مراقبة النفس

المراقبة الصحيحة في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن تصفية الباطن حركة مهمة جداً، بالإضافة إلى تصفية الأعمال، والقيا١- م بالواجبات، وترك المحرمات..

٢- لابد للإنسان الذي يريد أن يحدث تغييراً ما في الحياة، أن يقوم بحركة؛ وإلا فلو ترك الأمور على رسلها، فإنه سوف لن يصل إلى نتيجة أبداً.. فكما أن الإنسان الذي لا يتعرض إلى مصادر العلم -إذا لم يفتح كتاباً، ولم يحضر عند أستاذ، ولم يباحث درساً-، يبقى على ما كان عليه في الجانب العلمي؛ كذلك في الجانب السلوكي والروحي، فإن الأمر يحتاج إلى سعي حثيث، وهذا السعي لا ينبغي أن يكون أقل من السعي في تخزين الجانب العلمي..

٣- إن بعض الناس تفتح له بعض أبواب عالم الغيب: لذة في العبادة، أو أنس في الصلاة؛ وإذا به يهجر المجتمع ويعتكف في صومعة!.. من قال بأن هذا هو الأنس المطلوب؟!..

٤- إن الله -عز وجل- قد أودع سننه في الكون بنظام دقيق، تعطي لكل حق حقه، وتفرض لكل منا نصيبه في الدنيا: من الشقاوة والسعادة، والفرح والتعاسة.. ومن شفقة المولى ورحمته بنا، أنه جعل هذه الانتكاسات تنصب في جانب واحد من جوانب حياتنا، إلا أن البعض من الذين انتهجوا سبل الخشونة والغلاظة، قد مزجوا تلك الآهات والأحزان بقريناتها من جوانب الحياة المختلفة من المرح والسعادة؛ لتغدو حياتهم بأسرها مزيجا من التعاسة والأسى، رافعين أعلام الحزن، ناشرين رايات الكآبة..

٥- إن دراسة الأمور دراسة واعية، لأسباب بعض الأعراض الروحية، والأمراض الوجدانية.. تجعل كل منا يفهم ما أصيب به من ابتلاء، وما تعرض له من خطر، وما سيلحقه من ضرر.. فيهمّ الإنسان وبفطرته الناضجة؛ لأن يصحح ما قد فسد، ولأن يقوّم أمر نفسه، ولأن يبنيها بالآمال بعدما بنيت بالآلام..

٦- إن كلَّ منتسب إلى الله تعالى، مكتسبٌ للخلود وللتقديس، بالإضافة إلى صفة المخلوقية.. فإذا تفاعلت هذه الروح واستغرقت بعوالم القرب، فإن الإنسان يصير في حالة ذهول شديد، بحيث وكأن البدن يعزل عن الروح.. فهنيئاً لمن وصل إلى تلك الدرجة من الاتصال بالمبدأ جل وعلا!..

٧- إن الإنسان الذي يستيقظ من غفلته ويبصر، فإذا هو قابع في مزبلة نتنة؛ لا شك في أنه سيتحرك للخروج مما هو فيه..

٨- إن لقبول الأعمال مقياسا، لا يكشف زواياه ويعرف خوالجه؛ إلا من جعل تلك الأعمال ممتثلة نصب عينيه، ظاهرة بارزة أمامه.. فمن المعلوم أن الذي يستعجل هلال العيد، ويترقب ظهوره، ينظر إلى تلك الثمار اليانعة، التي قد حان قطافها ليحصدها..

٩- إن المراقبة الواعية من العبد لنفسه؛ تجعله دائم النشاط والهمة في التقرب والعبادة، بعيداً تمام البعد عن الكسل والفترة.. كالمراقب للنبتة؛ الذي يسعى دائماً لأن يتعهدها بالسقاية والرعاية.. بعكس الذي لا يكترث لها؛ فإنها حتماً ستفقد رونقها، وتذبل بعدما كانت مضرباً للروعة والجمال..

١٠- إن وجود الملكات الخبيثة في النفس، هي بمثابة الجذور المستنبتة.. فالإنسان قد يقضي على السيقان، وعلى الأوراق.. ولكن هذه الجذور، ستؤثر في يوم ما على الإنسان..

١١- عندما يمشي الإنسان في الطرقات السريعة، نلاحظ أن هنالك مسافة محترمة بين الشارع العام وبين خط الهاوية.. وبالتأكيد، أن السائق الحذر لا يسوق على حافة الطريق، ولو ساق غفلة رجع إلى رشده؛ لأن الحافة والهاوية طريق الهلاك.. فلماذا تمشي على حافة الدين؟!..

١٢- إذا ترك القلب دون مراقبة، قد تتسلل بعض الأمور إلى قلب المؤمن.. وبالتالي، يسكن قلبه حب غير الله عز وجل، والشيء إذا استقر في القلب يصبح أميرا.

١٣- إن العبد في بعض الأوقات، لا يقدر نعمة الإقبال الروحي.. مثلا: إنسان يأتي إلى المسجد فيصلي صلاة خاشعة، وعلى باب المسجد يتكلم كلام هذر وباطل.. فهذا الإنسان من الطبيعي أن لا يعطى حالة الإقبال مرة أخرى؛ لأنه أعطي الهدية ورماها جانبا؛ فهو لا يستحقها.

١٤- إنه لمن الضروري الاهتمام الجاد بأمر المطعم والمشرب في بلاد الكفر، فإن البدن إذا نبت على الحرام، يتحول إلى آلة لارتكاب المنكر.. وحدود الله -تعالى- ينبغي مراعاتها في كل صغيرة وكبيرة، إذ لعل المولى أخفى عقابه في محرم استصغره العبد، ولو في أكلة أو شربة!..

١٥- يجب مراقبة الأحداث والمراهقين عند اصطحابهم إلى بلاد، يغلب عليها الفجور والمنكر.. فبعض الانحرافات تبدأ من تلك الأجواء الملوثة.. وكم من المؤلم أن يدفع الأب ولده -ولو من دون قصد- إلى مستنقع المنكر!.. وذلك بأمواله التي جعله الله -تعالى- قيّما عليها.

١٦- نحنُ في عالم الدنيا البعض منا روحه: إما نائمة، أو مغمى عليها.. فالذي روحه مغمى عليها، يحتاج إلى عناية من رب العالمين.. أما الذي ليسَ بمغمى عليه، فإنه ينام ويقوم، مثلا: نظر إلى ما لا يجوز، أو تكلمَ ما لا يجوز، ثم تذكر.. والتذكر من صفات غير المغمى عليه، فالمغمى عليه لا يتذكر؛ ولكنَ الغافل يتذكر.

١٧- إن النظر من موجبات تشويش الباطن، الإنسان الذي لا يضبط نظره ولا يضبط قوله؛ أي أنه مبتلى بفضول النظر وفضول السمع.. هذا الإنسان من الممكن أن يفقد كثيرا من البركات الإلهية في هذا المجال.. هنالك عقوبات في مقابل المخالفات، وهنالك بركات تُفقد في مقابل بعض المخالفات حتى غير المحرمة؛ فكيف بالمخالفات التي هي محرمة؟!..

١٨- إن الذين يرون في أنفسهم تميزاً علمياً وعملياً، وميلاً إلى العبادة وإلى المجاهدة، ويلتزمون بنوافل الليل، ويستشعرون حلاوة الحب الإلهي، ويتذوقون المناجاة مع رب العالمين؛ هؤلاء ليكونوا على حذر تام؛ لأن الشيطان لهم بالمرصاد..

١٩- لو حاول الإنسان أن يفرغ ذهنه من كل خاطرة لمدة خمس دقائق؛ فإنه لا يمكنه ذلك.. فالذهن لا يمكن أن يكون فارغاً من فكرة أو من خاطرة أو من رؤية.. والقلب أيضاً لا يمكن أن يكون فارغاً.. بل لابد أن يحب شيئاً.. فهذا القلب إذا لم تربطه بالمبدأ الأعلى، من الطبيعي أن يرتبط بما دون ذلك، وإن كان تافهاً..

٢٠- إن سبب زوال الحالات الروحية، عدم تقديرها.. فالذي يعطى في ليلة القدر هذه الهبات الروحية، وفي النهار يرتكب ما يرتكب من بعض المحرمات، أو الغفلات؛ فإنه من الطبيعي أن يعاقب بسلب هذه الحالة..

٢١- إن المراد منا -كما نفهم من مصادر الشريعة- أن يصل الإنسان إلى مرحلة الضبط الباطني.. فالذي ينضبط باطنه؛ تنضبط جوارحه؛ لأن الجوارح تنحرف، عندما يكون هنالك حركة ساهية لاهية في الباطن..

٢٢- إن البعض يهتم في بناء منزل -أي يصرف جهداً مضاعفاً- فبعض العلماء يقول: بأن هذا يصرف جهداً لبناء مربط لفرس روحه!.. حيث أن هنالك روحا راكبة على فرس وهو البدن، ولهذا فإن البدن هو مربط وإسطبل.. والبعض يهتم بإسطبل فرس روحه، ولا يهتم بروحه التي بين جنبيه!..

٢٣- إن الذي يعصي الله -عز وجل- وهو مؤمن، هذا الإنسان يقول بلسان الحال: يا رب هذه عيني لي، وأنا الذي أتحكم بعيني.. أوجهها هنا وهناك على حسب مزاجي.. والحال بأن العبد العاقل يقول: هذه كاميرا إلهية راقيه جداً، وستبقى معي سبعين أو ثمانين سنة، لذا لابد أن أعمل وفق الضوابط.. ولا منة على الله -عز وجل- عندما أغض بصري عن الحرام، لأنها هي ملك لله تعالى..

٢٤- إن الله -عزّ وجلّ- يبارك في السعي الموجود، ولا يبارك العدم.. فالبركة في الوجود، والوجود الذي ينسجم مع خطه.. فهو -تعالى- لا يتولى إنسانا جاهد نفسه في غير مرضاته -عزّ وجلّ- وجاهد نفسه في غير الأسلوب الشرعي، وعبد الله في غير ما أمر الله -عزّ وجلّ- فهذا الإنسان لا يصل إلى شيء..

٢٥- إن الناس في أمور دنياهم: في أمور زواجهم، وفي تجارتهم، وفي طلبهم للدرجات والشهادات العلمية؛ لهم حالة من حالات الإصرار والمتابعة.. بينما عندما يصل الأمر إلى طريق الجنة والخلود والنعيم المقيم؛ لا توجد عندهم تلك الهمة وذلك الإصرار!..

٢٦- إن آخر الزمان معروف بأمرين: كثرة الشهوات، وكثرة الشبهات.. فالشهوات: التي تنفذ من خلال جوارح الإنسان، والشبهات: التي تنفذ من خلال فكر الإنسان.. فهنالك جراثيم، تغمر جوارح الإنسان.. وهنالك قسم من الجراثيم التي تغمر فكر الإنسان، فيبتلى بمرض الشهوات من جانب، أو الشبهات من جانب آخر.. ولهذا يجب علينا أن نسير في تصفية أنفسنا: قلباً، وقالبا.. جوارحاً، وجوانحاً.. لنكون من الفائزين في زمان الفتن.. وأن يكون شعارنا: ممن يستمعون القول، فيتّبعون أحسنه.

٢٨- إن هنالك بعض البدايات المخيفة في ذهن الإنسان وفي عقله، فإذا رأى أحد في وجوده ميلاً إلى الحرام، ورأى في نفسه تشكيكاً لأصل من الأصول، فليبادر إلى تنقية الوضع.. فإن هذا الميل إلى الحرام، من الممكن أن يشتد إلى مرحلة العزم والرغبة الأكيدة.. فهنالك ممن سرقوا الملايين، وكانوا قد بدءوا بالدرهم والدرهمين.

٢٩- إن على الإنسان أن يكون مراقباً لنفسه ولسلوكه طوال الزيارة، ومنذ خروجه من سكنه.. فمن توفق للمراقبة في فترة الزيارة القصيرة، فإنه من المرجو أن يستمر في المراقبة لنفسه عند الرجوع إلى وطنه.. ويخشى على الذين يذهبون إلى هذه الأماكن، ويعودون بعدها إلى المعاصي، يخشى عليهم من ختم القلب، ومن إتمام الحجة عليهم يوم القيامة.. قال الباقر (ع): (… وإنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره).

٣٠- إنّ الإنسان إذا كان في حالة مجاهدة، وفي حال كرٍّ وفرٍّ، وفي حال سقوطٍ وقيام.. وإذا كان كالسنبلة -كما في الرواية- تخرُّ تارةً وتستقيم أخرى.. ولكنه مراقبٌ لنفسه ويجاهدها، فهو على خير.. فالصلوات اليومية، ونافلة الليل، وكل هذه المحطات من أجل إرجاع الإنسان إلى نصابه.

٣١- إن البعض يريد أن يغير من سلوكياته، بالاعتماد على الأوراد والأذكار.. فهو يظن أنه بالورد الكذائي؛ بإمكانه أن يتخلص من سلوك سلبي معين!.. والحال بأن تغيير السلوك منهج وبرنامج تكاملي، والورد عنصر من العناصر؛ هذا إذا كان قلبيا، ولكن أين بقية العناصر؟!.. فمثله كمن يأتي بعناصر غذائية بسيطة، ويريد أن يصنع بها وجبة ملكية فاخرة!..

٣٢- إن من قنوات الانقلاب وتغيير وجهة الحياة: التفكر.. ولهذا فإن “تفكر ساعة؛ خير من عبادة سبعين سنة”.. فالذي يجلس مع نفسه، وينظر هل هو في الطريق الصحيح؟.. وما الذي قدمه لآخرته؟.. وخاصة إذا بدأ الشيب يغزو رأسه، فالشيب رسول الموت، وهو لا زالت نفسه متعلقة بحطام الدنيا وما لا نفع فيه!.. فما الذي يبقى منه للتزود لآخرته؟!..

٣٣- لو رأى الإنسان نفسه غافلاً وهو في الصلاة، لا بأس أن يذكر نفسه ببعض الهفوات التي ترتعد لها الفرائص؛ عندها يلين قلبه.. على الأقل يتذكر حدته مع خلق الله، وإساءته لهم!..

٣٤- إن من موجبات التوفيق والتهيؤ للصلاة الخاشعة، مراقبة السلوك بين الفريضتين.. أي أن من موجبات التوفيق للصلاة، هي مراقبة السلوك بين الحدين.. فمن المعلوم أن الذنب السابق للصلاة؛ يؤثر على توجه الإنسان، فعندما يأتي إلى الصلاة، يأتي وهو يعيش جوا من أجواء البعد عن الله عز وجل..

٣٥- إن النية من أعمال القلب، والعمل من أفعال الجوارح.. وبما أن القلب أشرف من الجارحة، فما يصدر من القلب أيضا أشرف مما يصدر من الجارحة.. فكما أن الإنسان يحاول أن يتقن أعماله الخارجية؛ لأنها محسوسة، فليحاول أن يتقن أعماله الجوارحية؛ لأنها أيضاً في حكم المحسوس.. وكما أنه يعاقب أو يعاتب على أعماله الخارجية، كذلك قد يعاتب على نواياه الباطنية.. فإذن، النية من ضمن دائرة الأعمال، التي ينبغي الاهتمام بها.

٣٦- إن هنالك خواطر تهجم على المصلي من غير اختيار؛ أي تأتيه خاطرة جبرية قهرية، لا دخل للعبد في متابعتها.. إن هذه الخواطر لا تضر بالمصلي؛ لأنها حركة إجبارية.. ولكن المشكلة في المتابعة الإختيارية، بمعنى أن الخاطرة تأتي كنقطة، وعلى المصلي أن يتجاوز هذه النقطة، ولا يعتني بها؛ لأنه إذا اعتنى فهو موآخذ بهذا الاعتناء، لا أنه موآخذ بأصل هجوم الفكرة عليه.

٣٧- إن الإنسان الذي يرى نفسه مملوكا بكل معنى الكلمة، لا يحتاج إلى كثير عناء؛ حيث أن له بنيانا عميقا، وهذا الإحساس فيه بركات كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ولهذا لا يرى هذا الفتور، ولا هذا الانفلات في سلوكه.. فهو على وتيرة واحدة؛ لأنه يرى نفسه مِلكاً طِلقاً لرب العالمين في كل حركاته وسكناته، ولهذا لا يفكر بالتمرد، ولا يفكر في المعصية.. وعندما لا يعصي ويطيع، لا يرى في ذلك منة أبدا؛ لأن ذلك مقتضى طبيعته!..

٣٨- إن المراقبة الناجحة، هي المراقبة المستوعبة للجوارح، ولما خفي من الجوانح.. فعلى المؤمن أن لا يدع هذا الأمر.. بعض الناس عندما ينظر إلى كشف حساباته، ويرى أنه غارق في الديون، يترك العمل ويهرب من الميدان؛ فهذه العملية ليست صحيحة.. بل عليه إذا رأى أن نفسه مليئة بالسلبيات والصفات غير الحسنة، أن يقاوم ويجاهد إلى أن يصل إلى نقطة الفوز.

٣٩- إن الإنسان في حبه لله -عزّ وجلّ-، يغلب عليه شيء من درجات الهيام، والحبِّ الشديد.. قد ينعكس على سلوكه صمتاً طويلاً، وحالة من حالات الذهول أو الإعراض عن الحياة الدنيا، وعن لغوها ولهوها.. والآخرون لا يفسرون الأمر كما ينبغي أن يفسر، ولهذا على المؤمن أن يكتم علاقته المتميزة مع الله سبحانه وتعالى، فما الداعي أن يذكر ما أعطي من نفحات في جوف الليل!.. أو لا يكون ذلك في مظان العجب والرياء؟..

٤٠- إن جلّ اهتمام عامة الناس بعوارض البدن.. يصاب أحدهم بصداع بسيط؛ فيذهب هنا وهناك، وإذا لم يشف يذهب إلى أرقى المستشفيات في بلاد بعيدة، لعلاج ظواهر أمراض البدن.. وهذا أمر لا يعاتب عليه الإنسان؛ إنه شيء طبيعي!.. أما أعراض القلب: إقبال وإدبار، قبض وبسط.. القلب: يموت، ويخدر، ويمسخ، ويختم عليه {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}؛ أحدنا لا يبالي إلى أين وصل قلبه..

٤١- إن من يقوم بعمل، عليه أن لا ينظر إليه على أنه عمل كبير، ولو عمل الكثير.. إذا قام بذلك، يبدو العمل عند الله -عز وجل- عظيماً.. فالإنسان ينسى إحسانه للغير، ولكن الإساءة بحق الغير لا ينساها.

٤٢- يجب عدم مدح النفس، التي هي في معرض الزلل دائما، والآية القرآنية صريحة في النهي عن ذلك: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.. فتزكية النفس من علامات وهن العقل، إلا في حالات: تبرئة النفس، أو دفع التهمة، أو تثبيت الموقع المهني والاجتماعي، أو مصلحة راجحة أخرى.

٤٣- إن الحل الجامع للتخلص من كل الذنوب بقسميها: الحقيقي، والاعتباري: الاعتقاد بأن الإنسان بين يدي ربه في كل حركاته وسكناته، مستحضرا جهاز التصوير فوق رأسه، والذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وصورها، وهو مظهر من مظاهر حقيقة: {فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}، ومصداق من مصاديق العتاب الإلهي البليغ: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}!.. وليس من الغريب أن يجعل القرآن من أولى صفات المتقين؛ الإيمان بالغيب.. ثم يختار من بين الغيب، خصوص الإيمان بالآخرة تأكيدا للأمر.. وأخيرا تأمل في هذا النص المروي عن الإمام الجواد (ع): (واعلم انك لن تخلو من عين الله؛ فانظر كيف تكون)؟..

٤٤- إن لقمان الحكيم جمع بين سلوكه المعنوي: المتمثل في الرقابة، والاستحضار الدائم للمعية الإلهية.. وبين حركته الإصلاحية في المجتمع، وذلك مما يفهم من هذا النص الوارد عن الإمام الصادق (ع): (ولم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان؛ إلاّ أصلح بينهما).. وهذا كله بخلاف من يجعل التقرب إلى الله -تعالى- ذريعة لاعتزال المجتمع، وترك خدمة الناس، وكأن الخلق موجودات مقابلة للخالق.. والحال أنها صادرة منه، لا في قباله.

٤٥- إن الله -تعالى- لما رأى القابلية في لقمان لتلقي الحكمة؛ فإنه وهبها -على عظمتها- في ليلة واحدة.. وفي هذا درس بليغ: إذ أن البعض يجاهد نفسه، وقد لا يرى أثرا لذلك، مما يدعوه إلى الإحباط واليأس؛ غافلا أن الله -تعالى- سوف يفجر له ينابيع الحكمة، لو شاء في مدة ليست بالحسبان!.. ولكن العجب أن الإنسان خلق من عجل!..

٤٦- إن من أرقى أماني العبد في هذه الحياة الدنيا، هو أن يصل إلى مرحلة النفس المطمئنة، التي لا يمكن أن يعكر صفوها شيء.. وذلك لإحساسه بأن المحامي الأكبر له هو من بيده الوجود بدء وختما.. إن الطريق للوصول إلى هذه المرحلة، يبدأ من حالة رضا العبد بما قدر له مولاه أولا، ورضا العبد بما رسم له في الحياة فعلا وتركا ثانيا.. فإذا رأى المولى عبده صادقا في هذا الطريق: ارتضاه لنفسه، وصنعه على عينه، وتكفله برعايته.. أو يبقى بعد هذا الاصطفاء الإلهي ما يقلق في هذه الحياة؟..

٤٧- إن من المناسب أن نراجع أنفسنا بين فترة وأخرى، لاكتشاف الأخطاء التي اعتادت عليها.. فإن نفس ممارسة المنكر بشكل رتيب، ومتكرر، وفي جو غير مستنكر؛ يقلب ذلك المنكر معروفا.. وهذه مرحلة خطيرة لو استقر فيها الإنسان، فإنه لا يرجى أن يقلع عن الحرام.. ومن هنا لابد من وقفة حاسمة وصريحة مع النفس، التي ليس من السهل عليها أن ترفع اليد عن المنكر المألوف بسهولة، وخاصة إذا استذوقه المذنب استذواقا.

٤٨- بما أن رؤوس المحرمات محصورة في رأس الإنسان، فإن العلاج سيكون سهلا، بعدما علمنا أن مناشئ الحرام محدودة من جانب، ومادية من جانب آخر.. وقد جعل الله -تعالى- على رأس كل جارحة من هذه الجوارح -غالبا- أدوات ضبط وسيطرة.. فالجفنان والشفتان أمرهما بيد الإنسان، وكذلك العورة التي جعلها الله -تعالى- مستورة، فيكشفها العبد بسوء اختياره في غير موضعه، ليزيد إلى القبح قبحا.

٤٩- إن السيطرة على الجوارح لا تتم إلا بالسيطرة على البواطن، والسيطرة على البواطن لا تكون إلا من خلال السيطرة على الجهاز المتحكم في الباطن، ألا وهي: الإرادة التي تكون في أرقى مستوياتها في شهر رمضان المبارك.

٥٠- إن الذي يضمن لنفسه الاستقامة في فترة فوران الشهوات -فترة المراهقة، ما دون سن الثامنة عشر- يضمن الاستقامة بعدها طوال حياته.

٥١- إن الاستناد إلى الأوهام، واللجوء إلى السحرة والمشعوذين، من الأساليب الخاطئة التي يتبعها البعض.. والحال أن الحل الصحيح -لمن يشتكي تغيراً في نفسه أو في الغير- هو أن يراجع سلوكياته، لعله هو السبب، واللجوء إلى مقلب القلوب والأبصار.

٥٢- لا يختلف اثنان في أننا في عصر قلّت فيه موجبات التكامل، من حيث كثرة المغريات والمفاسد المواكبة لحركة التطور.. ولو أن إنسانا ترك نفسه بدون أي عوامل؛ فإنه يرجع القهقرى.. ومن هنا: لزم حمل هم النفس وترقيتها.. ولزم التفكير الجاد فيما بعد الموت: حياة البرزخ، وعرصات القيامة، والوقوف بين يدي رب العالمين؛ قبل أن يفوت الفوت، ويغزوه الشيب.. ولزم إتقان الصلاة.. فلو أن أحدنا مارس عملاً ما، فإننا نجده بعد مدة بسيطة يتقن هذا العمل، فما بال صلواتنا هي هي لا تتغير عن سن البلوغ!.. ألا يستدعي هذا الأمر إلى قليل من التفكير لمعرفة الأسباب؟..

٥٣- من الضروري أن نبحث عن الخطايا الخفية في حياتنا، والتي تكون سببا للعقوبات الربانية العاجلة.. ألا وهو ظلم العباد، وخاصة من لا يجد له ناصرا إلا الله تعالى.. فان الله سريع الانتصار لعبده المؤمن، بعكس حقوقه عز وجل، فإنه قد يتغاضى عنها قدر الإمكان؛ ليفتح باب التوبة على مصراعيه، لمن أراد الضيافة الإلهية، والعفو الإلهي، والتزود من مأدبته الكريمة عز وجل.

٥٤- إن الخطوة الأولى لمن أراد الخروج عن مألوف الحياة -الذي طالما أوجب الملل والفتور- هي: أن يصقل مرآة نفسه، بإزالة كل ملكة خبيثة تمنع توجه النظرة الإلهية إليه، كـ: الحقد، والحسد، وحب الاستعلاء، والشغف بعاجل المتاع وغير ذلك.. والله -تعالى- عندما يمدح خليله، يصفه بأنه جاء ربه بقلب سليم، مما يدل على أن رتبة إصلاح الجوانح، هي الخطوة الأولى للاقتراب من مصدر الفيض في هذا الوجود.

٥٥- إن الخطوة الثانية لمن يروم الاتصال بمصدر كل طاقة في هذا الوجود هي: إزالة الحجب والعوالق الطارئة على القلب السليم .. فإن القرآن يعبر عن المؤمنين بأنهم يمسهم طائف من الشيطان، إلا أنهم سرعان ما يعودون إلى رشدهم، فإذا هم مبصرون .. فليس من الغريب أن يعثر الإنسان، وإنما العجيب أن لا يقوم من عثرته، حتى ولو تكرر منه ذلك!.. ومن هنا وصف القرآن الكريم التوابين، بأنهم محبوبون عند الله تعالى.

٥٦- إن هنالك ما يسمى بحالة من حالات التحليق الناقص.. فبعض الناس من بركات بعض المجاهدات والأذكار والأوراد والخلوات، حتى بعض المجاهدات الأنفسية والخارجية، قد يصل إلى حالة من حالات الشفافية الروحية.. ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يعيش شيئاً من لذائذ عالم المعنى؛ فإنه يكاد يحتقر أو يستقذر لذائذ عالم الطبيعة.. وبالتالي، ينفصم عن الواقع وعن المجتمع.

٥٧- إن المراقبة والمحاسبة هي السمة الغالبة أو المستوعبة، لا للأنبياء فحسب، وإنما حتى الصلحاء!.. وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم؛ فإن عمل خيرا، استزاد الله منه، وحمد الله عليه.. وإن عمل شرا، استغفر الله منه، وتاب إليه).. والمراقبة الشاملة الناجحة: هي تلك المراقبة التي تنال حتى الخلجانات الباطنية، والنوايا التي يستبطنها العبد في تعامله مع الناس، كما قال إبراهيم (ع): {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}.

٥٨- إن العلماء يحذرون من قوة: الوهم، والغضب، والشهوة.. ويدعون إلى جعل هذه القوى الثلاث تحت إمرة العقل.. إذ أن الإنسان من دون مراقبة دقيقة للأوهام، سوف يعيش كماً هائلاً من الأمور غير المطابقة للواقع؛ مما يوجب التنافر والإرباك بين الزوجين.

٥٩- إن النفس الأمارة: هي من أسوأ حالات النفس، والتعبير هنا بالأمارة: أي كثيرة الأمر بالسوء.. إن النفس إذا لم تهذب من ناحية الميل إلى المتع واللذائذ الدنيوية، والانشغال في عالم الشهوات، لا تعرف عرفاً ولا قانوناً ولا ديناً.. وإنما المهم هو الوصول إلى المبتغى، ولو على حساب كل شيء، فهي أشبه شيء بالإنسان الأعمى، الذي لا يرى إلا حاجته.. وبالتالي، تكون أمارة بالسوء.. ولا شك إذا ما استمرت هذه الحالة، فإن الإنسان يتحول إلى مرحلة الختم على القلب -والعياذ بالله- فيرى المعروف منكراً والمنكر معروفا.

٦٠- إن النفس اللوامة: هي نفس لها معرفة نظرية جيدة، ولكن تنقصها الإرادة.. ولهذا فهي تتميز عن النفس الأمارة، بوجود هذا البصيص من النور، الذي هو من موجبات اللوم.. ومن هنا شبه المؤمن -في الروايات- كالسنبلة تخر تارة، وتستقيم أخرى.

٦١- هنيئاً لمن استطاع أن يوصل بياض الفطرة ببياض التكليف، بمعنى: قبل البلوغ لم يكن في الواقع مؤاخذاً بشيء وبعد البلوغ أيضاً.. وبالتالي، فإنه يعيش حياة جميلة من حيث النصاعة في حركته التكاملية مع ربه!..

٦٢- إن الجارحة إذا اتصفت بصفة إلهية، هذه الجارحة كأنها أصبحت من شؤون الله -عز وجل- ولو في مرحلة من المراحل.. مثلاً: هذا القلم كان في يوم من الأيام يكتب، والآن جف حبره، من الممكن أن تقول: إن هذا القلم قلم كاتب، باعتبار الأيام التي كان القلم يكتب فيها.

٦٣- إن كل شخص يراجع نفسه، عليه أن لا يقطع بالغضب الإلهي؛ لأن القطع بالغضب الإلهي والسخط يحتاج إلى دليل.. ولكن على الأقل نحتمل أن الله -عز وجل- ليس براضٍ عنا، فمن منا يقطع بالرضا؟.. وأيضا لا نقطع بالسخط، ولكن احتمال أن يكون رب العالمين قد سخط علينا؛ هذا احتمال خطير ولو كان ضعيفاً.. مثلاً: لو ذهب إنسان إلى طبيب، وكشف عليه وقال له: أن هناك احتمال ٥ % أنك مبتلى بمرض خبيث، عندها سينهار فورا.. صحيح أن الاحتمال ضعيف، ولكن المحتمل هو الموت بالمرض الخبيث.

٦٤- إن الإنسان قد يرى في نفسه تقاعساً، وكسلاً، أو ارتياحاً بلا وجه وبلا دليل.. ومن يجد هذه الراحة في وضعه، وفي نفسه؛ فليتذكر هذه الحقيقة الموحشة، وهي: أن الله -عز وجل- من الممكن أن يكون غير راض عنه.. والاحتمال الضعيف إذا كان مقترناً مع المحتمل القوي، فإن هذا الاحتمال يخيف.. فالاحتمال ضعيف، ولكن المحتمل قوي.. مثلا: إنسان يحتمل أن هناك سما قاتلا في هذا الشراب، بنسبة واحد بالمائة.. العقلاء عادة يرتبون الأثر على هذا الاحتمال، فكيف إذا كانت القضية فوق مستوى الاحتمال، وكانت على مستوى الشك؛ أي أن الإنسان يحتمل خمسين بالمائة أن الله -عز وجل- راض عنه، وخمسين بالمائة أنه ساخط عليه؟!..

٦٥- إن القضاء على الملكات الباطنية، من أصعب الأمور.. فبإمكانك أن تصوم في عز الصيف، وأن تقوم الشتاء كل الليل؛ لأن تلك حركة خارجية.. ولكن المصيبة كلها في عالم الأنفس؛ لأنه شيء لا يُرى.. فالطبيب -مثلا- يرى الغدة السرطانية في البدن، فيفتح البطن ليستخرج هذه الغدة.. ولكن القلب مخفي، والمرض فيه مخفي؛ فكيف يستخرج الإنسان مخفياً من مخفي!.. فكما نطلب من الله -عز وجل- المغفرة للذنوب، نطلب منه أن يعيننا على القضاء على هذه المواطن السيئة بمنه وكرمه.

٦٦- إذا وجد خلاف بين مؤمن ومؤمنة، فإن الخلاف يتحول إلى اختلاف، وبالتالي إلى خصام، وكما ورد في الحديث: (من بالغ في الخصومة ظلم، ومن قصّر ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من يخاصم).. إن الشهوة والغضب سحابتان داكنتان، وإذا سيطرتا على أرض، فإنها تحجب الإنسان عن النظر إلى الشمس.. هذه حقيقة لا تنكر!.. ولهذا نلاحظ بأن المؤمن الصالح عندما يترقى في الإيمان درجة، والشيطان ييأس من الدخول إلى مملكته، فإنه يحاول أن يجد ثغرة من خلال ولده، أو من خلال أبويه…؛ يرى أضعف النقاط في حياته الاجتماعية، والزاوية التي يمكن أن يأتي من خلالها؛ ويحاول أن يقضي على الإنسان من خلال تلك النقطة.. فعلينا أن نراقب هذه الثغرات الضعيفة، أو الزوايا الحساسة الهشة، التي يمكن أن يُؤتى من خلالها الإنسان.

٦٧- إن الحالات الروحية العالية، لا تعطى للعبد لتبقى، هي من الأصل تعطى لتؤخذ.. أشبه ما يكون بجوهرة الألماس، التي يقدمها التاجر كعينة، ليراها المشتري فقط، لا ليأخذها.. ورب العالمين له هذه الحالة مع البشر، يقول: يا عبدي، أنت تعال إلينا، ونحن نعطيك بعض الامتيازات، وبعض اللذائذ المعنوية.. والعينة في ليلة القدر، وفي يوم عرفة، وعند الحطيم.. رب العالمين يريد أن يقول: يا بني آدم، كفاك شهوات دنيا: فشهوة البطن محدودة، وأكلاتكم محدودة، وليس دائماً متوفرة، والشهوات الجنسية أيضاً محدودة، وليست دائماً متيسرة.. فإذن، لماذا لا تبحث عن أنس يكون معك دائماً متى ما تريد؟..

٦٨- إن الإنسان بعد أن أمضى العشرة الأولى من شهر محرم في البكاء على مصائب الحسين (ع)، فقد اقترب من دائرة التكامل.. وعليه، فليشدد على نفسه في أربعينية: مراقبةً، ومحاسبةً، وتركاً للمعصية؛ وليكن ذلك من يوم عاشوراء إلى يوم الأربعين.

٦٩- إن أربعينية الأدعية والختومات أمر حسن وجميل، ولكن من أفضل الأربعينيات هي أربعينية ترك المعاصي والذنوب؛ ومن المستحسن استغلالها؛ لإتمام المكاسب، ولقطف ثمار هذه البذور التي زرعها هذه الأيام والليالي في أواخر صفر.

٧٠- إنه من غير المستحسن أن يجلس الإنسان كثيراً في المأتم بدون هدف، فإن كان يعيش حالة روحية جيدة، فليواصل هذه الحالة وهو في الطريق إلى المنزل، ولا يجعل هذه الدموع تجف بسرعة، وليستثمر هذه الدموع في أن يعقد صفقة مع رب العالمين.

٧١- من المعلوم أن الإنسان -بفضل الله تعالى- يصل إلى مرحلة من الكمال، حتى لو أنه تعرض للمنكر، وللإغراءات؛ فإنه ينصرف عن الحرام من دون تكلف.. فهو عندما يرى فتاة فاتنة في الشارع أو في الجامعة، وكأن الله –عز وجل- جعل في رقبته جهازاً، ولا يمكنه أن يحتمل هذه الجهة.. وعندما يرى امرأة متهتكة، مخالفة لأوامر الله عز وجل، فإنه يرى فيها العداوة لله تعالى، بما يجعله لا يعيش حالة شهوية أبداً!..

٧٢- إن الشارع المقدس يقدم الوقاية قبل العلاج، كما هو دأب العقلاء في حياتهم اليومية.. فقبل أن تقع في الحرام، فإن الشارع يهيئ لك مجموعة من المقدمات المحذِّرة والمنذِّرة، كيلا يقع أحدنا في الحرام.. وبعبارة جامعة: إن المقياس في المقام ما روي من أنه: من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.. فالذي يحوم حول حمى السلطان، فإنه من الطبيعي أن يتسلل سهواً أو عمداً في حدود تلك المملكة.. وكتطبيق على هذه القاعدة نقول: إن الشارع المقدس حرم علينا الخمر، وجعله أم الخبائث.. ولكن نلاحظ أنه بالنسبة لتحريم شرب الخمر، حرم علينا الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر أيضاً، وإن لم يكن أحدنا شارباً له، هذا في موضوع الخمر.. وأما في موضوع النساء، فنحن نعلم أن الخطيئة الكبرى عبارة عن الزنا، ولكن قبل الزنا هناك مجموعة من المحرمات منها: حرمة النظر، وحرمة المصافحة، وحرمة النظر الشهوي، والحديث الشهوي.. لأن هذه المقدمات سوف تؤثر في تغيير التركيب الباطني للإنسان.. فمن المعروف أن الإنسان له سلسة من الأمور الخفية عن الحواس: منها السلسلة العصبية وتفاعلاتها، وهناك بعض المواد التي تفرز من غدد صغيرة جدا، وتقوم بمهام كبرى في البدن، ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يتعرض لمواطن الإثارة السمعية والبصرية والقولية، أن تتغير تركيبته الفسيولوجية والسيكولوجية معاً.

٧٣- لابد من إيجاد الإرادة في حقل الخواطر.. فنحن نعلم بأن كثيراً من المحرمات والمخالفات، تبدأ من عالم الوهم والخيال.. فالمجرمون يقومون بإجرامهم نهاراً، بعدما يخططون ليلاً.. وعليه، فإن المؤمن لا بد وأن يجعل جهازاً مراقباً في فكره بالدرجة الأولى.. وبعبارة أخرى: عليه أن يسيطر على خواطره، وهذه من أصعب المراحل في الإنسان، فمن قدر على وقف خواطره، فهو من أقوى الأبطال، وعندئذ تكون السيطرة على الجوارح من أسهل الأمور!.. ومن الواضح أن السيطرة على الخواطر تحتاج إلى مجاهدة مريرة.. ومنها مراقبة فضول النظر والسمع، فالإنسان الذي يسمع كثيراً، ويتكلم كثيراً، وينظر كثيراً، فإن جهازه الباطني جهاز مشوش.. وبالتالي، فإن كل هذه الترسبات ستطفو على السطح يوماً ما، ومن هنا جاء التعبير: (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم).. ولا بد من الالتفات إلى قيد (العلم النافع لهم)!.. فقد يكون هذا العلم نافعاً، ولكن لا لك بل لغيرك.

٧٤- إن المؤمن لا بد أن يكون مسيطراً على حقل الخواطر أولا أو أخيرا، لأن هذا هو الحقل الأصعب، ثم حقل الميول، ثم حقل الجوارح.. فإذا اجتاز هذه المراحل الثلاث، يُلحق بخليل الله إبراهيم (ع) {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.. وما المانع أن نكون نحن أئمة من أئمة الهدى، بمصداق هذه الآية: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}؟!..

٧٥- قبل الذهاب المجالس، سواء كانت مجالس ثنائية أو مجالس اجتماعية، يجب أن ندرس طبيعة ذلك المجلس، فإذا كان المجلس في مظان الحرام، أي الإنسان يحتمل أن يقع في الحرام، فعليه أن يعد العدة، بمعنى أنه قبل أن يذهب إلى ذلك المجلس، يبني على أن يتصدى لكل منكر قد يورطه يوم القيامة: غيبة، تهمة، نميمة، تعريضاً لإنسان مؤمن، هتكاً لحرمة أحد.. عليه أن يكون حازماً وجازماً في مواجهة المنكر، حتى أنه في بعض الفتاوى أن الإنسان إذا لم يحتمل التأثير -من ناحية يسقط عنه واجب النهي عن المنكر- ولكن يرى البعض ولو احتياطا وجوبياً أن يبدي الاستياء في ذلك المجلس.

٧٦- إن من فقه المجالس، الأعم من الفقه الظاهري والباطني، هو المكوث فيها بمقدار اللزوم.. فإن الإنسان ساعات عمره من أغلى عناصر هذا الوجود، وعليه إذا كان الغرض الاجتماعي الديني الشرعي يتحقق بمدة زمنية معينة، فإن الزيادة عن ذلك في الواقع لهو وهدر للعمر.. كما أنه في عالم الإنفاق يقال: بأن الزيادة في الإنفاق في موضع الإنفاق يسمى إسرافاً، كذلك إعطاء مساحة من العمر للغير زيادة عن اللزوم أيضاً يسمى إسرافاً في العمر.

٧٧- إن المؤمن يحول المجالس إلى محطات التعليم والتذكير، ولإشاعة الثقافة الإسلامية الواعية.. وإذا كان الزائر في مستوى دون المزور، فعليه أن يستفهم ليتعلم من المزور شيئاً.. وإذا كان الزائر في مستوى أعلى من المزور، فعليه أن يعلم شيئاً.. لأن منع الحكمة من أهلها ظلم لأهل الحكمة، كما إن إعطاء الحكمة لغير أهلها ظلم للحكمة.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن يجب أن يقوم بدور مميز: إما العالم المعلم وإما المتعلم، لتكون هذه الجلسة في طريق زاد الآخرة.

٧٨- من أراد أن يبارك الله له في حياته، فليحرص حرصاً معتدلا في مسألة المأكل.. لا ندعو لاتباع أسلوب الوسوسة، ولا المسامحة والتساهل، بحيث يأكل من كل مكان، ومن يد كل إنسان، وفي كل بلد، وعلى الخصوص في بعض البلاد الغربية.. إذ يكاد يقطع الإنسان في بعض الحالات، أن المسلم الذي يبيع هذا الطعام، إنما يدعي الحلية تمشية لبضاعته، وذلك من خلال بعض القرائن.

٧٩- إن الإنسان عندما يحمل فعل أخيه على محمل حسن، ثم يتبين أنه فاسق فاجر، هو لم يخسر شيئاً، يقول: يا رب، أنا حملته على محمل حسن، ثم تبين أن هذه التهمة صحيحة.. وأما العكس: إذا لم يحمله على محمل حسن، وتكلم عليه وأسقطه من الأعين، ثم تبينت براءته؛ فهنا الكارثة!.. يوم القيامة لا يقال: لِمَ لم تتكلم على فلان؟.. بل يقال: لمَ تكلمت على فلان، وأنت لست على يقين؟!..

٨٠- البعض يريد أن يكون في الدنيا كالكفار: يأكل، ويتمتع كما يريد؛ ويوم القيامة يريد أن يكون في درجة النبي وآله (ص).. هذا لا يمكن!.. لأن الذي يريد أن يصل للمقامات العليا؛ لابد أن يترك الشهوات.. ولكن هل يترك الشهوات المحللة أو المحرمة؟.. يبدو أن القدر المتيقن، هو ترك الشهوات المحرمة، والشهوات المحللة تكون تحت السيطرة: كُلْ ما تشتهي، ولكن كما في الروايات: (لا تجلِس على الطعام إلاَّ وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلاَّ وأنت تشتهيه).. أيضاً ينبغي أن يكون الاستمتاع بالنساء تحت السيطرة.. فهناك مستحبات، وهناك مكروهات، ولكن المهم هو أن يكون الإنسان متمكناً من نفسه، حتى في الشهوات المحللة.

٨١- إن البعض قد يوفق لعمارة مسجد، ولكن لا يوفق لعمارة قلبه.. والبعض لا يوفق لعمارة شيء، لأنه فقير مسكين؛ ولكن قلبه -كما في روايات أهل البيت- يزهر كالمصباح: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيبا مصقعاً، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم!.. وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح).

٨٢- إن من يريد الحفاظ على برد العفو الإلهي، عليه أن يبقي على مسبباته، كما هو الحال لمن يريد أن يعيش حالة الارتياح في الغرفة المكيفة، تراه يكون حريصاً على أن يكون جهاز التكييف شغالاً، وبمجرد أن يطفأ الجهاز، يعيش حالة الضيق والتبرم.. والأمر كذلك بالنسبة للتجليات الإلهية على قلب الإنسان، فهو يحتاج أن يبقي لنفسه بعض من تلك الأمور، التي كان يلازمها في شهر رمضان -ولو على أقل التقادير- يلزم نفسه بقراءة خمسين آية يومياً، ويواظب عل صلاة الليل، ولو بأدنى صورها: بركعتي الشفع، والوتر.

٨٣- إن المهارة هي أن يعيش الإنسان المعاني الإلهية السامية، في حركة الحياة وزحمتها، بما فيها من مغريات؛ مواجهاً لأعاصيرها الجارفة؛ بقوة الإيمان وصلابة الإرادة، ومسيطراً على نفسه، وكابحاً لزمام شهواتها.. وأما أن يجعل الإنسان نفسه في قوقعة، وينعزل عن الناس؛ بقصد حجب النفس عن كل المثيرات، والترقي بها نحو الكمال.. فهذا أمر غير راجح شرعاً، وإن حقق بعض المكاسب المعنوية.

٨٤- لا شك في أن كل حركة في الحياة لها ظاهر وباطن، فكم من الجميل أن يتطابق ظاهر الإنسان وباطنه: أي أن ظاهره إنسان ملتزم مصلي في المسجد جماعة، بينما حقيقته مزرية، يعمل ما يعمل في السر.. فقطعاً هذا الإنسان سيكون محروماً من الخشوع في الصلاة.. بل الأجمل أن يكون باطنه خيراً من ظاهره!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى