديث أمرٌ ممكن السيطرة عليه، ولكن ماذا نعمل بطبلة الأذن؟.. هذه الطبلة المفتوحة على مدار الساعة، الطبلة هذا الجهاز الذي يتحرك مع كلّ موجة حقاً كان أو باطلاً.. ومن هنا من الأشياء الصعبة على المؤمن أن يتحكم في نفسه في هذا المجال!..

٧٢- إن المؤمن يصل إلى درجة يصبح فيها مزدوج الشخصية، -ليس المقصود المرض النفسي كانفصام الشخصية-؛ فجوارحه تعمل بأفضل صورة: كالسائق الذي يقود سيارته قيادة ماهرة، وهو مستغرق بالحديث مع الشخص الذي معه، فجوارحه تعمل خاصة إذا كانت بجانبه من يحبها ويهواها؛ أي كل وجوده معها، لكنه يتقن عمله أيضاً.. بعض الجراحين، يعمل عمله بكل هدوء، ولكن قلبه في عالم آخر!.. من الممكن أن يعيش الإنسان هذه الأثنينية، وهي أصعب من تكرير البنزين، فهذا النفط لم يصل إلا بعد أن مر بمراحل من الغليان والتبخر، فإذا كان تكرير النفط إلى بنزين ومازوت وغيرها يحتاج لهذه المعدات، فكيف بتكرير النفس؟.. هي أيضاً تحتاج إلى معدات، ولكن الفرق: أن معدات تكرير النفط تأتي من الشرق والغرب، ومعدات تكرير النفس إنتاج محلي، فبإمكان الإنسان أن يصنع هذا الجهاز.

٧٣- إن الغرابة هي في عدم إدراك الجمال الإلهي، لا في إدراك الجمال الإلهي!.. ولكن المشكلة كل المشكلة في وجود هذا الغبار الذي غطى على قلوبنا، وطمس فطرتنا!..

٧٤- إن هنالك تأكيداً شديداً على مسألة المراقبة والمحاسبة، في روايات أهل البيت.. ولكن المهم هو أن نتعلم الآلية، فأن نعلم بأن المحاسبة أمر ضروري، هذا لا يكفي، ولكن لابد أن نتعلم الطريقة.

٧٥- إن المحاسبة تنقسم إلى ثلاثة حقول: الحقل الأول: نكتفي فيه بالمعاتبة.. الحقل الثاني: نكتفي فيه بالاستغفار والعزم على عدم العود.. والحقل الثالث: وهو الحقل الذي لا بد فيه من بعض الممارسات الخارجية.

٧٦- يجب الابتعاد عن كل مصادر الفتنة، فأسلوب الشريعة هو أن الوقاية خير من العلاج، فـ(درهم وقاية خير من قنطار علاج).. فإذن، إن الخطوة الأولى هي في إبعاد المؤثرات السلبية.. والشريعة قد جعلت مجموعة من المحرمات في هذا المجال، ولكن البعض قد لا يستوعب حقيقة هذا الحرام فيعترض.. ومن تلك المحرمات مصافحة النساء.

٧٧- لا بأس للإنسان أن ينظر بين فترة وأخرى، في أن الله -عز وجل- هل راضٍ عنه أم لا؟.. المرأة في الأسرة دائماً تعيش هذا الهاجس: أي أن الزوج راضٍ عنها أم لا؟.. والموظف يعيش هاجس: هل أن صاحب العمل راض عنه أم لا؟.. فعلى الإنسان أن يعيش هذا الهاجس دائماً بالنسبة لله -تعالى- بطريق أولى!..

٧٨- إن المراقبة الشديدة في القول والفعل، ضمانٌ أكيدٌ لضبط السلوك في المجالين.. ومَـنْ لا مراقبة له، لا يُـؤمن منه صدور الأخطاء الفادحة التي قد تستنـزل غضب الرب، بما قد يكون طارداً له عن أصل الطريق.. ولا نعني بالمراقبة المتقطعة العابرة، وإنما المراقبة الدقيقة الدائمة.. إذ أنّ العدو المتربص لا يحتاج إلى غفلةٍ مطبقة في كلّ الأوقات، بل تكفيه الغفلة في برهةٍ من الزمان، ليصادر المكتسبات في ساعة اليقظة، ومن الواضح أن عملية الكرّ والفرّ هذه، لا تدع السالك يتقدم ولو قليلاً.

٧٩- لا ينبغي الإنشغال بالنفس عن الغير، وكذلك العكس.. فالكثيرون لا يعرفون أوليات الشريعة في حلالها وحرامها، فشكر نعمة الهداية يقتضي الأخذ بيد من يمكن هدايته، وعلى الخصوص الأقربين.. فمن أفضل سبل التقرب إلى الحق المتعال، هو تحبيب العباد إليه تعالى بذكر آلائه ونعمه، ومن ثم تخليصهم مما تورطوا فيه موجبات البعد عن الحق المتعال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى