المعصية والذنب

ترك المعاصي في كلمات الشيخ حبيب الكاظمي

١- إن الذي يترك المعاصي بمعاناة؛ أجره أكثر.. ولكن خطورته أعظم، فهذا على شفا حفرة من النار..

٢- إن صوم الخواص، هو أن يعيش الإنسان حالة المحضرية لله -عزّ وجلّ-.. المحضرية التي تردع الإنسان عن المعاصي والذنوب، وهذه طريقة من طرق الردع عن المعاصي والذنوب..

٣- إن شهر رمضان، شهر الضيافة الزمانية.. كما أن الحج والعمرة هما الضيافة المكانية.. لذا علينا أن نحترس من الذنوب، ألا نقرأ في أول دعاء الافتتاح: (وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة)!.. فهذا الشهر أيضاً من مواضع النكال والنقمة من الله، لذا علينا أن نراعي حرمة هذا الشهر المبارك!..

٤- إن الابتعاد عن أجواء المعصية والخطايا، تجعل القلب في حالة من الاطمئنان والاستئناس، في حال ارتباطه بالمولى.. وتجعل القلب دائماً منبسطاً منشرحاً لذكر الله، ومرتعاً لرضاه تبارك وتعالى..

٥- إن من مناشئ غلبة الهوى: عدم التحكم في الحرام الأول بعد البلوغ، فإن للحرام الأول قبحه عند المكلف، ولكن بتكرار الممارسة، يفقد الحرام قبحه إلى أن يصل الإنسان إلى درجة يرى نفسه غير قادر على السيطرة على نفسه، رغم قناعته التامة بقبح ما يرتكبه.. ومن هنا كانت مراقبة الوالدين أيام البلوغ، ضرورية في هذه المرحلة..

٦- إن الإنسان الذي ينسحب من الجدال بعد أن يتبين أنه على باطل، هذا عمل حسن؛ ولكن الأعظم والأعلى درجة: أن يكون الحق معه، وينسحب، ويقول للطرف المقابل: أنت افترض أن الحق معك!.. فعن رسول الله (ص): (من ترك المراء وهو مبطل؛ بنى الله له بيتا في ربض الجنة.. ومن ترك المراء وهو محق؛ بنى الله له بيتا في أعلى أجنة)..

٧- لماذا ينظر الشاب إلى ما لا يجوز النظر إليه؛ سواء كان حقيقةً أو صورةً؟.. هناك تفاعلات في الباطن، والشاب الذي يدمن النظر إلى الحرام، هذا الشاب تتغير تركيبتهُ الهرمونية.. فهذهِ الغدة تابعة للأوامر الإلهية.. ما دام هناك خيال محرم؛ فإن الغدة تفرز، وهذا الإفراز يدخل في الدم، والدم يجري في العروق.. وإذا بهذا الإنسان يسلب الاختيار.

٨- إذا أراد الإنسان أن يبني نفسه سلوكياً وروحياً، عليه أن لا يقوم بحركات مبعثرة: يوم أوراد، ويوم ولائيات، ويوم عقائديات.. فالمهم أن نبدأ بداية صحيحة، والبداية أن نبدأ من هذه النقطة: ترك المعاصي بكل صورها.. فالذي يريد الكمال الأخلاقي، لا يمكنه أن يرتكب معصية من المعاصي..

٩- إن ترك بعض المعاصي، أو كل المعاصي السمعية والنظرية والقولية، أمر سهل جداً.. فالذي يريد أن يصل إلى درجات القرب الإلهي، هل يثقل عليه أن لا يسمع الغناء مثلاً؟!.. فإذن، إن الخطوة الأولى أن لا يكون هنالك مزاحم.. والمعاصي مزاحمة.

١٠- نفهم من بعض آيات القرآن الكريم: أن الله -عز وجل- إذا أحب عبدا تصرف في قلبه!.. فالإنسان يجاهد في ترك المعاصي، وفعل الواجبات.. ولكن الله -عز وجل- يتصرف في قلوب البعض {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}؛ أي يصبح الحرام ثقيلا على نفس الإنسان، والواجب مستمتعا به.. وعندئذ لا تكلف في البين!..

١١- إذا أردنا أن نقتلع منكرا من جذوره، فلا بد من القضاء على الموجبات الباطنية له.. وذلك من خلال إثارة الوجدان تارة، ومن خلال إثارة الفكرة والتأمل في عواقب المنكر تارة أخرى.. فالنبي المصطفى (ص) يجيب على من يطلب منه الإذن له في الزنا بالسؤال: هل يرضى أن يزني أحد بذويه؛ كأخته مثلا؟!.. والإمام السجاد (ع) عندما يمر برجل بطال، كان يضحك أهل المدينة، فإنه يذكره بيوم الحساب، ليكون ذلك بمثابة هزة فكرية ووجدانية في أعماقه، حيث يقول له الإمام (ع): (إن لله يوماً، يخسر فيه المبطلون).

١٢- إن ضعف النفس الإنسانية أمام مثيرات الشهوة، مثلها كمثل مركبة فضائية، اقتربت من دائرة الجاذبية الأرضية، مما جعلها تفقد توازنها، متجهة إلى الأسفل، مرتطمة بالأرض.. والحال أن طريق السلامة يتمثل في الحركة ضمن دائرة الأمان، وذلك بعدم الاقتراب من المواضع، التي يفقد الإنسان فيها سيطرته على نفسه.. والملاحظ في هذا المجال: أن القرآن الكريم نهى عن الاقتراب من الزنا، ليشمل النهي بذلك عن المقدمات البعيدة لها أيضا من: النظر، والخلوة، وما شابه ذلك.

١٣- إن أفضل الأعمال العبادية، هو العمل على تنقية القلب من كل الأمراض الباطنية.. فإن القلب إذا صار سليماً، صار محطاً للألطاف الإلهية.. لماذا لا نحاول أن نصل إلى هذه الدرجة التي وصل إليها إبراهيم الخليل (ع): {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؟.. أن ينظر الإنسان إلى قلبه، ويرى إن كانت فيه بوادر حسد، أو سوء ظن، أو ميل إلى متاع الدنيا، أو غيره من الأمراض الباطنية، ويقتلعها من جذورها اقتلاعاً، ليصل إلى تلك الدرجة العالية.

١٤- إن من موجبات الشقاء؛ حالة الملكات الخبيثة في النفس.. فالإنسان الحسود -مثلاً- يعيش الاضطراب والتوتر والحقد.. وبالتالي، فلا مجال له أن يتفرغ لا لطلب العلم، ولا للعمل الصالح.. وعليه، فإن خلو الصدر من الأمراض الباطنية؛ من موجبات تحقيق السعادة.

١٥- إذا تحقق للفرد خلوة محرمة، ليرتكب فيها منكرا من المنكرات: سواء مع طرف ناطق أو صامت، فإن هناك ثلاثة طرق للردع بحسب الموازين الدنيوية، وهي متمثلة في: التهديد بوجود من سينتقم منه فور الخروج من ذلك المكان، أو الترغيب بجائزة كبرى هي غاية الأماني، يجدها على الباب فور تركه لذلك المنكر، أو التخويف بوجود جهاز التقاط يبث كلما يجرى في ذلك المكان، وخاصة تلك المناظر التي يستحي هو منها، فضلا عن رؤية الغير لها.. أوَ لا تكفي هذه الروادع المادية لتخليصه من ذلك المنكر؟!..

١٦- بقليل من التأمل يظهر أن هذه الروادع كلها موجودة في الجانب الغيبي، فالعبد الذي يعيش حالة اليقين، سيجد في نفسه كل هذه الروادع.. فمن ناحية يرى الأجر المعجل لترك الشهوات المحرمة، والمتمثل في التلذذ الباطني، نتيجة إحساسه بالبطولة، وذلك لغلبته على خصميه: النفس، والشيطان.. أضف إلى إحساسه ببرد الرضا الإلهي، الذي لا تنافسه لذة من لذائذ الدنيا!.. كما أن هذا العبد يجد نفسه مراقبا أشد المراقبة أمام من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإن إحساسه بأقربية الله -تعالى- إليه من حبل الوريد، يجعله متيقنا بأن خواطره التي قد تخفى على نفسه، لا تخفى على العليم الخبير.

١٧- إن الذي يستذوق ويستلذ الحرام، من الممكن أن لا يرتكب الحرام من باب المجاهدة، ولكن قد يغلب عليه هواه كما هو معروف في المثل: (الطبع يغلب التطبع).. ومن هنا فلابد للمؤمن من المجاهدة، ولابد أن يصل إلى مستوى يستقذر الحرام بمعنى: أنه لا يرى للحرام جاذبية.. وإذا وصل لهذه الدرجة، فإن تركه للحرام سيكون بشكل انسيابي جداً، ولا يخشى عليه من المهالك.

١٨- إن ترك المعاصي من موجبات انفتاح الأبواب الباطنية، وتقوية الذاكرة.. لأن تشتت الفكر من تشتت الصور الواردة، فإذا قلّت هذه الصور، تحقق التركيز الذي يتمناه كل مؤمن في عبادته أو في تأملاته.

١٩- إن الإنسان حينما يبتلى بمرض، ثم يتعافى منه، فإنه يكون هناك بعض التوصيات الطبية من الأطباء الحاذقين، ليبقى الفرد على سلامته، ولئلا يعود إليه المرض ثانية.. وكذلك فإن الإنسان المذنب بمثابة مريض ابتلي بجراثيم الذنوب -بجرثومة أو أكثر، بحسب المعاصي- والآن وبعد أن تاب هذا المذنب ودخل مستشفى الطب الروحي، من خلال فترة روحانية، أو موسم عبادي، أو حتى ليلة من ليالي الإنابة إلى الله عز وجل.. -إذ من الممكن أن تكون بعض ليالي السنة أبرك عملياً حتى من ليلة القدر- هناك توصيات يجب أن يتبعها.

٢٠- إن بعض المعاصي يقوم بها الإنسان، ثم يستغفر منها.. إلا أنه من الممكن أن تُبقي بعض التغيرات الفسيولوجية في بدنه.. فالإنسان الذي توغل في عالم الشهوات، ربما تتغير حتى تركيبته البدنية، فيصبح إنسانا سريع الإثارة، وسريع التفاعل مع موارد الحرام.. إن ارتكاب الحرام المتواصل، من الممكن أن يؤدي إلى هذه النتيجة الوخيمة؛ ولهذا فإنه يحتاج إلى ما يشبه الاستبراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى