طلب العلم

آفة العلم في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن العجب من الآفات التي تؤخر الإنسان إلى الوراء، ولا يمكن أن يعد الطالب -طالب العلم- طالبا، والطالبة طالبة، مع وجود هذا الإحساس الباطني المقيت!..

٢- إن من أصعب أنواع الموت، هو موت العالم الذي لا يعمل بعلمه.. إذ أن العلم الذي لا يتحول إلى اعتقاد، وإلى حركة جوارحية؛ لا يكون إلا وبالاً على صاحبه.. فما هو إلا ذبذبات مختزنة في وجوده، ومثله مثل جهاز حاسوب، أو قرص مدمج، إذ أنه من المعلوم أن كمّاً من المعلومات الهائلة، يمكن تضمينها في قرص صغير!.. والقرآن الكريم عبر تعبيرا قاسياً صريحاً، عندما شبه العالم بلا عمل، {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.. فبلا شك أن من أشد الناس حسرة يوم القيامة، هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والبعض مات، وهو يعض أصابعه من الندم تحسراً؛ لما يراه من النعيم الذي فوته على نفسه في سالف أيامه.

٣- إن الإنسان قد يصل إلى مرحلة من المراحل، فيشتغل بعلمه عن المعبود، ويشتغل بالعلم عن مصدر النور!.. وذلك بمثابة إنسان يذهب إلى قصر السلطان، ليكون نديماً لذلك السلطان ومرافقاً له، وأنيساً له وبه.. ولكن بدلاً من أن يذهب إلى قاعة اللقاء، وقاعة الأنس والقرب؛ يذهب إلى مكتبة قريبة من ذلك القصر الملكي، ليبحث عن: تاريخ السلطان، وكلماته، وأقواله، ونسله، وكيفية تركيبة قصره.. فيقضي عمره في تلك المكتبة، ولم يذهب يوماً واحداً للقاء ذلك السلطان.

٤- إن هنالك فرقاً بين الباحث، وبين عامة الرعية الذين يلعبون في الشوارع مثلاً.. فالتعرف على الملك في مكتبته؛ مقدمة للذهاب إليه، نذهب للمكتبة لنعلم من هم ندماء السلطان، وكيف نصل إليه، وما هو الباب الموصل؟!.. فإذا كان الذهاب إلى المكتبة بهذا العنوان، فنعم الذهاب، إنه ذهاب مبارك!.. وإلا فإن المكتبة تتحول إلى حجاب نوري، هو نور ولكنه حاجب!..

٥- إن البعض منا قد يرى رواية غريبة لا يستسيغها، أو لا تنسجم مع عقله هو.. ولكن احتراماً لأهل البيت ورواياتهم، لا تسارع إلى الإنكار، ولكن رده إلى أهله.. والذي ينفي أحاديث أهل البيت لمجرد الاستغراب، هذا إنسان لديه نقص في البعد العلمي، فأن يسارع الإنسان إلى النفي بمجرد الاستغراب، هذا لا يقبله البحث الأكاديمي.. ولو كان الأمر منوطاً باستغرابنا لحكمنا -والعياذ بالله- على آيات من القرآن بأنها آيات غير معقولة، مثل آية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي يد هذه؟.. و{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، كيف يأتي الرب مع الملائكة؟.. فرب العالمين (لا يكيف بكيف، ولا يؤين بأين)، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}، {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}.. فإذن، هذه الآيات كما أن فيها محكمات ومتشابهات، كذلك في تراث أهل البيت (ع)، هنالك محكمات وهنالك متشابهات، على الإنسان إما أن يكون أكاديمياً، أو متأدباً في مناقشة هذا التراث العظيم.

٦- لا ينبغي التأثر بالعناوين، ويفضل عدم استعمال لقب طالبة الحوزة، بلا هدف.. فالبعض قد يستعمل هذا التعبير -لا قدر الله- للمباهاة، وللفخر، وإظهار الإنية والذاتية، وما شابه ذلك.. إذا كان الإنسان في مقام التعريف، ليؤثر كلامه في الغير.. لا بأس أن يعرف نفسه، طبعا رجل الدين مميز في زييه، ولا يحتاج إلى تعريف، أما المرأة فإنها تحتاج إلى شيء من التعريف، ليكون كلامها مؤثراً.. أما أن تستخدم هذا اللقب، وهذه الوظيفة، من أجل جلب الأنظار إليها؛ فهذه صورة من صور الشرك الخفي، الذي ينبغي أن نعالجه في نفوسنا، فإنه (أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود، في الليلة المظلمة).

٧- إن عدم استثمار العلم، هو آفة الحوزات النسائية بالخصوص، فهذا العلم يبقى محصوراً لدى البعض في الصدور.. البعض منهن لا تخمس ولا تزكي علمها، إذ أن لكل شيء زكاة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.. يقول العلماء: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}، سواء كان مالاً أو كان علماً!.. فهذا العلم جاء من وراء مال، ووقت المعاهد العلمية، والحوزات مبنية على أموال صاحب الأمر (ع)، أضف إلى الأوقات والأعمار المصروفة.. فالعلماء الأفاضل هؤلاء، يصرفون أعمارهم وأوقاتهم في تربية الحركات النسائية المباركة.

٨- إن المسؤولين عن الحوزات العلمية، شكواهم: أن المرأة وهي فارغة، وقد تكون لم تتوفق للدخول في بعض المعاهد العلمية، تأتي للحوزة، وتتفوق.. وقد تكون لا ترغب في دروس الجامعة، وترغب في الدروس الدينية الإسلامية.. ولكنها -مع الأسف- بعد أن تتقدم في العلم شوطاً، وتصبح امرأة في معرض التكامل، وإذا بها تتزوج وتكون أسرة ومنزلاً و…الخ.. وإذا بها تغير جهة حياتها من عالم إلى عالم: من عالم حب العلم، والتكامل، والتقرب، والتزكية.. إلى العالم المنزلي المتعارف عند كل النساء.

٩- إن النمو اللامتوازن آفة كبيرة!.. أخت تستهويها الأبحاث العلمية، فتتحول إلى مكتبة متنقلة، تتحول إلى قرص مدمج، لا إلى قرص مرن، بل إلى قرص صلب مدمج فقط يحمل العلم.. وفي ساعة من ساعات موجبات الحدة والغضب، وإذا بها تغضب كأي إنسان عادي.. وفي مجال الأكل والشرب وباقي الشهوات البهيمية، لا نكاد نجد فرقاً بينها وبين غيرها.. فالإنسان وجود متكامل: له عقل، وله قلب، وله جوارح.. ولابد أن نعطي كل هذه حقوقها: إيمان في الفكر، وحب مشاعر في القلب، وعمل للجوارح.. والبعض -للأسف- يتوجه لحقل العبادة والأوراد والأذكار والختومات وما شابه ذلك، ويهمل الجانب العلمي.

١٠- إن الإقبال في الحوزات، يكون في السنوات الأوائل.. فالطالب عندما يأتي إلى الحوزة أول سنة، يكون في أفضل حالاته: حالة روحانية راقية، وحالة مراقبة، حتى أنه في أول أيام التعمم، يرى بأن العمامة تاج ثقيل على رأسه، وكأن هموم ومسؤوليات الدنيا وقعت على رأسه.. ولكن بعد فترة، فإن الأمر يهون عليه.. وهناك في الروايات إشارة إلى أن العبادة لها إقبال، ثم تنتهي إلى فترة العلم.. كذلك طالبة العلم بعد فترة من طلب العلم في الحوزات، وتكرر الدروس والمواقف و… الخ، لا ترى تلك البهجة!.. وبالتالي، فإنها تتحول إلى طالبة علم بمعنى طالبة العلم الجامعي: تأتي للحوزة صباحاً، فتأخذ المواد الدراسية، وترجع إلى المنزل، من دون أن تتحول إلى عنصر الأسوة والقدوة الحسنة.

١١- إن العلم مخزون في اللاشعور، فمثلاً: إذا قرأ الإنسان مسألة شرعية من الرسالة العملية في أحكام الحج فينساها، وبعد سنوات يذهب إلى الحج، وإذا بهذه المسألة المدفونة في الباطن، تطفو على السطح، فيتذكر المسألة التي قد نسيها، فهذه هي طبيعة العلم.. فإذن، إن على الإنسان ألا يعيش حالة اليأس، لمجرد أنه ينسى ما يقرأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى