طلب العلم

الاستاذ والتدريس في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن العنوان المعطى للمعلم في بعض الحالات، ثوب فضفاض أكثر من جسم الشخص.. فالعنوان جداً كبير، والعنوان من أقدس العناوين في عالم الوجود؛ لأن الأنبياء هم المعلمون.. والمعلم هو ذلك الذي يعطي العلم؛ لذا لابد من التفريق بين قسمي العلم: هناك من يعلم ذلك العلم المتعلق بالمبدأ والمعاد، وهناك من يعلم ما يتعلق بهذه النشأة الدنيا؛ أي فهماً لظواهر الطبيعة باسم الفيزياء، والكيمياء، وفهماً لارتباط الأعداد والمعادلات والمسمى بالرياضيات وغير ذلك.. وبالتالي، فإن المعلم بعنوان مطلق، عنوان كبير جداً.. حيث أن هناك فرقاً بين مدرس الكيمياء وبين المعلم!..

٢- إن الأستاذ له موقع متميز في نفس الطالب، لذا علينا ألا نستهين بموقعه.. قالوا: “إن الآباء أربعة: أب ولدك، وأب زوجك، وأب علمك، وأب رباك”.. والمعلم هو تقريباً الأب الذي يعلم الإنسان، وعادة تصبح هناك علقة عاطفية، وخاصة في مجال الأخوات المؤمنات.. حيث أن هنالك فراغاً عاطفياً، فالبيوت ليست نموذجية، وعلاقة الآباء بالأمهات علاقة سيئة.. والولد الذي ينمو في وسط عائلي متوتر، من الطبيعي أنه لا يجد أحضاناً دافئة في المنزل.. وبالتالي، فإن أقرب الناس إليه المعلم والمعلمة، وخاصة البنات باعتبار طبيعة البنت العاطفية؛ فلماذا لا نستغل هذا الجانب؟.. عندما نزور الإمام الحسين (ع) نقول: (وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الجهالة، وحيرة الضلالة).. نعم الشهادة كانت في الأخير، وإلا قبل الشهادة، فإن وظيفة الإمام (ع) كانت استنقاذ العباد من حيرة الضلالة.. وهذه وظيفة المعلمين.

٣- إن هناك حالة توتر عصبي معروف في مجال التدريس.. فالتصدي للتعامل مع صغار السن ومع المراهقين، يعتبر من الأعمال الشاقة، ولهذا البعض منهم إذا وجد له مجالاً للفرار من التدريس، يهرب بسرعة من هذا الحقل.. فطبيعة العمل مرهق، ويوجب التوتر!.. حيث أن هناك فرقاً بين إنسان -مثلاً- يعمل في شركة، وشغله مع مجموعة مهندسين ومدراء وناس مثقفين، وبين إنسان شغله مع مجموعة أطفال صغار فيهم ما فيهم من أجواء الشيطنة والمراهقة.. فمن يرى في حياته مثل هذا التوتر، لابد من استنقاذ الوضع، حتى ولو كانت الدوافع معيشية، ولكن لا على حساب الذات.. فهل يدمر الإنسان ذاته، ويدمر إيمانه، ويدمر آخرته، ويرد على الله -عز وجل- فقيراً، لأنه كان يريد أن يكتسب مالاً من وراء هذا الطريق؟!..

٤- إن مهنة التدريس من أشرف المهن من حيث الحلية!.. إذا أراد الإنسان أن ينظر إلى مال حلال، فلينظر إلى مال المعلم!.. لأنه قلما يتفق أن يتغيب إلا في ظروف قاهرة جداً.. ما دام الراتب بهذه الحلية، وبهذا الوضوح من الحلية، ما المانع أن يعيش شيئا من أجواء القرب؟.. عندما يخرج الإنسان من المنزل فليلقن نفسه هذا المعنى: أنه أنا يا رب خروجي هو لهدف: تربوي، أو مادي، ألا يقول رسول الله (ص): (من لا معاش له، لا معاد له)، كي يستغني الإنسان عن ذل السؤال، أو أي عنوان شرعي آخر، ليحاول أن يستحضر هذا المعنى.. وعليه، فإن حتى الضغط النفسي الذي يتعرض له، يصبح في سبيل الله عز وجل.. فتحمل الشدائد ليس دائماً في ميدان القتال مع الأعداء، وهذا أيضاً من الشدائد.. إذا كان الهدف عبارة عن تمشية أمور المعيشة بشكل جيد، هذا أيضاً من موجبات التقرب إلى الله عز وجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى