المعصية والذنب

عوامل المعصية في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الفتنة في المجتمع مرتبطة بفتنة الفرد.. فالفرد الصالح هو الذي يربي الأمة الصالحة.. الفرد إذا أراد أن يخرج من الفتنة الخارجية في حياته كفرد، لابد أن يصلح الهيكلية الباطنية، ويقضي على منابع الفتنة في نفسه.. ومنابع الفتنة في هذه النفس: تارة من الشياطين الموسوسة، وتارة من البيئة الاجتماعية المنحرفة بما فيها من وسائل إعلام وغيره، وثالثةً من مخترعات النفس وما يسمى بالتخيلات الباطنية وهذا التوزع الفكري..

٢- إذا ترك الواجب الكفائي، ولم يُعمل به.. فإن الذين كان بإمكانهم التأثير، ولم يقوموا بالعمل يحاسبون جميعاً.. فيوم القيامة من الممكن أن يؤتى بالعبد، وله من الأعمال كجبال تهامة.. ولكن يتفاجأ بملفات كثيرة من السيئات، والآثام التي لم تخطر على باله..

٣- إن هنالك ظروفا يمر بها الإنسان بشكل ضاغط، ينجرف فيها نحو المعصية مثل: مرحلة المراهقة، واستيلاء ساعة الشهوة والغضب، والعيش في بلاد الكفر والفساد، والإحاطة الإجبارية برفاق السوء.. ومن المعلوم أن هذه الأمور، مما توجب سرعة الاستجابة الإلهية عند طلب التوبة، إذ للعبد عذره.. ولكن بشرط عدم التمادي في المنكر على أمل التوبة اللاحقة.

٤- إن ول سلبية للعاصي: أنه إنسان يخالف حركة الوجود -فيه شذوذ-.. ومن هنا لو نطقت الحيوانات والطبيعة، لذمت هذا الإنسان الذي يخالف حركة الوجود.

٥- لا يتوقع الإنسان أن يرتكب سلبية من السلبيات، وهذه السلبية تمر من دون أن ينقص الله -عز وجل- منه شيئاً أو يضيف له سلبية؛ هذه سنته في الوجود: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}.. فالإنسان عندما يعصي، يخرج منه غاز سام.. هذا الغاز السام لا يفنى، يبقى في الوجود، ويوجب له قساوة القلب.

٦- إن من مواطن حلول الغضب الإلهي، هو ما بعد المواسم العبادية: في الحج، وشهر رمضان، وأيام عزاء الحسين (ع)، وبعد استماع الموعظة، وتمام الحجة على العبد.. فقد يكون الإنسان على أكمل وجوه الطاعة، ولكنه بزلة واحدة يستوجب الغضب الإلهي!..

٧- إن البعض يشتكي من فقدان السيطرة في مجال الشهوات، والحال بأنه هو الذي أوقع نفسه في هذه المشكلة، بجعلها في موضع الإثارة.. ومن المعلوم أن مثل هذه الأمور بعض الأوقات لا تحل بالموعظة، إذ أن هنالك غددا تصب إفرازاتها في الجسم فتثير شهوة الإنسان.. ولذا نجد أن الإسلام شدد على هذه الناحية، فأمر بغض البصر، وحرم الخلوة بالأجنبية.. ومن المراحل الخطيرة أن يصل البعض بسبب التمادي في الباطل والمعصية، إلى سلب نور الإيمان؛ فيحرم التوفيق العبادي، فتراه يقف بين يدي الله -عز وجل- ليصلي، ولكن وجوده لا يقبل الصلاة.

٨- واردات الوجه الذي تتركز فيه غالبية المعاصي: هنالك العين: وذنبها النظر بشهوة أو ريبة.. وهنالك الأذن: وذنبها الاستماع لما حرم من الغناء، والغيبة، والبهتان، والنميمة، وغير ذلك.. وهنالك اللسان: وذنبه الفحش، والكذب، والغيبة، وباقي المعاصي القولية.. وهنالك الفم: وذنبه إدخال الطعام الحرام فيه، واستعماله في المنكر؛ كالتقبيل المحرم مثلا.. وإذا انتقلنا من الوجه، فإن المصدر الأساسي الآخر للفاحشة؛ هي ذنوب الغريزة، وما يلحقها من كوارث!..

٩- إن استنكاف الشيطان من السجود لآدم (ع) كان نابعا من فلسفة باطلة، مفادها: أن السجود المختص بالله تعالى، كيف يكون للبشر، وخاصة إذا كانت خلقته من مادة دون النار، ألا وهو الطين؟!.. والحال أنه غفل عن أن السجود لآدم (ع) وإن كان تشريفا كبيرا، إلا أنه بأمر من الله تعالى، فعاد الأمر إلى تكريم الأمر الإلهي.. وعليه، فلماذا يستنكف البعض عن تعظيم الأنبياء والأوصياء إذا كان بأمر إلهي، كما هو من لوازم مودتهم التي أمرنا بها؟!..

١٠- إن المعاصي بمثابة شبكة الصيد: فمن المعلوم أن شبكة الصيد -هذه الأيام- عبارة عن قناة ضيقة، وعندما تدخل السمكة وتعبر القناة الضيقة تقع في الفخ ولا يمكنها العودة.. المعاصي كذلك: فمعصية تجر معصية.. ورب العالمين نهانا في كتابه بعدم إتباع خطوات الشيطان، فهذه الخطوات متمثلة بالمعاصي، حيث تبدأ القضية من النظرة من خلال التلفاز أو من خلال الإنترنت.. والبعض يقول: بأنها مجرد نظرة، ويلقن نفسه بأنها صغيرة من الصغائر، والله لا يؤاخذنا على هذه الصغائر.. ولكنه يغفل عن حقيقة مهمة، وهو: أن النظر يثير البواطن وهرمونات الغدد الكذائية، فعندئذ يبحث عن الواقع، وهذا الذي يحصل.

١١- بلا شك أن الابتعاد عن الدين والأخلاق، والارتماء في أحضان الأهواء والشهوات؛ حقيقة مؤلمة.. وكأن الجري والانكباب وراء الماديات هي الأصل والأساس، إذ عاد الدين وأتباعه غريباً كما بدأ غريبا.. وبهذه النظرة المقلوبة، نلاحظ الانتكاسة تلو الانتكاسة في المجتمع الإسلامي، حيث اكتظاظ الناس في مجالس اللهو والغفلة، في حين باتت بيوت الرحمن خالية، فإذا ما وجد هنالك مسجد يقيم الصلاة جماعة -وخاصة صلوات الفجر- عد ذلك المسجد نموذجياً ومميزاً.. والحال بأن الصلاة كتاب موقوت على جميع المسلمين، بينما ما يجري في الأسواق وغيره لا يعد غريبا، بل يواكب التقدم والعصرية!..

١٢- إن الشريعة الإسلامية قائمة على أساس سياسة الدفع لا الرفع.. والإسلام لم يمنع الاختلاط، إلا لأنه يعلم بأن هنالك تجاذبا قهريا فطريا بين الرجل والمرأة، هذا بالإضافة إلى عوامل الإعجاب المختلفة: في المظهر، والمادة، والثقافة، والتدين؛ مما يبعث على حب اللقاء والوصل.. وبالتالي إذا لم يكن ذلك؛ -لعوائق شرعية أو غيرها- فإنه سيؤدي إلى القلق، والانتكاسات الباطنية، والانهيار العصبي، واللجوء إلى الأساليب المحرمة.

١٣- إن الشريعة حرمت التواصل الشهوي المريب، سواء كان بالنظر أو الكلام، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}.. وحرمت المصافحة بين الرجل والمرأة؛ لأنها تؤدي إلى حالة من سريان المشاعر بين الجنسين.. وعليه، فإننا نقول: لابد من أخذ الاحتياط في هذا المجال، والابتعاد عن كل ما يجانب الشريعة.. جاء في الحديث: (ما خلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما).

١٤- إن البعض يجمع بين قبح المعصية وما هو أقبح!.. فهو لا يكتفي بتحديه لرب العالمين وشريعته؛ بل أيضاً لا يستحي ويجاهر بالمعصية!.. وكأنه يقول للآخرين: أن هلموا شاركوني في هذا الطريق المنكوس المظلم!..

١٥- إن التقنية الحديثة سهلت المعاصي: في الأزمنة القديمة كانت المعصية مكلفة وغير متيسرة، بينما هذه الأيام وسائل الإعلام، جعلت الإنسان يستسهل الحرام في جوف الليل، فهي تنمي في الإنسان النصف البهيمي.

١٦- إن هنالك قسماً من الناس يعيش الإنماء الباطني -إن صح التعبير- فهو تارة يكون في الحقل النظري، وتارة يكون في الحقل العاطفي.. إن البعض يعيش حالة التأمل دائماً، وخاصة في صنف الفلاسفة والمتكلمين وأصحاب النظريات، ينظر ويتكلم عن الدين في جانبه الفكري، ويأتون بكلام لطيف وجميل.. يصل الأمر في البعض إلى هذه الدرجة من السخف في التفكير، أنه يريد أن يطيع أو يخدم رب العالمين بطريقته.. البعض منا هكذا يريد أن يخدم الشريعة كيفما اتفق!.. ولهذا بعض أصحاب المواقع والمنتديات الإسلامية، وفي أثناء العمل يرتكبون المخالفات الكثيرة في هذا المجال: استرسالاً مع الجنس الآخر، وما يلحقها من تبعات.. فالبعض هكذا يعيش الجانب الفكري من الشريعة.. كثير من الفلاسفة الإسلاميين، وأهل التنظير، البعض يشك في عبادتهم، حتى لعل البعض كان يصل لدرجة شرب الخمر، ولكن عندما يكتب، يكتب ما يبهر الألباب!..

١٧- إن هنالك بعض البدايات المخيفة في ذهن الإنسان وفي عقله، فإذا رأى أحد في وجوده ميلاً إلى الحرام، ورأى في نفسه تشكيكاً لأصل من الأصول، فليبادر إلى تنقية الوضع.. فإن هذا الميل إلى الحرام، من الممكن أن يشتد إلى مرحلة العزم والرغبة الأكيدة.. فهنالك ممن سرقوا الملايين، وكانوا قد بدءوا بالدرهم والدرهمين.

١٨- إنّ إخلاص النية في كل قول وفعل، أساسٌ لمرضاة الله تعالى.. وينبغي البحث عن كل دواعي الشرك الخفي في العبادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى