ذكر الله وتربية الروح

انواع الذكر في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- لماذا عامة الناس يذكرون الله في المسجد، وإذا خرجوا نسوا الله عز وجل؟.. ولماذا عامة الحجاج يذكرون الله في أيام معدودات أو أيام معلومات، فإذا رجعوا إلى أوطانهم نسوا الله عز وجل؟.. إن سبب ذلك لعدم وجود الرصيد الثاني، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً}..

٢- إن من أفضل أنواع التعقيب، الجلوس على مائدة التفكر والتذكر!.. فالمؤمن بإمكانه في هذه الجلسة المباركة أن يغير شيئاً من مجرى حياته إن أراد..

٣- إن الذكر هو أن يعتقد الإنسان، ويرى تصوراً ذلك الجمال الأبدي السرمدي، ثم تنقدح في القلب مشاعر الحب العميق الأصيل.. إذا تمت المعادلتان في عالم الذهن والقلب، فالحركات الجوارحية قهرية لا مناص منها..

٤- إن المناجاة في محراب العبادة، تارة مع بكاء ونحيب، وتارة عبارة عن حديث مع الله -عزّ وجلّ-.. إن هذا النوع من المناجاة، أرقى من المناجاة المحرابية..

٥- إن ذكر الله عز وجل، يختلف عن ذكر جزائه وثوابه.. ولهذا نلاحظ أن بعض الناس الذين يعشقون نعيم الجنة: حورها، وقصورها، وغلمانها، وأشجارها، وطيورها؛ ليست فيهم نزعة كمالية..

٦- إن الله -عز وجل- له أشعة كونية، وله ما يسمى بأشعة الليزر، وله ما يسمى بهذه الأشعة التي تصور بها بواطن العباد من خلال الأشعة المعروفة.. ولله -عز وجل- أشعة روحانية، يسلطها على بقاع من الأرض بشكل دائم ورتيب، كبيته الحرام.. وهنالك ما يشبه الأقمار الصناعية، تسلط أشعتها وحزمتها النورية على بقاع في الأرض في بعض الأوقات..

٧- إن الذكر حركة في اللسان، وتصفية الباطن أمر في القلب.. وعليه، فإنه لابد من وجود مناسبة بين الأداة وبين الطرف الآخر..

٨- إن اللفظ عملية متعلقة بعالم الأبدان: الزفير يخرج، وأوتار الصوت تتحرك، والحنجرة والفم والفكان، كل ذلك يتحرك ليقول الإنسان: الله أكبر!.. فما قوام هذا التكبير، أو الاستغفار؟.. إنه هواء يخرج من الرئتين، والهواء الخارج هواء سام، هو عبارة عن ثاني أكسيد الكربون.. فالأذكار اللفظية كلها من هواء فاسد، ولا يعني شيء في الواقع..

٩- إن الله -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه الكريم:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}.. طبعا هناك فرق بين ذكر العبد لربه، فهذا الإنسان المسكين يذكره لقلقة لسان.. وذكر الله -عز وجل- لعبده، يقلب كيانه!..

١٠- إن الذكر قسمان: ذكر لفظي، وذكر قلبي.. لا بأس للمؤمن أن يتخذ وردا بين وقت وآخر؛ فكل أربعين يوما يختار وردا معينا، ويلتزم به خلال ذهابه وإيابه.. ومن أفضل الأذكار سورة التوحيد، خصوصا في شهر رمضان حيث أن تكرارها ثلاثا بمثابة ختمة، وفي شهر رمضان كل آية بحكم ختمة.. انظر إلى العدد التصاعدي من الأجر لمن كان له قلب!..

١١- إن الإنسان بإمكانه أن يشغل نفسه بالذكر الخفي، عن النبي (ص) قال: (خير الذكر الخفيّ).. و(لا إله إلا الله) ذكر شريف، وامتيازه: أن الإنسان يستطيع أن يلهج به دون أن يحرك شفيته.. وبالتالي، فإنه من الممكن أن يعوّض هذه الغفلة في مجالس الغافلين، بأن يشغل نفسه بهذا الذكر، دون أن يشعر به أحد؛ لئلا يتهم بالرياء.

١٢- قبل أن تمارس الحلال، قل: يا رب، هذا لأتقوى بهِ على طاعتك!.. كل أشهى الطعام؛ ولكن قم بآداب تناول الطعام، من غسل اليدين، والتسمية قبل تناوله، والحمد، و.. الخ.. وعند النوم قل: أنام الليل؛ لأقوم صباحاً لعبادتك.. وعند الذهاب إلى الوظيفة قل: أذهب للدوام؛ لأكتسب المال الحلال، لأغني بها عائلتي.. أين الصعوبة في أن يقول الإنسان: يا ربِ، أقوم بهذا العمل، بهذا الداعي القربي؟!.. وهذا المقدار من أقل مصاديق “من أخلصَ للهِ أربعينَ صباحاً”، وانتظر بعد ذلك ينابيع الحكمة التي لا تنقطع أبداً.

١٣- إن البعض يشد الرحال إلى مدينة المصطفى (ص)، أو يذهب بعدَ اللتيا والتي وبظروفٍ شاقة إلى حرم سيد الشهداء، وفي ذهنهِ عشرات الحوائج.. فيرجع البعض وهو يعتب على الله ورسوله والمعصوم؛ لأن حاجته لم تقض!.. وكأن الإمام يقصد طلباً للحوائج!.. هذهِ المعاملة معاملة تجارية، أينَ الحُب من هذا الأمر؟..

١٤- إننا -مع الأسف- نزلنا الذكر من عالم الفكر، إلى عالم القلب، ثم إلى عالم الجارحة!.. فالجارحة آخر محطة.. ونحن نريد لآخر الدرجات، أن تكون أول الدرجات..

١٥- إن الصلاة هي الصاروخ الذي يصعد بالإنسان إلى المنصة.. فالمسجد والصاروخ والصلاة والذكر؛ بمثابة الوصول إلى القمر أو الكوكب الذي ستسافر إليه.. القرآن يقول: أنا أريد النتيجة، لا أريد المسجد ولا الصلاة، يا موسى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}!.. ليس من باب الإتيان بالحركات الظاهرية، ولكن أريد منك أن تأتي إلى الصلاة لغاية الذكر.. فإذا انتفت الغاية، انتفت الفائدة.

١٦- عندما يسأل الطفل: هل تحب الله؟.. يقول: نعم، هو ربي!.. ونحن أيضاً كهؤلاء الأطفال، فأين الحب لله -عز وجل- وأين حب الزوجة، والأولاد والمتاع؟.. ليتنا نعطي عشر هذا الحب لله رب العالمين!.. ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره!.. فمدى ذكرنا لله -عز وجل- يكشف عن حبنا الباطني..

١٧- إن الإنسان لا يمكنه في بعض الحالات أن يعيش المعاني القلبية، فيحول الأمر إلى ذكر لفظي..

١٨- إن بعض الناس، عندما يُدعى للشهادة في المحكمة، يخاف من إدلاء شهادته؛ لأنه يخاف من تبعات ذلك، ومن انتقام من شهد عليه، ويخاف من تشكيك القاضي في شهادته، ويخاف أن يشهد ثم تنكشف أن الشهادة باطلة.. فعندئذ من شهد عليه، يطالبه باسترجاع كرامته، وإذا بهذا الشاهد يحبس.. فإذن، إن الشهادة فيها تبعة، وفيها مسؤولية، وهي قضية مخيفة.. وعليه، فإن من يتشهد الشهادتين، عليه أن يعلم أنه لابد وأن يكون على مستوى الشهادة بالوحدانية.

١٩- ورد التأكيد على ألا نجعل مجالسنا -والتي تكلفنا في بعض الحالات الكثير من المال وساعات العمر الغالية- من مصاديق الوبال يوم القيامة، فقد ورد عن النبي (ص): (ما من قومٍ اجتمعوا في مجلسٍ: فلم يذكروا الله، ولم يصلّوا على نبيهم؛ إلا كان ذلك المجلس: حسرةً، ووبالاً عليهم).. أولا تكفي مثل هذه الحسرات عذابا يوم القيامة؟!..

٢٠- إن إمام الرضا (ع) يقول: (كلمة “لا إله إلا الله” حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي).. وهذا لا يعني مجرد التلفظ بالكلمة، فإذا كان الأمر مجرد لقلقة باللسان، فهذا يعني أن الجميع في حصن الله -تعالى- لا ينالهم الشيطان.. وهذا خلاف الواقع؛ إذ أن المراد هو العمل بمقتضى هذه الكلمة، بكل ما تحتويه من معنى.

٢١- إن البعض تستهويه الأذكار بدون عمل، والبعض الآخر تستهويه الحركة العملية المجردة من أي خلفية أخلاقية علمية عملية.. فلا هذا يكفي ولا ذاك!.. إذ لابد أن تكون التنمية شاملة ومتوازنة في كل المجالات.. وإلا فإن الذي ينمّي جانبا دون الآخر؛ فإنه كمن ينمو خلقياً نمواً غير متوازن.

٢٢- لابد أن نعلم حقيقة الاسم الإلهي، الذي أمرنا بالتعبد به، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}.. إذ ليس من المعقول أن من مجرد الحفظ لهذه الأسماء، يوجب دخول الجنة.. وقد ذكر هذا المعنى العلامة الطباطبائي صاحب الميزان (قده)، حيث قال: بأن الأسماء: ألفاظ، وهي عبارة عن حركة صوتية في الحناجر، ومعاني، وهي المتمثلة في الصورة الذهنية لتلك الألفاظ.. وليس لهذا أو ذاك تأثير كبير يستحق دخول الجنة، وإنما الأمر أعمق بكثير.. إذ أن هنالك حقيقة لهذه الأسماء، هي التي جعلت البعض يستغل الاسم الأعظم -كما هو مذكور في الروايات- في إتمام الخوارق الإعجازية.

٢٣- إن الاسم الأعظم، هو معنى من المعاني المختزنة في عالم الغيب، إذا أقسم به العبد كرامة لتلك الحقيقة تستجاب دعوته.. فمثلاً إنسان تستهويه خدمة العباد والإحسان في شتى صوره، تصبح لديه سنخية معينة مع حقيقة الإحسان.. وبالتالي، هو إذا سأل الله -تعالى- بإقبال (يا محسن!.. قد أتاك المسيء)؛ تجاب دعوته، وهكذا في بقية الصفات الإلهية.. فإذن، إن السبيل إلى الوصول إلى الاسم الأعظم، هو تحقيق الأخلاق الإلهية عند الإنسان بقدر الإمكان، وعندئذ لو سأل بذلك الاسم الذي يرمز إلى تلك الحقيقة، فإن رب العالمين لن يخيب رجاءه.

٢٤- الذكر الفكري، أرقى من الذكر اللساني؛ أي أن الإنسان ينشغل بالله عز وجل.. الذكر الفكري بمعنى: أن يتذكر الإنسان الشيء، ولا يتفاعل معه.. مثلاً: هناك شخص كان قادماً إلى المجلس، وأثناء سيره في الطريق رأى حادثاً مرورياً، أدى إلى موت أحد الأشخاص.. وفي نفس اللحظة، يكون هناك إنسان آخر أيضاً قادم إلى المجلس، ورأى الحادث، واكتشف أن الشخص الميت هو ابنه.. فالأول يتذكر الحادث ويستحضره، ولكنه لا يتفاعل معه.. أما الشخص الآخر، فإنه يتذكر الحادث، ويتفاعل معه، ولربما أغمي عليه من الألم.. وأيضا مثال آخر: بعض الأطباء في غرفة العمليات الجراحية، يقول: سبحان الله ما هذا الخلق!.. فهو رأى أعاجيب البدن؛ ولكن قد يدخل وقت الصلاة، وينتهي الوقت، ولا يركع لله ركعة واحدة.. فإذن، إن هذا الإنسان ذكر الله بفكره، بل رأى الآيات الإلهية بين يديه، ولكنه لم يتفاعل.

٢٥- الذكر القلبي، وهو الأرقى؛ بمعنى: أن الإنسان قلبه يتفاعل مع ذكر الله عز وجل، فتحصل رقة القلب وجريان الدمع.. فإذن، إن الذكر القلبي هو ذلك الذكر الذي يتغلغل في أعماق القلب، والجوارح تسعى لأن تطبق حركتها مع الذكر القلبي.. وعليه، فإن الذكر الذي نعتقد أن الإمام (ع) يعنيه في دعاء كميل، هو هذا الذكر الذي يلامس أعماق الوجود.. وبالتالي، هذا هو الذي يقرب الإنسان إلى ربه.

٢٦- إن المؤمن عليه ذكر الله -تعالى- في الشدة والرخاء، وفي كل وقت.. سواء عند أداء العبادات الواجبة، أو عند القيام بالأعمال الحياتية المختلفة، وذلك بالنية الخالصة، بأن تكون تلك الأعمال كلها لله تعالى، ولا نكون من الذين تحول قسوة قلوبهم دون التضرع إلى الله تعالى، فيتعرضوا لسخطه -تعالى- وعذابه {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.. ومن أهم أنواع الذكر قراءة القرآن، الذي جعله الله عبرة لمن يرق قلبه، ويتأثر بالإنذار {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}.

٢٧- إن من المحطات المناسبة للتدبر والتأمل، هي المحطة الواقعة بعد الصلوات اليومية.. فمع الأسف حُصر الذكر والإلتفات إلى الله -عز وجل- بعالم الألفاظ، وعالم الأدعية المقروءة.. والحال بأن الذكر بالمعنى العام، يراد منه الحركة التي تقرّب الإنسان إلى الله سبحانه تعالى، ولو كان في ضمن تدبر وتأمل!..

٢٨- قد يذكر الإنسان الله -سبحانه وتعالى- في نفسه، ولكنه لا يشتاق إليه؛ لأنه يخاف الموت، لذا يكون الذكر بدون شوق.. فالذي يذكر أحداً يذكره وهو مشتاق إليه.. فإذا صار مع الذكر شوق؛ تحول هذا الذكر إلى ذكر دائم.. والذكر الدائم هو ذلك الذكر الذي معه رصيد.. ومن عنده شوق، فإنه يذكر الله -عز وجل- في كل تقلباته، كما في القرآن الكريم: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى